فلسطين.. سيناريو النهاية

 

 

بقلم : هاني فحص 

 

 

يعيش بعض الاجانب من أصدقاء العرب الذين لا يلعبون، حالة من الدهشة والاحباط بسبب سرعة اندفاع العرب الى الانبطاح أمام الوقائع التي يضعها شارون في فلسطين والمشروعات الاميركية التي  تمهد لها ثم تعود لتتركب عليها آخذة في اعتبارها كل انجاز يحققه شارون وكل إرباك يصيب السلطة والمقاومة الفلسطينية وكل انحسار عربي عن فلسطين او حصار عربي للفلسطينيين. ولا يخفي  صديق للعرب من عيار ثقيل (يفغيني بريماكوف) رئيس وزراء روسيا السابق ووزير خارجيتها الاسبق والبقية الباقية من تركة الاتحاد السوفياتي في رصيده العربي.. لا يخفي دهشته وحنقه  للمفارقة التي يراها بين الامكانات العربية والسلوك العربي، او بين زخم الانتفاضة والصمود الفلسطيني وبين الرعب والارتخاء في مفاصل الدول العربية، من دون ان ينسى ان يتساءل عن وجود ودور  القوى السياسية العربية المنظمة والعفوية، التي لم يقصر أسلافها بعد نكبة عام 1948 فردوا على النكبة بردود كان بعضها موفقا وبعضها لم يوفق، ولكنهم ردوا.. كما لم يقصر الاسلاف الأقرب  عهدا، بعد نكسة عام 1967 فردوا بالمقاومة وبالقرارات التي مانعت وعاندت آثار النكسة وتداعياتها منذ قمة الخرطوم ولاءاتها، ما كان مقدمة لاستعادة مصر قوتها وموقعها ودخولها في حرب الاستنزاف  التي كانت تمهيدا ميدانيا لحرب رمضان بالشراكة مع سوريا ومساندة عربية وان لم تكن كافية، فإنها كانت لافتة.

لقد امتلأت الانظمة والطلائع العربية المنظمة والاهلية شعورا بالرضا لأنها استطاعت ان تسير لأيام في شوارع المدن العربية وتهتف للانتفاضة وتؤيد العمليات الاستشهادية وتتبرع بما يكفي ثمن حليب  لأطفال فلسطين لمدة يوم وليلة او ليلتين، من دون ان يصل من الأموال أكثر من عشرها، ويبقى تسعة أعشار في كنف المؤسسات المصرفية العربية لتتراكم فوائده حتى يستفاد منها لاحقا في تعويض  الفلسطينيين عن سلطتهم الوطنية بعد تفكيكها ودولتهم العتيدة بعد اقتلاع فكرتها من رؤوس الجميع.

وفي حين كان الشعب الفلسطيني وقواه الحية بحاجة الى احتضان اكتفينا بالربت على كتفه ريثما يستحكم به الجوع والفقر والسجن والطرد والمصادرة ثم الفتنة بعد الانقسام. لنوسع له في أحضاننا  الضيقة، ونحول قضيته الى مطالب اجتماعية على ارضه او في ارض الشتات الجديد المنتظر قريبا. وقد أنجز لنا شارون كل المقدمات الضرورية لهذا المآل العسير. فقد انهى كيان السلطة تمهيدا  لإلغاء فكرة الدولة، التي شرط لها بوش شروطا شارونية تجعلها في مصاف المحال.. ولم يبق على شارون الا ان يلغي الرموز، قطعا للذاكرة ومنعا لاستحضار المثال في المستقبل.. وها هم  العرب مشغولون بتدبير مكان لإقامة عرفات، فهل يقتصر الامر عليه. لا بد من ان يطال الالغاء منظمة التحرير التي يعتبرها الصهاينة الجامع الأهم للفصائل الفلسطينية المختلفة والمتعارضة بحيث لا  يصلح إجماعها على المقاومة جامعا لها من دون وجود المنظمة كإطار ناظم وهنا لا يفرق الصهاينة بين اعتدال وتطرف، وان كانوا يتوقفون طويلا عند الفصائل الاسلامية ويعتبرون ان ما يمكن ان يتبقى  منها مع غيرها في ساحة القتال في فلسطين، او في الخارج، ذريعة مناسبة للاستمرار في الحرب العالمية ضد الارهاب، اذاً: بعد عرفات سوف (تكر المسبحة) ليلحق به على التوالي فتح بكل  ألوانها وحماس وفدا والشعبية والجهاد، والديموقراطية الخ.... في حين يكون الاميركيون قد خلقوا او اختلقوا او دبروا للعرب، أنظمة وقوى منظمة او شعبية، قضايا اخرى متفجرة وذات مخزون  عال من المخاطر وذات احتمالات أكيدة بسلسلة من الحروب الاهلية، ليصرفوا نظرهم المصروف، نهائيا عن فلسطين.. اما اسرائيل فإنها تكون قد اعادت تأسيس حالها دولة واجتماعا وسياسة مرة  اخرى، ومن هنا يصبح شارون لا مؤسسا فقط، بل ومورثا، يورث التأسيس المتجدد لمن يأتي بعده من دون فرق بين يمين او يسار، لا يختلفان الا في التعبير عن نسب متقاربة من عدائهم للعرب.

وماذا بعد تفكيك البنية والعلاقة الامنية الفلسطينية بإسرائيل؟ لا بد ان يتم استكمال ذلك بتفكيك النواظم والعلائق الاجتماعية الاهلية الموروثة من زمن الاحتلال والادارة العسكرية قبل اوسلو وتلك  المستحدثة بعده، اي المسح الكامل لأبنية السلطة وبناها التنظيمية، وفتح الباب أمام الترانسفير على أسس معيارية، معيارها الشراكة في القتال او في السياسة القتالية، اي ان الغالبية الساحقة من القيادات  والكوادر السياسية والعسكرية مرشحة للطرد... واذا ما بقيت بقية منها لتمارس دورا عسكريا محدودا بين فترة وأخرى فانها لن تزيد على عشرة بالمئة من مجموع الشعب المتبقي التي تكون أغلبيته  الساحقة قد انهكت وفضلت العيش على ارضها ودفع كل الضرائب المترتبة على ذلك، تجنبا لمأساة ترحيل وشتات ما زال الجميع يعانون من مذاق الذل في سوابقها... ومع تجفيف أسباب الحياة  والعيش الكريم، او جعلها في منتهى الصعوبة، تصبح أكثرية الشعب على استعداد للتنصل من اي عمل مقاوم او معاداته لتحوله الى مجرد عصابات معزولة او مكشوفة شعبيا.. وهنا يضع الصهاينة  احتمال ان يتكون من المهجرين الى خارج الارض المحتلة فصائل مقاومة جديدة على غرار ما حصل بعد النكبة وتنامى بعد النكسة، وهنا لا بد من الاحتياط باختراع الصهاينة لتشكيلات ادارية تكون بمثابة  قوى امر واقع سياسية، تشكل من الداخل ردا على احتمالات الخارج... وهنا بالذات لا تتمتع الرؤية الصهيونية الى احتمال تكون مقاومة جديدة في الخارج، بالوضوح الذي تتمتع به بقية فصول  السيناريو.. غير انهم يأخذون في اعتبارهم ان الاوضاع العربية المتوقعة في المستقبل القريب لن تسمح للفلسطينيين بتجربة من هذا النوع، مع الالتفات الى ان الظروف بعد نكسة 67 كانت مختلفة  تماما... ثم ان الانتفاضة الاولى والثانية، كانتا بهذا الزخم على أساس أن تجربة القتال من الخارج قليلة الجدوى ومحكومة بعوائق داخلية وخارجية كانت صعبة دائما ولكنها هذه المرة أشد  صعوبة.

كل انتفاضة ونحن بخير، كل فلسطين ونحن بخير... كل قدس ونحن بخير..