مثلث القلق المشروع

 

 

بقلم : شعبان عبود 

 

مع تزايد احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية ضد العراق تستهدف تغيير النظام فيه، تعيش كل من إيران وسوريا وتركيا وهي الدول المجاورة للعراق حالة من الترقب والقلق بنفس الوقت الذي  تسعى فيه، وكل حسب موقعها، لتطويق الآثار المترتبة عن عملية كهذه فيما لو حصلت قريباً، إضافة لأخذ حيطتها ودراسة التصورات والسيناريوهات المتوقعة لما بعد مرحلة صدام حسين.

وحقا انها لمعضلة اقليمية صارت تواجهها اليوم الدول الثلاث نظرا لما يمثله العراق لهذه الدول، كل حسب أسبابه وظروفه سواء منها الداخلية او الاقليمية.

ففيما يتعلق بإيران ثمة احساس مشروع بالقلق من ان الضربة، فيما لو حصلت لن تكون سوى المقدمة والخطوة الاولى من حملة اميركية هدفها ترتيب اوضاع جديدة في المنطقة وفقا لما تتطلبه المصلحة  الاميركية وبما يخدم تطلعاتها. وفي هذا السياق تدرك طهران، انها احدى الدول، وربما أولها، الموضوعة على أجندة الادارة الاميركية.

كذلك تأتي الحملة المتوقعة ضد العراق في وقت استطاعت فيه كل من طهران وبغداد تحقيق اختراق على مستوى العلاقة الثنائية بعد سنوات طويلة من القطيعة والجفاء واختراق سياسي ودبلوماسي  أنجزته الجمهورية الاسلامية مع دول الجوار الاقليمي وخصوصا المملكة العربية السعودية. وتوجيه الضربة للعراق يطرح احتمال العودة لمناخات اقليمية جديدة من التوتر ما يعني التفافاً أميركياً  بارعاً على النجاحات الدبلوماسية الايرانية.

ومن جملة ما تعنيه الضربة ضد العراق المجيء بقيادة للنظام العراقي مدعومة اميركيا، وبالتالي إضعاف المواقع الاقليمية الاساسية المناهضة لإسرائيل مع ما يجر ذلك من زيادة في الخلل الحاصل في  ميزان القوة الاقليمي لمصلحة <<الكيان الصهيوني>>.

وتدرك طهران جيدا ان التغيير سيجعل من العراق نقطة انطلاق وقاعدة لجماعات المعارضة للنظام الايراني كمنظمة مجاهدي خلق، وهي التي كادت ان تشل وتقضي نهائيا على كل بؤر المعارضة  المجاورة سواء منها التي تتخذ من تركيا مرتكزا وقاعدة او من العراق.

وإيران واعية للمخططات الاستراتيجية الاميركية الهادفة لتطويقها فيما لو تم ضرب العراق، خاصة وان واشنطن أحكمت الطوق عليها بنشر جنودها على حدودها الشمالية في بعض دول الاتحاد  السوفياتي السابق فضلا عن التحالف الذي يربطها مع تركيا منافس إيران التقليدي في الشرق الاوسط ومنطقة بحر قزوين. فمع ضرب العراق وتنصيب نظام موالٍ لأميركا، تغلق تماماً حدود إيران  البرية وربما سماؤها وبحرها ايضا، وهنا مكمن القلق الايراني.

في ما يتعلق بالقلق التركي صار واضحا ان أكثر ما تخشاه أنقرة هو تهديد وحدة العراق مع قيام الولايات المتحدة بضرب نظام بغداد المركزي، الامر الذي يعني خلق أوضاع مؤاتية لقيام دولة كردية شمال  وغرب العراق، اي على الحدود الجنوبية الشرقية للجمهورية التركية وهي الرقعة التي تحوي على أكبر تجمع سكاني كردي، وفوق ذلك فهي بقعة التمرد الكردي التاريخي على الجمهورية ومنطلق  النزعات الانفصالية. وكان واضحا تعليق أحد المسؤولين الأتراك ردا على سؤال أحد الصحافيين اللبنانيين المتابعين للشأن التركي عن هذا الموضوع حينما قال <<سنحارب الدولة الكردية حتى لو  قامت في الأرجنتين>>.

ما يبعث على القلق التركي ايضا الخسارة الاقتصادية المتوقعة من جراء مغامرة عسكرية كهذه، علما بأن حجم التبادل التجاري بين تركيا والعراق وصل الى نحو مليار دولار (بعض المصادر تتحدث عن  750 مليونا فقط) ومعروف لدى المتابعين ان أنقرة تسعى جاهدة للتخفيف من وطأة الازمة الاقتصادية التي ما زالت تعاني منها جراء حرب الخليج الثانية وما جرّته عليها من تقليص في حجم المداخيل  والقطع الاجنبي.

وتدرك تركيا في ظل إصرار الولايات المتحدة على تنفيذ مثل هذا المشروع انها سوف تكون مرغمة على تقديم ما يترتب عليها لوجستيا دعما للضربة الاميركية وتنفيذا للاتفاقات الموقعة مع واشنطن، لا  بل هناك أنباء صحافية تركية تحدثت عن وصول نحو سبعة آلاف جندي أميركي الى قاعدة أنجرليك التركية ضمن خطة تشمل ايصال نحو أربعين ألف عسكري أميركي تمهيدا للضربة، وأنقرة تدرك  جيدا مخاطر مثل هذا التعاون مع اميركا بالنسبة لعلاقاتها مع الدول العربية المجاورة التي ما انفكت تعبر عن تحفظات عن التحالف الذي يربط تركيا مع اسرائيل، كذلك مخاطر الشارع التركي المسلم في  حال مساعدة الولايات المتحدة في تنفيذ تهديداتها للعراق.. المسلم ايضاً.

وفي ما يتعلق بسوريا ثمة تقاطعات مع المثالين الايراني والتركي لجهة المخاوف، مضافة اليها المشاعر القومية في سوريا.

وللمسألة الاقتصادية دورها في الوقت الحالي في قلق دمشق، خصوصا وانها قطعت مع العراق شوطا كبيرا منذ (1998) على الصعيد التجاري والنفطي ما حقق لها عوائد تتجاوز المليار دولار سنويا  (رقم رسمي) ويحكى عن مشاريع وخطط لتجاوز هذا الرقم، ما يعني اهمية السوق العراقية بالنسبة الى سوريا.

وعلى مستوى استراتيجي تعلق دمشق آمالا على العراق كعمق حيوي في إطار صراعها مع اسرائيل بعدما زادت الضغوطات عليها وبعد ان لاحت في الأفق امكانية حصول إرباكات لموقعها ودورها  الاقليمي ضمن معادلة الصراع مع اسرائيل، لذلك وحسب <<دبلوماسية البدائل>> التي تنتهجها دمشق منذ السبعينات، ثمة مشروعية للقلق السوري، من احتمال قيام واشنطن بزرع نظام في العراق  موالٍ للغرب.