عن بيان لنخبة فلسطينية: لماذا الآن ولمصلحة من؟

 

 

 

بقلم : ناصر السهلي 

 

لا بد من الاعتراف بأن هذا النقاش الذي تشهده الساحة الفلسطينية بعيد نشر ما بات يطلق عليه <<بيان>> او <<نداء المثقفين>> بشأن العمليات الفلسطينية ضد المجتمع الصهيوني بعمق  الفجوة بين هؤلاء الذين يملكون الأدوات والوسائل للتعبير عن رؤيتهم ومن بينهم الذين بادروا الى صياغة البيان وتأمين مستلزمات الحصول على التواقيع، التي اثير الكثير من الجدل واللغط حول بعضها،  وبين الفلسطيني العادي الذي يملك بكل تأكيد رؤية وموقفا وقدرة منقطعة النظير في قراءة الواقع السياسي ومستجداته بناء على ما يحياه هذا المواطن العادي.

هم الذين يدركون أن دولة الكيان الصهيوني ما تزال ترى مشروعها لم يكتمل ونخبها السياسية والثقافية تجتر من ثقافة القتل والتزوير ما يبرر لها وجودها مقابل مطالبة المجتمع الفلسطيني ان يخجل من  دعوته لتطبيق حقه في العودة لان ذلك سيثير <<المتطرفين>>؟ في الطرف الآخر! أليس الشعب الفلسطيني برأي الجميع هو المطلوب منه ان يكون متسامحا فهل أكثر من هذا التسامح الذي يقبل  رسميا وحزبيا بدولة على أصغر جزء من فلسطين التاريخية بينما الطرف الآخر يجد في دعواته لطردنا من <<يهودا والسامرة>> حقا غير قابل للنقاش!

نقول ذلك ونحن ننظر، بعين الاسى لأسماء كنا نجلها ونقدرها وما زلنا وهي تدون اسماءها في بيان لا يتوافق لا مع التكتيك ولا الاستراتيجيا اللذين تفهمهما النخبة فهما غير ذوي علاقة بهموم وأوجاع  معاملتك مثل القطيع على الحواجز والمعابر وتبرير قتلك بهذه الطريقة السخيفة التي تبرر فيها خارجية شارون مجزرة سوق جنين بأن <<الفلسطينيين خرقوا نظام حظر التجول فتم قتلهم>> بما فيهم  أطفال لا يفهمون معنى أن يحظر عليهم التجول!

المشكلة في بيان او رأي الداعين لوقف هذا النوع او ذاك من العمليات تجاهلها التام لقيمة المشاعر الانسانية التي تصيب الانسان الفلسطيني وهو يرى ان مقتل المدنيين في صفوفه لا يثير ولا حتى سخطا  بسيطا عند هذا المجتمع الدولي الذي يبرع المتحدثون باسمه على وصف 17 قتيلا من الجنود في مفترق مجيدو ب<<الابرياء>> او الاشارة الى مقتل المستعمر بأنه عمل <<وحشي>> لأنه تأتى  عن عملية اطلاق نار او تفجير الجسد كواسطة لإحداث التفجير في ظل المطالبة بمصادرة حتى البندقية من الفلسطيني. وفي المقابل ينظر الى الفلسطيني الذي تقتله قوات الاحتلال على انه من هذا او  ذاك من المنظمات <<الارهابية>> واعتبار مقتل اطفال وزوجة أحد السياسيين الفلسطينيين لدى محاولة اغتياله بمثابة <<خطأ>> ليس الا.

لا نريد هنا ان نعدد سيلا كبيرا من ممارسات الاحتلال لنقول لهؤلاء بأن سيكولوجية الاضطهاد والاصرار على اعتبارك فوق أرضك المحتلة مجرد أرقام يمكن نقلها الى مكبات الدنيا كلها الا ان تبقى في  <<المناطق>> او <<يهودا والسامرة>> والحديث عنك وكأنك من عالم لا يستحق الا السحق او <<الشفقة بتخليصك من ارهابيتك>> لا تولد ما يتولد عند النخبة من مشاعر الانشغال  بتخليص المجتمع الاسرائيلي من الاحتلال من دون عناء فهم سيكولوجية المضطهد الذي يقول في بياناته الاستشهادية (.... حتى زوال الاحتلال)!.

طائرات الاباتشي ودبابات ميركافا لم تصمم حسب ما فهمنا الا لحرب بين الجيوش وعدو مسلح بينما نراها تستخدم في الاراضي الفلسطينية لتدمير المنازل والمنشآت وقتل النساء والاطفال، وهم بكل تأكيد  مدنيون الا اذا كان اصرارهم على رفض الخضوع للاحتلال يصنفهم كجيوش عند بوش وأنان، واذا كان كذلك فيكون لزاما الاقتناع بأن المجتمع الذي يقبل ان يدمر جيشه وعصاباته من القتلة المستعمرين  اراضي الآخرين المحتلين ليسوا مدنيين! ليس من الحضارة بشيء ان يقبل بقتل المدني الفلسطيني واستباحة كرامته ومقدساته بأحدث صنوف السلاح المتطور دون تلك العبارات القوية المنددة في ذات  الوقت الذي يعتبر فيه اي فعل مقاوم للاحتلال، حتى لو كان في اراضي 67 حسب رؤية تينيت وغيره، عملا <<ارهابيا>>، فالاحتلال الذي يجتاح هذه وتلك من المدن والقرى لارهاب الناس نياما لا  يمكن وصف ممارساته باعتباره دفاعا عن النفس وان اعتبرها بوش كذلك.

هذا النداء الذي تنشغل به الساحة الفلسطينية لن نقول عنه أنه <<مفبرك>>، وهنا تكمن احدى أكبر المساوئ التي صبغته، فهؤلاء الذين قبلوا ان تكتب اسماؤهم فيه والذين اعتبرهم الاعلام نخبتنا  ومثقفينا برأيي المتواضع يمارسون اغتصابا رهيبا لتاريخ طويل من معاناة فقراء ومقاومي هذا الشعب العظيم الذي لم يعط لأحد الحق في تزوير فهمه للمقاومة، ومن منطلق ان النخبة والمثقفين الفلسطينيين  يفترض بهم ان يكونوا الاكثر تلمسا لمعاناة ومشاعر الشعب فانهم لم يصيبوا هذه المرة كما لم يصب مشايخ السلاطين العرب في فتاوى تحريم هذه او تلك من ممارسات المقاومة وهو ما يشكل زيادة في  اتساع الفجوة بين من يدعون انهم النخبة وصفوة الثقافة من جهة والشعب من جهة اخرى.

ان أحدث استطلاعات الرأي التي قامت بها احدى الهيئات الرسمية الفلسطينية اظهرت ان 60,3% يؤيدون العمليات الاستشهادية وعارض 81% وصف العمليات الاستشهادية بالعمليات  <<الارهابية>>!

واذا افترضنا ان هذا الشعب لا يدرك ما يقول، فهل هذه هي الطريقة التي يمكن من خلالها ان تجعله النخبة أكثر إدراكا؟

بقينا نقول ان الخلل الكبير الذي وقعت فيه النخبة تلك انها لم تتجرأ مثلا ان تكون قبل أعوام جزءا من بيان العشرين مثلا او من المؤيدين العلنيين لدعوات الاصلاح قبل ان تتحول الى مشروع احتلالي  وأميركي، اذ ان هناك من الاسماء الموقعة ذكرنا سابقا انضواءها في احزاب ذيلية للسلطة منذ أوسلو وان وزيرا من الوزراء المعروفين جدا من المتحمسين لعودة الهدوء! وهذه النخبة التي تتوجه  للرأي العام الغربي والفلسطيني كان الاجدر بها ان تتوجه نحو الرأي العام الصهيوني لتقول له بلغتها <<المتحضرة>> ما يريده المقاوم <<الارهابي>> بمقاومته!

قد نفهم مثلا ان تكون قيادة السلطة محرجة من الضغوط التي توجه اليها من أكثر من طرف عربي ودولي وهي بالتالي حين تخرج بمواقف منددة وداعية للتوقف عن العمليات الاستشهادية انما تفعل ذلك بناء  على معطيات معينة وملزمة، برغم ايضا ان قضية الالزام هنا قضية لا وزن لها حين ألغى شارون كل ما وقع عليه الطرف الصهيوني، الا اننا لا نفهم مثلا ان يكون مثقفا وطنيا يعيش مع شعبه الاحتلال  على هذه الدرجة الكبيرة من الانفصام وممارسة الخلط بين ترشيد المقاومة وتوقيفها تماما؟

تبريرات كثيرة يمكن ان تقدمها لنا تلك النخبة من خلال صفحات الجرائد المدفوعة الأجر حول المتغيرات الدولية والاقليمية و... الا انها ستقف عاجزة عن إقناعنا بما تعنيه اي من هذه المتغيرات  على واقع الاحتلال اليومي الذي يصبح أكثر شراهة في إرهابه وعنصريته ودعوات برلمانييه لطرد السكان الفلسطينيين الاصليين!

هل ستنشر ال<<نيويورك تايمز>> او ال<<واشنطن بوست>> نداء من المثقفين الفلسطينيين لو ان النداء حمل مضمونا يشرح ما يعنيه الاحتلال ولو ان النداء طالب بالتوقف التام عن توريد  أسلحة القتل التي ترسلها حكومة الولايات المتحدة لدولة الاحتلال او لو ان النداء ضمن اشارات بأن عمليات المقاومة ستبقى طالما ان السبب في ذلك باق ممثلا بالاحتلال وليس <<الارهاب>> وانه  من حق الشعب الذي يعيش الاحتلال ان يقاوم هذا الاحتلال وليس من واجبه او واجب نخبته التنظير لحمايته وحماية نهبه للارض وقتله للاطفال وامتهان الكرامة الانسانية للفلسطيني او لو ان النداء توجه  الى العالم الغربي ليطالبه بالضغط لإطلاق سراح الآلاف من المعتقلين ومن بينهم ساسة وبرلمانيون فلسطينيون..

ان النخب التي تفهم دورها بطريقة ملتوية تفقد الصدقية عند شعبها، وهذه النخب التي نصفها ملتزم بسياسة رسمية ونصفها الآخر ببطاقات حرية الحركة ووظائف اكاديمية لا يمكنها بأي حال من الاحوال  ان تكون بديلا من الشعب الذي يدرك ألف باء السياسة قبل ادراكه للقمة العيش التي يحرمه منها الاعداء والاقربون في سبيل سياسة الاخضاع. واذا كانت الجرأة او المهنية تعوز بعض النخب  الفلسطينية فالاولى بها ان تنزل الى الشارع والاسواق والحواجز لتفهم معنى انفصامها عن المقاومة. من المدهش حقا ان تعود برلمانية اوروبية الى بلادها لتصرخ في تظاهرة علنية وأمام  الكاميرات: <<... وفي تلك اللحظات التي وضعت فيها المرأة الفلسطينية مولودها ميتا عند حاجز بيت لحم بعد تأخير متعمد والجنود يبتسمون شعرت لو انني كنت أمتلك السلاح الذي يحملونه  لكنت أفرغته في رؤوسهم...>> ومن المدهش أكثر ان تسمع مثقفين اوروبيين يتحدثون عن المقاومة الفلسطينية بلغة متقدمة ومتفهمة بينما بعضنا ينشغل في طلاء الهواء بألوان زاهية ومتحضرة  أمام مشهد الدم الفلسطيني وسط قهقهة جنود الاحتياط الذين كانوا في الامس القريب يستمتعون برحلة الى مستعمرة جيلو قبل ان يكملوا تمتمة صلاة تلمودية للقتل كما قتل الاجداد في أريحا!