أبطال مخيم الدهيشة

 

بقلم : أسامة العيسة

 

 

مرة ثانية, يعود مخيم الدهيشة قرب بيت لحم, كنقطة تماس ساخنة مع قوات الاحتلال كما كان قبل اتفاق أوسلو.

ومنذ بدء قوات الاحتلال بعملية "الطريق الحزم" والسيطرة الكاملة على المدن الفلسطينية, تحول شارع القدس-الخليل الرئيسي, حيث يقع المخيم إلى ساحة اشتباكات دائمة بين أطفال المخيم وجنود الاحتلال, مثلما كان يحدث طول سنوات الاحتلال.

وبعد الاحتلال لما تبقى من الأراضي الفلسطينية في حزيران 1967م, أصبحت حافلات جنود الاحتلال وسيارات المستوطنين فيما بعد ومركبات رجال المخابرات الصهيونية هدفا لحجارة فتيان المخيم وزجاجاتهم الحارقة.

وطوال سنوات تم اعتقال خيرة شبان المخيم الذين قضوا سنوات طويلة في المعتقلات لمقاومتهم الاحتلال وتعطيل حركة مربكاته على شارع القدس-الخليل الحيوي.

وخاض هؤلاء انتفاضات مبكرة ومستمرة ضد جنود الاحتلال, وتمخض تفكير قادة مخابرات الاحتلال, بإغلاق مداخل المخيم الرئيسية بالأسمنت, وهو ما حدث ولكنه لم يحول دون استهداف مركبات الاحتلال وسياراته بحجارة أجيال متعاقبة من المنتفضين, ثم تم إغلاق جميع شوارع المخيم الرئيسية والفرعية, واصبح على المواطنين للخروج من مخيمهم قطع طريق جبلية طويلة.

وتغلب فتيان المخيم على هذا الإجراء الاحتلالي الذي كان في حينه قاسيا جدا, واستمر استهداف سيارات الاحتلال وبشكل اكبر مما سبق, وحاول المستوطنون أنفسهم الذين ضاق صدرهم من عدم قدرة أجهزة مخابرات دولتهم تامين الحماية لهم, حاول هؤلاء اخذ دورهم في "قمع" المخيم, وحاولت مجموعات منهم اقتحام المخيم بأسلحتهم ولكن شبان المخيم الذين نظموا حراسات تصدوا لهم وافشلوا هجماتهم.

وفي تطور لاحق حضر الحاخام المتطرف كاهانا, الذي قتل فيما بعد في نيويورك, على راس مجموعة من أعضاء الكنيست الصهيوني بمرافقة مجموعات كبيرة من جيش الاحتلال لاقتحام المخيم, وأدى كاهانا صلاة خاصة قرب مسجد المخيم الذي لم يستطع الوصول إليه بسبب حجارة المنتفضين الشبان.

وقام حاخام آخر هو "موشية ليفنغر" أحد زعماء منظمة غوش عتصيون الاستيطانية, بالاعتصام أمام المخيم في عام 1984 بمرافقة الجيش والمستوطنين لمنع رشق الحجارة, وطارد ليفنغر بنفسه مجموعات الفتيان التي ترشق الحجارة, وبعد ان تعرض لعلقة ساخنة من نساء المخيم, قرر المغادرة بعد اشهر من اعتصامه.

ولم يبق أمام أجهزة مخابرات الاحتلال إلا التوصية بوضع سياج حول المخيم لمنع وصول الحجارة إلى الشارع, وهو ما تم فعلا, ووضعت بوابة ذات منفذين للدخول والخروج إلى ومن المخيم.

ولم يمنع هذا السياج الفتيان من رشق الحجارة, الذين تمكنوا في مرات كثيرة من إحداث ثقوب فيه, واستخدمت سلطات الاحتلال أسلوب حظر التجوال الطويل على المخيم, وذلك بالسماح للسكان بالخروج والدخول من الساعة السادسة صباحا حتى الرابعة مساءا, ثم تفرض عليهم حظر تجول مشدد, ولم يمنع هذا الأجراء الذي استمر اكثر من عام من منع الفتيان من رشق الحجارة.

وبعد ان "اقتنع" المحتلون, باستحالة منع رشق الحجارة قرروا, شق شارع التفافي يصل مستوطنات القدس مع المستوطنات جنوب القدس والمستوطنات في الخليل, وهو ما أطلق عليه اسم شارع الستين الاستيطاني, وبذلك يبعدون عن المخيم ويمنعون رشق الحجارة.

وبعد تطبيق اتفقا أوسلو, كان شارع القدس-الخليل, أمام المخيم يعتبر وفق تلك الاتفاقيات "مشتركا" تسير عليه دوريات فلسطينية وصهيونية, ولم يرق ذلك لفتيان المخيم, فاستهدفوا الدورية الصهيونية التي تسير مع الدورية الفلسطينية بالحجارة ثم بالزجاجات الحارقة واخيرا بالقنابل, حتى امتنعت الدوريتان: الفلسطينية والصهيونية عن السير في الشارع.

ولم يكتف الفتيان بذلك, فذهبوا إلى نقاط التماس الجديدة, وسقط منهم شهداء في تلك المناطق, وأولهم, الشهيد مصطفى الفرارجة: أول شهيد في محافظة بيت لحم في انتفاضة الأقصى, الذي كمن ورفاقه لسيارات المستوطنين على شارع الستين الاستيطاني, وكان يقطع خط الاتصال بين المستوطنات لساعات, فترصد له المحتلون, وسقط برصاص قناص احتلالي.

وخرجت من هذا المخيم الاستشهادية آيات الأخرس والاستشهادي محمد ضراغمة وكوكبة أخرى من اجمل فتيان المخيم واجرأهم.

ومنذ بدء عملية "الطريق الحازم" الاحتلالية, فان الأجواء الساخنة عادت إلى المخيم, وعاد جيل جديد من الفتيان إلى سيرة أجيال سبقتهم, وبدأت معركتهم مع جنود الاحتلال, ويوميا يسقط جرحى من بين الفتيان الذين اتبعوا تكتيكا لاجبار جنود الاحتلال المتحصنين بدبابات الميركافاة, بالخروج منها, حيث يكون في انتظارهم الحجارة والزجاجات الحارقة تنطلق من كل مكان.

وفي الأسبوع الماضي انضم شهيد آخر جديد من هؤلاء الفتية هو محمد احمد عطا الله, الذي كان يقود أحد مجموعات الفتية ضاربي الحجارة والزجاجات الحارقة والاكواع وهي متفجرات تصنع محليا وتوضع في اكواع المواسير, لتصبح جاهزة للرشق على جنود الاحتلال ودباباته.

وقبل أسبوع من استشهاده صادف كاتب هذه السطور محمد بعد ان اصطاد أفعى وفرخها الصغير, كان يقوم بحركات بها أمام الفتية لإدخال السرور إلى قلوبهم, وعندما نبهته, بحكم معرفة مسبقة بان هذه الأفعى التي يحملها من اخطر أفاعي الشرق الأوسط, لسميتها العالية, لم اكن اعرف بأنه سيسقط بعد ذلك برصاص قناصة أفعى أخرى اخطر.