الرجوب وأصل الحكاية

 

بقلم : عدلي صادق

 

جمعتني (جبريل وأنا) علاقة زمالة حميمة، في سجن بئر السبع الصحراوي، منذ العام 1973. كان شاباً متّقد الحماسة، مُستَنفِراً باستمرار. يتحدث بإيقاع سريع، بخلاف ما قدمته الفضائيات لمشاهديها. فقد أظهرته هذه الفضائيات، متكلماً بإيقاع ثقيل، تَحْفُر كلماته، أخاديد علي الوجه، كأخاديد في الصوت، بلوازم من العبارات، المدمجة، من الفصحي والعامية: هذه مسألة إلها علاقة.. أو .. ما إلها علاقة . كان استنفاره الدائم، في السجن، ذا منحي تنظيمي، أو استنفار علي محور علاقات الشد والجذب، بين القوي الفلسطينية نفسها، بين الجدران. وكان ذاك، هو السقف أو المدي المتاح، للعمل السياسي والتنظيمي (وحتي الأمني) في المعتقلات. ولعل هذا المنحي، هو الذي أوقع تأثيره في طبيعة عمل جبريل، إذ كان الشاب، ذا نشاط لافت، تحت هذا السقف، أو في هذا المدي، فأصبح يملأ الدنيا الفلسطينية، كلما كنا ـ فقط ـ بصدد إشكالية بين القوي، أو في معرض واعتبارات العلاقة بين السلطة الفلسطينية والفصائل، أو بين السلطة وحركات المقاومة، أو إن كنا ـ مثلما نحن الآن ـ في صدد الجواب عن السؤال: مَن يأخذ ماذا.. داخلياً؟

 

ہ ہ ہ

 

طوال سنوات عمل السلطة الأمني، لم أكن أعترض علي أي شيء من أية رواية، تتعلق بعمل جبريل الرجوب، سوي المقدمات أو الاستنتاجات، التي تقوم علي فرضية التشكيك، في وطنية الزميل الفتحاوي. فإن قيل بأنه سَلَّم خلية تابعة لحركة حماس ، سرعان ما أقطع بأن هناك التباسا أو خديعة أو لؤما إسرائيليا، أو أن هناك أي شيء آخر، غير أن يكون جبريل عميلاً. وربما يكون اليقين لدي كاتب هذه السطور، بعدم احتمال انزلاق جبريل الي مواقع العدو، قد تأسس بفعل انطباعات المعايشة في السجن. لكن جبريل استحث دائماً (من خلال طريقة عمله الموحية بالنرجسية، ومن خلال آراء جانبية مرسلة) الكثير من الكارهين!

ومن خلال تتبع نشاط الرجل، في الإطار النضالي، في أواخر أيام السجن، وفي مستهل أيام العمل الخارجي، يتبدي واضحاً، أنه حرص دائماً علي وجود مريدين له، كأنما كان يتهيأ لانقضاضات عليه، لا مناص منها. وعندما نَشر كتاباً، عن تجربة السجن، بعد إبعاده من الوطن، في العام 1987كان الكتاب عبارة عن رسائل منه واليه، داخل السجن. وبالطبع كانت الرسائل التي منه، سخية في الإشادة به وفي الإعلاء من شأن الدور الذي يلعبه، كأنما هو يمسك بالتاريخ من خاصرته. أما الرسائل المنشورة، التي وصلت (حسب الكتاب) الي قواعد التنظيم في المعتقلات، فكانت هي الأخري ـ بالطبع ـ عظيمة الأفكار وشديدة الصلابة، بل تنم (حسب الكتاب) عن حنكة قائد وطني كبير، علي الرغم من أن صمود وحنكة القائد، في معارك السجناء مع السجانين، لا يزيدان قيد أنملة، عن حنكة وصمود الجندي، وذلك بحكم ضيق المكان ومحدودية الوسائل والتكتيكات!

 

ہ ہ ہ

 

كان جبريل الرجوب، واحداً من مجموعة كبيرة، من الأسري المحررين، من جيله، الذين وصلوا ـ مبعدين ـ الي مراكز القيادة الفلسطينية في تونس، في أواخر الثمانينات، أو بعد اندلاع الانتفاضة الأولي. لكن الرجوب كان مثابراً ـ بشكل لافت ـ علي خط الرئيس عرفات، لا سيما بعد استشهاد القائد خليل الوزير الذي كان مسؤولاً عن فعاليات وملفات الداخل الفلسطيني. وكعادته، التقط أبو عمار فارساً رآه صالحاً لأن يكون من عظم الرقبة . ففي هذه الحالة لا يعرف أبو عمار العدالة في إتاحة الفرص، ولا يهمه التمحيص لكي يشكل فريقاً من ذوي الكفاءة، بعد أن يعطيهم من الصلاحيات بمقادير محسوبة، ويفتح أمامهم مجالات العمل بشفافية وبروح ديموقراطية. وهو ـ في هذه الحالة ـ يطلق العنان للشخصنة ولنشوء الأبوات من ذوي المريدين، بضمانة تبعيتهم وامتثالهم ـ ظاهرياً ـ له، هم ومواليهم!

حاول أبو عمار، في المؤتمر الخامس لحركة فتح الذي انعقد في تونس، في العام 1989، رفع جبريل الي مرتبة عضو مجلس ثوري منتخب، متجاهلاً عدداً من قيادات السجن، الذين كان جبريل، قد تعلم منهم وتربي علي أيديهم. وبدت حظوظ الرجوب، وحظوظ آخرين من مرشحي عرفات ضئيلة في الانتخابات للمجلس الثوري، علي الرغم من موازنات العمل السخية التي أعطاها أبو عمار لجبريل قبل المؤتمر، وعلي الرغم من طائرات محملة بأعضاء جدد، لذلك المؤتمر، من الأسري المحررين، استقدموا من عمّان. وبعد اخفاق جبريل في الانتخابات، لم تكن النتائج ذات تأثير علي طريقة اختيار عرفات لفرسانه، فاستمر في إغداق الموازنات والصلاحيات، وإطلاق العنان لنرجسيات العديد من الشباب المحظوظين لديه، والذين عملوا من تونس، ومن ساحات أخري، في العديد من القطاعات!

 

ہ ہ ہ

 

بعد إبرام اتفاقات أوسلو ، كان المتكلمون باللغة العبرية، وباللغة المخابراتية العربية، والمتكلمون بالإنكليزية، بلكنة أمريكية، هم فرسان المرحلة. فقد أصبحنا في مرحلة الألسن الكثيرة غير المواويل الفلسطينية الأصيلة، وغير عتابا وميجنا. ولا أود الإسهاب في هذه النقطة، لكن الإشارة الجديرة بالتأمل، والتي لا بد من ذكرها، هي أن جميع الذين وقفوا علي رأس أجهزة العَسَسْ، لم يكونوا مؤهلين علمياً لمباشرة مهامهم الأمنية، أي أن أحداً منهم لم يجتز دورة تدريبية واحدة. كانت اللغات والألسن، ولوازمها من العلاقات مع الرئيس عرفات، ومع الآخرين ، هي المطلوبة للمرحلة. وبفعل عدم التدريب، لم تكن حاضرة فلسفة العمل الأمني وأخلاقياته وضروراته الكثيرة، وفي مقدمتها الفهم العميق، الاجتماعي والسياسي، لمبدأ العمل الوطني العام!

اليوم، يكاد جبريل الرجوب أن يقول بأن حقه في منصب مدير الوقائي غير قابل للتصرف. فالحكاية لم تعد حكاية عمل وواجبات وأجهزة، بل أصبحت مكاسب و حقوق وحالات ولاء وأمر واقع. هذا هو حصاد الزرع الذي غرسه ياسر عرفات نفسه، فعندما كنا نحذره ونكتب ونتجاسر علي النقد، كان المريبون المحيطون به، يصوّرون الأمر باعتباره معارضة أو مشاغبة أو تطرفاً، أو خروجاً ـ من قَبلنا ـ عن الأدب!

جبريل الرجوب، من الناحية الشخصية، أخ وزميل قديم وعزيز. كان في العام 1974 قد أهداني صورته (التي ما زلت احتفظ بها) بقميص السجن، وكتب علي ظهرها رسالة قصيرة وحميمة، ختمها ببيت الشعر الذي يقول: لا تسقني كأس الحياة بذل، واسقني بالعز كأس الحنظل. وأنا شخصياً لا ألوم الرجوب في شيء مما يقع الآن. ينبغي أن يكون اللوم علي النهج الخاطئ، الذي انتج مثل هذه الحالات المزرية، من التعبير عن المواقف. فالنهج الكارثي الخاطئ، هو الذي انبري لإفساد صورة الصمود الفلسطيني ومآثره، بمساعدة فضائيات ومراسلي فضائيات، ينتقون الأصوات والوجوه والآراء، لملء البحر مقاثي بطيخ!

ليطوِ الرجوب هذه الحكاية، ومثلما ارتضي، هو وغيره، قبل سنوات، أن يتجاوزوا آخرين كُثر، أكفأ منهم وأقدم وأكثر نضالاً، فلا بأس من أن تتجاوزه الظروف الطارئة، ليكون من حقه أن يعود الي الصورة، بولادة طبيعية وديموقراطية. ولماذا يغضب؟ فلو لم يكن هناك زلزال مع شلال من الضغوط، لما بادر الرئيس عرفات بتغييره ولا بتغيير غيره. فالرجل أخو صاحبه بالمعني السلبي، لكن الفأس وقعت في الرأس، ومن حق الرئيس علي جبريل أن يتفهم وأن لا يكون الإعراب عن الالتزام بقراراته متبوعاً بأي اشتراط أو ايحاء باشتراط، وليتذكر أصل الحكاية?!