الجزائر : مناورات على معالم الهوية في عيد الاستقلال

 

احتفلت الجزائر يوم الجمعة الماضي بالذكرى الأربعين لاستقلالها عن المستعمر الفرنسي، ولا ندري ماذا بقي للجزائريين من مكاسب الاستقلال لكي يحتفل به. ليس كما يتبادر للذهن أن الشعب لا يتمتع بكامل حريته في اختيار حكامه حيث صودرت منه وفرضت عليه الوصاية من قبل سلطة استبدادية لا شرعية لها، فهذا موضوع آخر له أهمية كبيرة ولكن في كثير من الأحيان ليس له علاقة مباشرة بمبدأ الاستقلال إذ أن كثيرا من الأنظمة العربية والإسلامية (إن لم نقل جلها) لم تأت للحكم عبر الصندوق وجلها أتت عن طريق الانقلابات، ومع كل عيوبها وقمعها للحريات إلا أنها قد حافظت على استقلال بلادها وترسيخ هوية شعبها.

إن كثيرا من المؤشرات وممارسات النظام وتحركات بعض الدوائر الفرنسية تدل أن السلطة الحاكمة في الجزائر تعمل على تغيير معالم هوية الجزائريين الممثلة في الإسلام واللغة العربية. فما الذي دفع جريدة "لو موند" الفرنسية ـ التي لا يخفى على أحد قربها من مركز القرار الفرنسي ـ كي تنشر مقالا يوم 04/07/2002 قد يبدو للوهلة الأولى عاديا إلا أنه يحمل دلالات ذات خطورة بالغة في الظرف الذي تمر به الجزائر. فالمقال يدعي أن الشباب الجزائري الذي داسته الأزمة يتساءل بعد أربعين سنة من الاستقلال عما إذا كان اختيار آبائهم نهج الاستقلال عن فرنسا صائبا؟ أما الشيوخ فلا يندمون على أي شيء. وينقل صاحب المقال عن بعض الشباب الذي يزعم أنهم يمثلون رأي جميع الشباب فيقول أحدهم: "ألم يكن من الأحسن أن نبقى فرنسيين؟.." ويقول آخر : " إن آباءنا مروا بالعهد الاستعماري ثم بالأزمة الاقتصادية ثم بالإرهاب. إذا كان لدى شيراك إمكانيات لاستفتاء الجزائريين هل يريدون أن يعودوا للجنسية الفرنسية فإنهم يصوتون بنعم بأغلبية ساحقة". ولم ينس كاتب المقال في الآخر أن يعلم القارئ أن نسبة الجزائريين المتجاوزين 65 سنة (أي الذين لا يزالوا يؤيدون الاستقلال) لا تتجاوز 4% ونسبة الأقل من 15 سنة يدور حول 35,5%  أي أنه يرشح في سياق المقال أن نسبة المؤيدين من الجزائريين للرجوع لأحضان الدولة الأم فرنسا يمثلون سنة 2001 أغلبية ساحقة!

لا شك أن هذا المقال لو كتب قبل سنتين أو أكثر لكان يبعث على السخرية ولعله أثار ضجة إعلامية في الجزائر لدحض أحلام فرنسا ومطامعها في إعادة الجزائر تحت نفوذها المباشر، فلماذا الآن بالذات؟ ولكن هناك أسئلة أخرى لا بد أن تطرح في هذا السياق، فلماذا اختار اللواء نزار وزير الدفاع السابق الاحتكام إلى المحاكم الفرنسية ولم يفعل هذا أحد في مستواه من قبله، فالملازم سوايدية ليس أول من اتهم الجنرال نزار والجيش الجزائري بالتورط في قتل وتعذيب وخطف آلاف الجزائريين فقد سبقته عدة شخصيات بعضها كان في الحكم بمثل هذه التهم  ولم ير الجنرال نزار أن يتابعهم قضائيا في المحاكم الأوروبية؟ وما هو سر ظهور قائد الأركان الجنرال محمد العماري على الساحة الإعلامية ليخاطب الجزائريين ومن يهمه الأمر باللغة الفرنسية مخالفا كل التقاليد التي درج عليها قادة الجيش الجزائري حيث اللغة العربية هي لغة القيادات العسكرية وإن كانوا لا يحسنون نطقها والتحدث بها بطلاقة؟ وبصفة عامة ماذا يخفي تحول خطب الرئيس والوزراء والمسؤولين الكبار في الدولة من مخاطبة الرأي العام باللغة العربية إلى اللغة الفرنسية مخالفين في ذلك القوانين والترتيبات الصريحة؟

ليس هناك سوى تفسير واحد وهو محاولة طمس هوية الجزائريين وإبعادهم عن دينهم، هذا من خلال تغيير المنظومة التربوية واستبدالها بالمنظومة الفرنسية كي يسهل الاندماج في التيار الثقافي الفرنسي فيما بعد. فأنصار "الجزائر الفرنسية" سواء من بقايا الاستعمار في السلطة أو من الحالمين في الدوائر الفرنسية رأوا أن الوقت قد حان لكسر هذه الترتيبات المتفق عليها. فالرئيس بوتفليقة هو من مهد لكل هذه الانحرافات باسم كسر الطابوهات التي انتهجها تحت ستار التفتح على العالم، أما اللواء خالد نزار ممثل القيادة العسكرية فقد ذهب عن طواعية للامتثال أمام المحكمة الفرنسية لتبرئته (ومن ورائه المؤسسة العسكرية) من دماء الجزائريين ومصادرة اختيارهم المعبر عنه بكل شفافية وديموقراطية. فالمحاكمة لم تكن مجرد شكوى من طرف شخص يدافع عن شرفه بل كانت للدفاع عن النظام القائم أمام محكمة فرنسية وهي وقوف الخادم عند سيده ليرضى عنه، ولو كان قرار وقف المسار الانتخابي والديمقراطي قد باركه أغلب الجزائريون كما يدعي الجنرال نزار والحاشية التي جاءت لتدعم تطرفه لما استدعى الاستنجاد بتلك المحاكم، فهل يدرك هؤلاء الأشخاص أن تبييضهم من قبل المحاكم الفرنسية لن يبعد عنهم لعنة الشعب الجزائري وسخطه الدائم عن تصرفاتهم الشنيعة.

في ظل هذه الأوضاع والطعن في ظهر الأمة للنيل من هويتها من قبل بعض أبنائها وفي ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية التي دفعت بآلاف الشباب للطلب بكل الطرق عن تأشيرات الدخول إلى البلدان الأوروبية من أجل البحث عن العيش الكريم ارتأت بعض الدوائر الفرنسية بالتواطئ مع جهة داخل السلطة الحاكمة في البلاد طرح مسألة عودة الجزائر لدائرة النفوذ الفرنسي الصريح على الجزائريين عبر توسيع هذا النقاش وجعله من باب الحريات. ومن جهة أخرى تناقلت بعض الأخبار أنه يعمل في الظلام لإنشاء جمعية في الجزائر من طرف جزائريين يكون هدفها مطالبة الحكومة في فرنسا بمنح الجزائريين الجنسية الفرنسية باعتبار أنهم كانوا قبل الاستقلال يحملون الجنسية الفرنسية. ولا شك أن ادعاء بوتفليقة في نهاية السنة الماضية بأن الجزائر عضو مؤسس في الاتحاد الأوروبي باعتبار أن فرنسا وقعت الاتفاق المؤسس للسوق الأوروبية المشتركة سنة 1957 باسم الجزائر وسكوت دوائر فرنسا عن هذا الموضوع يشكلان عوامل مشجعة لهؤلاء وقد يدخل ضمن هذه المؤامرة الواسعة على مكاسب الاستقلال التي لا يعلم إلا الله ماذا تخبئه في المستقبل القريب للبلاد والعباد في أرض الجزائر.

إن التاريخ لا سيما تاريخ الجزائر يبيّن بوضوح أن الأمم إذا لم تكن حازمة ويقظة فيما يخص حريتها واستقلالها وكل ما يتطلبه من عمل وتضحية فليس من المستحيل أن تذوق مرارة الاستعمار مرات ومرات، وليس بالضروري أن يكون الاستعمار بتدخل القوة العسكرية، ففي ظل العولمة أشكال كثيرة ومتنوعة من التبعية للقوي على حساب مصالح الشعوب وإذا لم تكن الأمة حازمة فالخطر أصبح على الأبواب، وأول امتحان في هذا المجال هو التصدي للهجمة التي تتعرض لها الهوية الجزائرية الممثلة في دينها ولغتها ومواجهة المتلاعبين بهذه الأسس داخل السلطة وخارجها.  

 

 

نقلا عن نشرة الرباط التي تصدرها الجبهة الاسلامية للانقاذ