هل يمكن بناء دولة عربية علي غرار النمط الغربي؟

 

 

بقلم : محمد عبد الحكم دياب

 

تأخذنا مشاكلنا الجزئية بعيدا عن معرفة ما آل إليه الوضع العام، في مجالات أكثر شمولا وأعمق تأثيرا، وقد نتج عن ذلك اغفال ما آلت إليه الدولة العربية من ضعف وترد، وهذه محاولة لفتح ثقب في جدار هذا التجاهل، لعله يساعد علي رؤية الأمور بعيون جديدة، قد تكون قادرة علي تشخيص ما يجري فيها، وكشف سبل الخروج من المأزق الذي وصلت إليه الأمة.

نجد بداية أنه من الصعب الادعاء بوجود تلك الدولة العربية، بتعريفها الجامع المانع، التي يجتمع تحت لوائها العرب من المحيط إلي الخليج، بجانب أنه يكاد يكون مستحيلا أن تجد دولة عربية تعبر، ولو نظريا، عن طموح، ولو جزئي، لأمة تتساوي، تقريبا، في وزنها السكاني مع الولايات المتحدة، المتعددة الأجناس والأعراق، والمبنية علي الاستيطان والهجرة.. ومثل هذا الطموح الغائب في أمة، بها امكانيات وموارد طبيعية وبشرية، وتنوع مناخي وبيئي شديد الثراء والتنوع، بالاضافة إلي ما فيها من عمق حضاري وتراث انساني قل وجوده في مكان آخر في العالم، يجعلنا نسأل، كيف تستمر أمة بلا طموح، وأين وزن العرب قياسا بوزن الولايات المتحدة؟

إذن الدولة العربية بمعناها الشامل غير قائمة، وما تناثر منها في أجزاء، إما قطري انعزالي، أو طائفي عنصري، أو عشائري جاهلي، أو بيروقراطي بوليسي، وفيها من يحمل كل هذه الصفات أو أغلبها، يجعل الصفة العربية لهذه الكيانات صفة شكلية، وإلا ما وجدت هذه الروح الغالبة بين نخب سياسية وفكرية رسمية، وشبه رسمية.. تتباري في اعلان البراءة من الهوية، وتتباهي بخلع رداء العروبة، وتفخر بعدم الانتماء للوطن أو الأمة، بعد قرون طويلة مرت.. بلورت الشخصية العربية، ليس بالمعني الأيديولوجي، الذي تأخذ به أحزاب عربية، انما بالمعني الحضاري التاريخي الاجتماعي الذي تشكلت علي أساسه.

الدولة العربية المقصودة، هي تلك الموزعة علي الأجزاء المتناثرة، المسماة دولا عربية، وقد تجاوز عددها العشرين رسميا، وهي فعليا أكثر من هذا، بسبب تقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، خلال الربـع قرن الأخير.. كلنا يذكر البلقنة، فيما قبل تقسيم قبرص، ويذكر القبرصة، قبل الحرب الأهلية اللبنانية، ويذكر اللبننة، قبل تقطيع أوصال الصومال، والآن نذكر الصوملة ، ونحن نشهد بأعيننا ما يجري في بلدين عربيين كبيرين، هما العراق والسودان، يقطعان إربا.. صوملة العراق تجري بفعل الاحتلال الأنكلو أمريكي، بمسـاعدة بعض العراقيين والعرب، بينما نجد السودان، دون أن يدري أحد، يتصومل بفعل نزوع انفصالي مسيطر علي قوي عرقية مؤثرة في الجنوب، وأخري طائفية وعنصرية في الغرب، وفي جبال النوبة، باختصار تبدو الصوملة هي المصير المتوقع للدولة العربية الراهنة.

وإذا كان لبنان بعد حرب أهلية استمرت خمسة عشر عاما عاد إلي وضع قريب من ذلك الذي كان عليه عشية الاستقلال، فإن ما جري في الصومال، وما يجري في العراق والسودان لا يبدو أنه سيلتئم، لتعود أوضاعهم إلي ما كانت عليه، إذا ما استمر العداء للتكتل، وامساك الانعزاليين والمستبدين بمقاليد الأمور. والدولة دون نظام سياسي يرفع من مستواها ويرعي تقدمها، ويبني قوتها، دولة ضعيفة، ومصدر ضعفها الأساسي هو مثل هذا النظام، بعدم استجابته لمتطلبات التقدم والقوة، ويتصور البعض أن المخزون الحضاري يلبي هذه المتطلبات، لكن هذا التصور مشكوك في صحته.. وما العمل إذا كان هذا المخزون معطلا؟

المخزون الحضاري لا يؤثر دون انفتاح علي العصر، وهو انفتاح مشروط باعادة اكتشاف الذات، والتعرف علي القدرات، والتنقيب عما خفي من موارد وامكانيات، والتخلص من كون العرب عالة علي الآخرين.. يعيشون خارج العصر، ويقفون علي تخومه، دون جرأة علي اقتحامه، انتظارا لاذن مسـبق من ذوي السيطرة. وهذا المخزون لم يحل دون ضعف الدولة العربية.. مظاهر القوة فيها مظاهر كاذبة، وتحمل صفات واحدة تكاد تجمعها كلها، مع وجود ملامح خاصة بكل منها علي حدة.. السلطة المطلقة، المعتبرة مظهر القوة الوحيد فيها، هي أكبر مظهر من مظاهر الضعف، وهي وإن شاعت فبسبب حجم ما لديها من قوة وقدرة داخلية علي الردع والارغام، أي أن وجودها يعتمد علي حجم ما يملك النظام السياسي من طاقة الحديد والنار، وبهما يتمكن من إقامة هياكل سياسية وتمثيلية هزلية وشكلية، تبني علي تزييف وتزوير إرادة الناس، وعلي تأليه ورفع شأن الحاكم إلي مستوي العصمة، ومنح كل هذا مسحة أيديولوجية، لا تجيز رقابة الحاكم أو محاسبته، مع أنه في الأصل من عامة الناس، وشاءت له الصدف أن يصل إلي موقع المسؤولية الأولي.

في مثل هذا المناخ المضلل كثيرا ما يتم الخـلط، عمدا، بين المدلول المدني السياسي للدولة، والطابع الديني المقدس للحكم، بكل ما يترتب علي ذلك من تجهيل للناس، ونشر الثقافة الغوغائية، وأخلاق التدني، ومفردات النفاق، عن طريق الاعلام الرسمي، ومن فيه من مدعي الاستنارة والثقافة، بسطحيتهم المفرطة، ومنطقهم المتخلف، وأفكارهم المشوشة، وقد هالني يوم الأحد الماضي، أثناء العودة من رحلة من جزيرة أيل أوف وايت البريطانية، أن وجدت أن مجرد الحديث عن سلبيات واجهها أحد الشباب أثناء زيارته الأخيرة لبلده يقابل بتهمة عدم الوطنية ، والحديث لم يخرج عن وصف ما عاناه، سواء في المطار أو في الفندق، فما بالنا لو أن الشاب قد زاد وانتقد المسؤولين الكبار، وهذا يبين مدي التردي في تفكير شرائح لا يستهان بها بين متعلمين، يعيشـون في أوروبا، أكثر احتكاكا بالتجارب والثقافات الأخري.

الدولة التي اختصرت في نظامها السياسي، ونظامها السياسي الذي اختزل في شخص الحاكم، وترتب علي ذلك حضور الحاكم وغياب الدولة، باستثناء حضورها الأمني (البوليسي)، بعد أن قبلت، طائعة مختارة، قصر عملها علي مجال الضبط والربط والتعذيب، وممارسة العقاب الدائـم بلا ثواب، مثلها مثل خفير الدرك ، في نجع من نجوع الصعيد الجواني ، ليس له أن يكترس بشؤون البشر وأحوالهم. ويكون طبيعيا فــي مثل هذه الدولة أن تعوض نقصها باحتقار شعبها، والتقليل من شأن أبنائه، وعدم الثقة في امكانيات المجتمع وقدرات أهله، وتغطية علي هذا الضعف تستأسـد علي قليلي الحيلة من رعاياها، وتكون أصغر من الفأر وهو يحتمي ويستعين بعدوه، ويعمل لحسابه، وتصبح خبرة هذا العدو هي الأرقي والأمثل، حتي لو كانت في مجالات الكنس، وتنظيف الشوارع، والمرافق العامة، بينما حجم البطالة متفش بحجم كبير بين شبابها!.

الدولة غابت فغابت معها الخطط ومشروعات النفع العام، وغابت مسؤوليتها، فتحولت إلي دولة الأسرة ، بنهمها وجشعها وسلوكها المتخبط.. فأصبح كل ما فيها عشوائيا، اضطر الناس إلي عدم الاعتماد عليها، فقامت علي غرارها عشوائيات من نوع آخر، في الاستثمار والتجارة، والعلاج والصحة، والصناعة والتجارة، وفي الضواحي، والأحياء والمناطق السكنية، وعشوائيات الدولة العربية تخصصت في تفريخ الجريمة والعنف والتطرف، ومن يتابع حياة هذه العشوائيات، عن كثب، يجد أنها تبادل الدولة مشاعر العداء.. لا تكترث بها ولا بوجودها.. تبادلها غياب بغياب، واهمال باهمال، ويوم تجد اهتماما من الدولة تعي أنه اهتمام بوليسي موقوت بعمليات التأديب التي تجري كل فترة، لهذا فهي أهم مصادر تهديد استقرار الدولة.

وإذا استرشدنا بقول جلال أمين بأن العرب لا يعانون من أي عيب في دينهم أو عقليتهم أو أخلاقهم، أو ثقافتهم، أو لغتهم، يمنعهم من النهضة ، (صحيفة العربي المصرية عدد 31 / 8)، فقد لا نقر كثيرا رأي رفاعة الطهطاوي، الذي ربط تقدم الدولة الحديثة وقوتها (يقصد الدولة الأوروبية) بالعدل والقانون، بعد أن تصور، خطأً، أن الانجاز الأوروبي الذي بهره، في التقدم، ودقة التنظيم، وبناء المؤسسات والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ونطاق الحرية المتاح، يقوم علي هذين المبدأين، وغفل أن العدل آخر الأشياء في الفكر الأوروبي، وإلا ما اقترن هذا الانجاز بنشوء وانتشار الظاهرة الاستعمارية واستفحالها، حتي وصلت إلي ما وصلت إليه الآن، في ظل القطب الواحد ، وما نستطيع قوله هو ان الدولة الحديثة، التي لم تمر بالتجربة الأوروبية والغربية، يمكن لها أن تبني تقدمها وقوتها بارساء قواعد الكفاية والحرية والقانون والتنظيم الكفؤ. فالعدل، الذي يجب أن يكون الهدف الأسمي لأي دولة، ما زال مفتقدا، ويحتاج إلي تضحيات جمة، وإلي زمن ليس بالقصير.

قوة الدولة الغربية الحديثة (الليبرالية،)، مستمدة من نجاحها في تقنين الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، ومن المكاسب التي حققتها من استنزاف واستغلال الشعوب المضطهدة، بشكل مكنها من إقامة حدود صارمة، بنت علي أساسها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمواطن، وكان القانون، بهذا المضمون، هو أداتها في ضبط المجتمع، والتحكم في تناقضاته، ومصدر الانبهار ليس عدل الدولة الغربية الحديثة، ولا في مساحة الحرية المتاحة، إنما في مستوي التنظيم الذي ارتقت إليه، والتقدم الذي حققته، وحرمت منه الآخرون للأسف. وقد تسمح الدولة الغربية بالعدل داخلها، ولا تقره خارج حدودها وتمنعه، حتي لو استخدمت في ذلك قوة السلاح أو اغراء المال أو غسيل المخ، وأهم عوامل ضعف الدولة خارج المنظومة الغربية هو محاولة التقليد الأعمي لها.

امكانية بناء دولة علي النمط الغربي شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، إلا في إطار المسخ، وهذا لا يمنع الاستفادة من التجربة الغربية. إذا ما نحينا جانبا قضية تقنين الاستغلال بالتركيز علي آليات الدولة الغربية، وأول الاكتشافات في هذا المجال هي أن قوة الدولة وتقدمها مستمد من قوة النظام السياسي وتقدمه، ونجاح النظام السياسي مصدره وجود إدارة سياسية فعالة، ومؤسسات تشريعية معبرة عن الأمة، كمصدر للسلطات، وتنظيم اقتصادي ومالي كفء، يوازن المصالح المتعارضة والمتداخلة في مجتمع الدولة، وامكانية عسكرية عالية، يكون أساسها جيش قوي وقادر علي توفير الاستقرار وحماية الدولة من الخطر الخارجي.

والخلاصة أن الدولة العربية، في حالتها الراهنة، صارت دولة طاردة لأبنائها، جالبة لأعدائها، وأصبح لهذا أثره البالغ علي بنية وتماسك المجتمع العربي، سواء في دوائره المحلية، أو في مجاله الوطني القطري، أو في نطاقه القومــي العربي، أصبح مجـتمعا هشا، معرضا للكسر والانهيار. لكـونه لا يملك زخم الاستقرار، وليست لديه قدرة الدفاع عن النفس، وأعجز من أن يتقدم خطوة واحدة إلي الأمام، ولهذا فعلي المواطنين والمثقفين والمهتمين والقادة الوطنيين، وذوي الضمائر الحية أن يتضافروا بالعمل علي رفع مستوي الوعي بالخطر، وترتفع أصواتهم مطالبة باصلاح الدولة ونظامها السياسي، كضرورة للبقاء، واعتقد أن هناك حاجة إلي نموذج تطبيقي، يجسد ضعف الدولة العربية.. نتعرف مــن خلاله علي هول ما نحن فيه، والنموذج المعبر - من وجهة نظري - هو نموذج الدولة المصرية، التي تستعد هذه الأيام لعقد مؤتمر الحزب الحاكم، في الثامن والعشرين من هذا الشهر.. فيه يتوج جمال مبارك حاكما رسميا، بعد أن صار الحاكم الفعلي، وعند التعرض لذلك سنري أن المؤتمر ليس سوي مظاهرة سياسية تكرس ضعفا لم تمر به الدولة المصرية منذ أمد طويل.