عبثوا بالدستور دواما
في فترة ثمانين عاما
(1923 – 2003)
هشام
الناصر
قبل أن نبدأ .....
تمر الأمة الإسلامية، والعربية القومية، هذه الأيام،
بأحداث جسام، بدء من العراق، ودمه المراق، وفلسطين ومعاناة الملايين، واستقالة
محمود عباس، واغتيال كوادر حماس، وربك الستار، أنقذ (الزهار)، وتنصيب (قريع)، في
تطور سريع، وعربدة الطيران الإسرائيلي في لبنان، والتنكيل بالكوادر الإسلامية
بأفغانستان، ومشكلة جامعة الدول مع الأمريكان، ومن يسعى في العراق ويتنطط، لشرعية
المجلس المؤقت، وتكرار سيناريو العراق مع إيران، والقلاقل المثارة في باكستان، و تعاظم تعاون الهند وإسرائيل، وهو ما ينذر بشر وبيل، وهنا وهناك تحركات
ومباحثات ومحادثات، الأمير عبد الله (ولي العهد السعودي) في روسيا الاتحادية، مع
أنه لا توجد سفارة روسية في العاصمة السعودية، وهي وبحق .. والشهادة لله ... حركة
ألمعية ذكية !!، سعيا للتوازن العالمي وإنهاء أحادية القطبية، ورغم التحفظات
الروسية لسابق التجربة والخبرة، إلا أن دائما أول الغيث قطرة، و تصريحات لجمال
مبارك نارية، في جريدة البيان الإماراتية، ينتقد فيها الدستور المصري وبنوده،
ويدعو لتغيره وتحديثه وتجديده !!، وخاصة بند الرئاسة اللانهائية، وتجاوزات السلطة
المصرية، هذا بخلاف ما يحدث في المملكة البريطانية، وما يدور في كواليس السياسة
والرئاسة الأمريكية، ومحاولات توريط الأمم المتحدة في المعمعة العراقية، والجديد
الجديد .. شريط متلفز للشيخان (بن لادن والظواهري)، ليغيظوا الأمريكان، وليظهروا خيبتهم للعنان، ومسيرة غاضبة
مصرية يسارية، تدعو لإسقاط الحكومة الحالية، وهي محدودة رمزية، أكثر منها ثورة
شعبية.
وتركنا هذا كله، بخيره وشره، وركزنا علي دستور المحروسة
وقصوره، وحللنا بعضا من بنوده وفصوله، ونستكمل في هذا المقال، ما أسلفناه من
أقوال، لنُظهر ما فيه من ألاعيب، وتناقض غريب، وتفصيل للبنود عجيب.
ولقد باتت حقيقة واقعة، جلية ناصعة، بأنه لا معني للحديث
عن همومنا ونكستنا، وإنحدارانا ووكستنا، خارج مصر، فخراب عالمنا العربي، بل قل
عالمنا الإسلامي، مصدره (أم القيح) التي غرسوها في قلب المحروسة وعقلها، محروسة جالوت وحطين، محروسة جند الله
ورباطهم ليوم الدين.
*****************
وإلي المقال ...
لا يعلم إلا القليلين، أن مصر المحروسة قد نالت
الاستقلال، من براثن الاحتلال، في عام أثنين وعشرين (1922)، ورغم كونه صوريا، وليس
واقعا فعليا، إلا أن مصر مارست مشاركاتها الدولية, وأنشطتها السياسية، وفاعليتها
البرلمانية، كما لو كانت دولة مستقلة حقيقية.
وبدأت فاعليات النضج والرشاد، بوضع دستور البلاد، تنظيما
لحُكم العباد، كان ثمرة العقول والأساطين، من رجال قانون وطنين، وهو ما يسمي بدستور ثلاثة وعشرين، ورغم كونه دستورا مثاليا نموذجيا،
إلا أنه تعرض مرارا وتكرارا للإلغاء والإرجاء، من جانب الذات الملكية، وسلطة
(الوصاية) الإنجليزية، والمنافقين الذين لا يعلمهم إلا الذات الإلهية،
فهم كانوا وكلاء شعبنا العليل، وما أدراك ما الوكيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولم
نكن نملك إلا واهن الصرخات، وعظيم الأنات، وبعض المظاهرات !!.(وعلي القارئ أن
يلاحظ أولئك الآفات الثلاث .. سلطة حاكمة غير سوية – سلطة أجنبية خارجية – جماعة
منافقين منتفعين طفيلية).
- حمدا لله علي سلامتك، بلغني مرضك وسقمك.
- الحمد لله .. ودعائنا أن يجعل الله ما أصابنا في ميزان
أعمالنا، فما من شاكة يشاك بها المؤمن إلا ويثاب عنها يوم القيامة، ومرض الجسد مُحتملُ لين، لكن سقم النفس غير هين، واه ..
لو يعلموا الفراعين، أن المصير إلي الطين، فكل من يتبختر الآن في عزه ومجده، مصيره
محتوم مجزوم في ضيق لحده، والباقية الباقية في صالحات الأعمال، فهي الناجية
الواقية من سوء المآل.
- تحدثت عن دستور ثلاثة وعشرين، فما مصيره بعد أثنين
وخمسين (ثورة يوليو)؟
- حتى حريق القاهرة المشهور (يناير 1952)، كان التعطيل
من نصيب الدستور، وقامت حركة الضباط العسكرية (يوليو 1952)، وتحولت لاحقاً لثورة
شعبية، وأخذوا من التعطيل ذريعة وحجة، لعزل فاروق (ملك مصر) وطرده، ومن الظرائف
المضحكة واللطائف المبكية، هو ما نراه في التصريحات والأحداث الآتية:
1 – ما جاء في بيان الثورة (الحركة) يوم 23 يوليو:
<<أن الجيش يعمل في ظل الدستور>>.
2 – تصريح لمحمد نجيب ثاني يوم الثورة (الحركة) يوم 24
يوليو: <<رفع لواء الدستور>>.
3 - تصريح لمحمد نجيب ثالث يوم الثورة (الحركة) 25
يوليو: <<الحركة !! تقوم علي مبادئ أساسية من
أهمها الدستور>>.
4 – الإنذار الموجه إلي الملك للتنازل: <<وذلك أنه (الملك) عبث بالدستور وأمتهن إرادة الشعب>>.
5 – بعد عدة أشهر ............... تم إلغاء الدستور !!!!
- إلغاء الدستور !! ، هكذا جهارا نهارا في سفور !!، وكيف
أُديرت الدولة ونظامها، وهو المقنن لأعمالها ؟؟
- دخلت المحروسة في دوامات من الاستثناءات، ومشاريع تجريبية
ودساتير وقتية، نذكر منها كمثال: مشروع دستور أربعة وخمسين (1954)، وتجربة ستة
وخمسين (1956)، ثم دستور الوحدة مع سوريا، ثم الانفصال، والعودة لأول الموال.
- دعك الآن من زمان !!، وحدثنا عن الحالي من بيان.
- ما نعيشه الآن من فساد الدستور وبئس الأمور، وما للرئاسة من هيمنة و تجاوزات، وعدم
احترام الفصل بين السلطات، وتحول الجمهورية إلي ملكية، بل قل إلي عزبة أو وسية،
مصدرة (السـادات) ورجاله، ورغم سوء مآله، إلا أنه لا إصلاح ولا تجديد، بل لظلم وغي
سابق استمرارا وتمديد !!.
- السادات !!، لقد ذهب بسوء عمله منذ نيف وعقدين!،
أمازالت أثاره حاضرة ماثلة للعين ؟؟
- السادات
في أوله، كان يعلم حجمه وضعفه، وبأنه ليس إلا واجهة لحيتان، تتواري في الأركان،
المهم .. هذا ليس موضوعنا الآن.
وشهد العام الواحد والسبعون (1971)، مولد دستور شبه
موزون، لكنه ملئ (برضة) باستثناءات، وألاعيب وثغرات، وخير ما كان فيه هو محدودية فترة الرئاسة (حد أقصي فترتين)، وتوالت السنون
تلو السنين، وأستأسد السادات عالشعب المسكين، فجاء دستور ثمانين (مايو 1980)، وهو
أسوء وصمة في الجبين، مازالت سارية حتى الحين، (وهو ما تناولنا بعضا من بنوده في
مقالنا السابق). والأمر المثير للبكاء، بل قل للرثاء،
أن هذه الدساتير جاءت لتصحيح "قوانين" الفترة الناصرية، فجاءت 75% من
المخالفات الدستورية (أحكام المحكمة الدستورية) لقوانين الفترة الساداتية
والمباركية!!!!!!!
- عموما
.. إن بعد العسر يسر، هاهي تصريحات "جمال مبارك" في جريدة البيان، ينتقد
فيها الدستور ويطالب بترشيحات للرئاسة كمان.
- يا أخي .. بئس حق يَجيء
كعطية !!، أو هبة أو منحة سامية، فالحق يُؤخذ ولا يُعطي، ودونه غالي النفس تردي،
مع اعتبار أنهم دائما يوعدون بكذا وكذا .. لكن دائما إلا إذا !!. هل تذكرون
السادات ووعوده الزائفة ؟؟، ألم يدعي أن نفسه عن الرئاسة عازفة، وماذا حدث بعد ذلك
!!؟؟؟ - أستأسد علينا وتنمر، والويل لمن شكا وتذمر، وأرتدي مسوح الوحي ألرسولي،
حتى قضي الله الأمر المفعول، ثم تلاه من تلاه، وفي هذه النقطة حكاه، فأعلن عن
عزوفه وأنوفه، وبأنه لن يرضي من الرئاسة إلا بفترة أو بالكثير أثنين، وهانحن ..
بعد العقدين (يا خلق الله) بسنتين !!!!!!!
أما عن جمال مبارك، فبالله عليك، ما هي مؤهلاته وصفاته
وسماته، والتي تجعله مسئولاً (بالحزب الحاكم) عن السياسات، ويحضر مع الوزراء
الاجتماعات، ويدلي بالتصريحات تلو التصريحات، ناهيك عن رئاسة الوفود الخارجية، خاصة
إلي لإمبراطورية الأمريكية، ويصول هنا ويجول، علي إعلام وزمر وطبول، وكأن المحروسة
عقمت إنجابها، لكوادر من صالح أبنائها.
- ولماذا الانتظار واللف والدوران، ما يعينوه رئيسا بفرمان!
-
تذكر يا أخي نص المادة (75): << يشترط فيمن ينتخب رئيسا للجمهورية أن يكون مصريا من أبوين
مصريين، وأن يكون متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، وألا تقل سنه عن أربعين سنة ميلادية>>،
يعني ناقص عالفرمان شوية !!!!!
- طيب .. وما سبب ضعف البرلمان، وما فيه من خذلان؟؟
- هذا يا أخي بسبب ما للرئاسة من سلطان !!، وللأسف بنص
الدستور وبنوده، بسابقة ما رآها الوطن في عهوده، ودعنا نذكر لك بعضا من مواده
العجيبة، والتي صاغها زمرة محترفين لعيبة !!
1 - المادة (136): << لا
يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب إلا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب، ويصدر رئيس الجمهورية قرارا
بوقف جلسات المجلس وأجراء الاستفتاء خلال ثلاثين يوما، فإذا
أقرت الأغلبية المطلقة لعدد من أعطوا أصواتهم الحل، أصدر رئيس الجمهورية قرارا
به. ويجب أن يشتمل القرار على دعوة الناخبين لإجراء انتخابات
جديدة لمجلس الشعب في ميعاد لا يجاوز ستين يوما من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء. ويجتمع
المجلس الجديد خلال الأيام العشرة التالية لإتمام الانتخاب>>
بمعني: أعطي الدستور رئيس الجمهورية سلطة حل مجلس الشعب
(البرلمان) في (ظروف) يراها ضرورية، والاحتكام يكون للاستفتاء !!!!!!!!!!!!، وأنتم
تعلمون ما الاستفتاء، وما أدراك ما الإستفتاء!!
2 - المادة (76): <<يرشح
مجلس الشعب رئيس الجمهورية، ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه ويتم
الترشيح في مجلس الشعب لمنصب رئيس الجمهورية بناء على اقتراح ثلث أعضائه على
الأقل ... المادة>>
المادة (77): <<مدة
الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة
انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى.>>
المادة (92): <<مدة مجلس
الشعب خمس سنوات ميلادية من تاريخ أول اجتماع له. ويجرى الانتخاب لتجديد
المجلس خلال الستين يوما السابقة على انتهاء مدته>>.
ولنتأمل البنود السابقة بتأن وروية، لنري ألاعيب وشغل الترزجية:
1 - المجلس خلاص رشح الرئيس، وهذا ليس بمعزل عن الحكومة
القائمة!!، يعني .. نتيجة الاستفتاء مضمونة مضمونة.
2 - خلاص
خلصنا من الرئاسة، المجلس يكمل الـ (5) سنوات بتوعه ومع السلامة، ولسه الرئيس في
السلطة (مدة الـ 6 سنوات لم تنته بعد).
3 - والرئيس هو رئيس الحكومة وكل الجهات السيادية والتنفيذية، يعني حا
يجي البرلمان الجديد في ظل الرئاسة الحالية، تفتكروا يعني حا يجيب من يقلق راحته،
هو وحكومته !!.
4 – نتيجة البرلمان الجديد، مافيش منافسين أو ناس مزعجين
!!!!؟؟؟؟، باختصار .. برلمان مستأنس مطيع... والجو بديع ونقفل علي كل المواضيع (مع
الاعتذار لعمنا جاهين).
-
أنها بحق بنودا عجيبة، وضعها محترفين لعيبة !!!. ولكن أين نائب الرئيس!!؟ ألم ينص
الدستور علي تعيين نائب، لتولي الأمور إن مرض الرئيس أو كان غائب؟
-
بلي .. ونذكر لك المادتين الآتيتين:
1 - المادة (82): <<إذا
قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاصاته أناب عنه نائب رئيس
الجمهورية>>.
2 – المادة (85): << يكون
اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أم بارتكاب جريمة جنائية بناء على
اقتراح مقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي
أعضاء المجلس. ويقف رئيس الجمهورية عن عمله
بمجرد صدور قرار الاتهام، ويتولى نائب رئيس
الجمهورية الرئاسة مؤقتا لحين الفصل في الاتهام. وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أما محكمة
خاصة ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد العقاب، وإذا حكم بإدانته
أعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى>>.
وهو فين النائب ..!!، عدم تعينه حتى الآن (22
سنة)، يثير ألف ألف علامة استفهام.
*******
والخلاصة
يا سادة يا كرام، عليكم الرجوع لأول المقال، وقارنوا الأقوال بالأفعال، وفيما يدور
من أحداث، ركزوا الحواس، وتذكروا (الآفات الثلاث)، وراء العبث بالدستور، وامتهان
الشعب المقهور، ونذكرها للإعادة، وفي الإعادة إفادة:
1 – سلطة حاكمة غير سوية.
2 – سلطة أجنبية خارجية.
3 – جماعة منافقين منتفعين طفيلية.
وإلي اللقاء في مقالة ثانية,,