عن التصنيف الأوروبي لحركة حماس كمنظمة إرهابية
بقلم :خالد الحروب
التوجهات الأوروبية الأخيرة، المقودة
بريطانياً، التي تنزلق إلى اعتبار حركة حماس منظمة إرهابية، تعكس انحداراً وهزيمة
بالغة للمثال الأوروبي، أكثر مما هي ذات تأثير تدميري على حماس. أوروبا تحاول أن
تفصل نفسها وسياستها عن السياسة الأميركية المتغطرسة التي يعكسها مثال الكاوبوي
الأميركي في تعامله مع العالم والشؤون الدولية بشكل عام. لكن مع ذلك يشدها التردد
والرهبة التي لا تليق بقارة مثلها، ولا تتناسب مع فكرة الاتحاد الذي ينتظم كبرى
دولها.
من ناحية أولية ستتأثر حركة حماس بالتأكيد،
وإن معنوياً، من توجهات كهذه تصورها في العالم كمنظمة إرهابية وليس كحركة تحرر
وطني، وستؤلب عليها جهات جديدة. على رغم ذلك فإن التأثير العملي والمباشر عليها
قليل، إذ ليست لدى حماس مكاتب أو سفارات في الدول الأوروبية تخشى عليها الإغلاق.
وقصة تجميد أرصدة حماس في البنوك الأميركية
والأوروبية التي يتم تكرارها بين الحين والآخر، ترداداً لما تقوم به البلاهة
الأميركية، هي أقرب إلى المزاح السمج منها إلى أرض الواقع. ففي السنوات الأخيرة
يتردد رجال أعمال عرب وشركات لا علاقة لها بالسياسة من قريب أو بعيد عن وضع
أرصدتهم المالية في تلك البنوك، فضلاً عن افتراض قيام حركة مثل حماس بذلك، وهي
التي تتنافس أجهزة أمن عالمية وإقليمية في مراقبة كل ما تقوم به على كل الصعد.
التأثير الوحيد وغير المباشر يكمن في تجميد عمل بعض الجمعيات الخيرية الفلسطينية
التي تعمل في الغرب على جمع تبرعات لمشروعات أهلية تستهدف الفقراء ويُقال إنها إما
قريبة من حماس أو تخدمها بشكل أو بآخر عن طريق دعم عائلات الشهداء.
ومن هنا، من نقطة إغلاق هذه الجمعيات، يبدأ،
لكن لا ينتهي، التدهور الأخلاقي السياسي الأوروبي في تبعيته للعنجهية الأميركية
إزاء كل ما له علاقة بفلسطين. فالأوروبيون هم خير من يعلم أن عمل المنظمات غير
الحكومية في الأراضي المحتلة، إسلامية كانت أم غير إسلامية، هو عمل مركزي وأساسي
في تخفيف الضغوط الاقتصادية عن الشرائح الفقيرة في المخيمات والمدن الفلسطينية.
وأن أرصدة وحسابات هذه المنظمات وكل ما له علاقة بعملها يقع تحت ثلاثة أنواع من
الرقابة الأمنية، إن لم يكن أكثر: رقابة الدولة الغربية المعنية التي تعمل فيها أي
جمعية على جمع التبرعات، ورقابة أمنية إسرائيلية لكل التحويلات المالية القادمة من
الخارج، ورقابة أمنية من قبل السلطة الفلسطينية. ليس هناك قرش في العالم يتعرض
لرقابة في حركته مثل القرش الفلسطيني. وللمقارنة المؤلمة يكفي التأمل هنا في حركة
عشرات ومئات الملايين من التبرعات التي تفيض شهرياً على متطرفي اليمين الاستيطاني
الصهيوني الذين يسعرون النشاط الاستيطاني في كل مكان، وهو نشاط احتلالي إرهابي
وعنصري فاشي بكل المعايير. أوروبا التي تكرر الزعم باحتكامها للقانون الدولي
وأخلاقياته وتناكف الولايات المتحدة أحياناً على قاعدته لم تطرح ولو على سبيل
التحرش فكرة فتح ملف التبرعات المليونية التي تنهال لدعم الإرهاب الإسرائيلي
اليومي، سواء أكان استطيانياً أم غيره.
أهم من مسألة الجمعيات الخيرية، وهي الأمر
الوحيد العملي المرتبط بالتوجه الجديد في اعتبار حركة حماس إرهابية، يبرز المبدأ
نفسه - مبدأ اعتبار حركة تحرر وطني حركة إرهابية. فأوروبا التي عانت من البطش
النازي في النصف الأول من القرن العشرين، وقاومته في أكثر من دولة، وأعلت من شأن
مثال المقاومة في الحالة الفرنسية على وجه التحديد يجب أن تكون أفضل من يدرك الفرق
بين حركة التحرر والإرهاب. وأن نسبة الإرهاب إلى حركات التحرر هي عملية تشويهية
رخيصة يلجأ إليها المحتل في كل مكان وفي كل حالة. وكثير من الساسة الأوروبيين، إن
لم يكن غالبهم، ممن تلعثموا في اجتماعاتهم الأخيرة يدركون في قرارة أنفسهم هذا
الأمر، لكنهم لا يجدون مناصاً من الخضوع للضغوط الأميركية والإسرائيلية المتواصلة
عليهم - والتي للأسف لم تقابلها ضغوط عربية وإسلامية في الاتجاه المعاكس. فإسرائيل
وأميركا حاولتا وما زالتا تحاولان حشر كل حركات المقاومة الفلسطينية في مربع الإرهاب
الدولي الإسلامي.
أوروبا التي يأمل كثيرون في العالم أن تبقى
في منأى عن الخضوع الأعمى للغطرسة الأميركية وتنحاز ولو نسبياً للمبادئ الإنسانية
وتحقق قدراً ولو ضئيلاً من التوازن بين وحشية السياسة ومبادئ القانون الدولي تساهم
الآن في انجرار عالمنا نحو شرائع الغاب بانسياقها وراء السياسة الأميركية الراهنة.
ولا يحتاج المرء إلى أن يكون معادياً لأميركا ليرى كيف أن هذه السياسة الراهنة قد
أعادت البشرية عقوداً إلى الوراء حيث أعلت قيمة الحرب على كل قيمة أخرى بشكل غير
مسبوق، وفرخت حروباً ومناخات لها لم يكن من المتصور أن توجد.
كما لا يحتاج المرء لأن يكون خبيراً في
السياسة الدولية ليرى أن بريطانيا تتحمل المسؤولية الأكبر في تدمير بقايا
الأخلاقية الأوروبية من خلال لعب دور الوكيل الأميركي داخل البيت الأوروبي والضغط
بكل اتجاه تريده واشنطن، بما في ذلك المسألة التي تتناولها هذه السطور. وبريطانيا،
البراغماتية، تتغاضى عن خبرتها الاستعمارية الطويلة في مجال التعامل مع الشعوب
المستعمرة وحركات تحررها، وتغلق فمها حين تأتي التوجيهات من واشنطن، وهي تعلم أنها
بذلك لا تخدم حتى المسألة التي تتصدى بالوكالة للدفاع عنها. تعلم لندن، بحكم الخبرة،
أن سياسة حشر حماس في الزاوية ستزيد من تطرف الحركة، إذا وافقنا جدلاً على هذا
التوصيف على رغم تضميناته المسبقة وتناقضه مع مبدأ مباشر وأساسي وهو حتمية مقاومة
أي احتلال عسكري، وأن هذه المقاومة ليست هي المتطرفة بل نتيجة طبيعية للاحتلال
المتطرف بكونه حالة غير طبيعية.
ويعلم الأوروبيون أيضاً، وفي مقدمتهم
البريطانيون، أن انسياقهم وراء فكرة تجريم حماس معناه دفع العناصر والتوجهات
المعتدلة داخل الحركة إلى ترك اعتدالها وتسيسها. ويعلمون أيضاً بحكم الخبرة
التاريخية أنه في كل حركة على شاكلة حركة حماس احتمالات لغلبة الجناح العسكري على
السياسي، وأن هذه الاحتمالات تزيد أو تقل تبعاً للإنجاز أو الفشل على الصعيد
السياسي، وأن غلبة الجناح العسكري في أية حركة على جناحها السياسي معناه سيادة
العنف على العقل، وأن نتيجة ذلك هي انفلات قوة بلا عقل سياسي. ولن يحتاج
الأوروبيون إلى من يؤشر لهم على المثال الجزائري الدامي على الضفة الجنوبية
لحدودهم، الذي قضى على البلد وأرق وما زال يؤرق قارتهم.
الإمعان الأوروبي في الخضوع للعجرفة
الأميركية فيما خص المسألة الفلسطينية يضر بأوروبا راهناً ومستقبلاً. صحيح أنه
ليست ثمة أكلاف ظاهرة حالياً تدفعها أوروبا، أو أي طرف دولي، جراء اتخاذ أي موقف
عدائي ضد أية قضية عربية بسبب العجز العربي الفاضح. لكن تأزيم الاحتقان الشعبي
المعادي للغرب في طول وعرض البلدان العربية والإسلامية عبر توجهات بالغة الانحياز،
حيث لا حديث عن أي حظر على "إسرائيل" بسبب إرهابيتها، لن يؤدي إلا توليد
أعداء تاريخيين لأوروبا يولدون منظمات وحركات تعيد إنتاج خطاب الحروب الصليبية
وصدام الحضارات شاءت أوروبا أم لم تشأ.