الادارة الامريكية، ومحاولات الخروج من المأزق العراقي
امام المأزق الصعب والخطير الذي تواجهه
الادارة الامريكية، وحليفها البريطاني في العراق اتجه الطرفان الى هيئة الامم
المتحدة ومجلس الامن الدولي للبحث عن مخرج لهذا المأزق حيث تقدمت وزارة الخارجية
الامريكية وبدعم من الخارجية البريطانية بمشروع لاستصدار قرار من مجلس الامن يعطي
الامم المتحدة دورا عسكريا في العراق عبر ارسال قوات متعددة الجنسيات تتحمل وزر
المواجهة والخسائر المادية والبشرية عن قوات الاحتلال، لكن الادارة الامريكية،
والتي ادارت ظهرها للامم المتحدة عند قيامها بشن الحرب على العراق، تتمسك بمبدأ
قيادتها للقوات الدولية، ويأتي هذا التحرك الامريكي - البريطاني نحو الامم المتحدة
بسبب فشل قوات الاحتلال الامريكية - البريطانية والحاكم المدني الامريكي والهيئات
العراقية التي افرزها الاحتلال - والمتمثلة بالمجلس الانتقالي العراقي، والوزارة
العراقية الجديدة والتي لن يكون حظها في اعادة بناء البنية التحتية في العراق
وتوفير الامن والاستقرار فيه اوفر من حظ المجلس الانتقالي لانها تشكل امتدادا لهذا
المجلس وصورة طبق الاصل عن بنيته الطائفية والعرقية.
فشل هذه الاطراف - الاحتلال، وافرازاته، في
توفير الامن والاستقرار وتوفير مستلزمات الحياة الضرورية للشعب العراقي من جهة
وعدم قدرة القوات الامريكية المحتلة تحمل ضربات المقاومة العراقية التي تلحق بها
خسائر بشرية وبشكل متصاعد يوميا، وما تتحمله الخزينة الامريكية من نفقات باهظة تصل
الى مليار دولار في الاسبوع الواحد يدفعها المواطن الامريكي الذي يحتاجها للخروج
من الازمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها على مسار حياته.
كما ان الادارة الامريكية، قد وجدت نفسها
فعلا امام مأزق صعب وخيارات قليلة للخروج من هذا المأزق وتداعياته المؤلمة للسياسة
الداخلية والخارجية للادارة الامريكية، فالانسحاب الامريكي من العراق امام ضربات
المقاومة وفشلها في الحفاظ على الامن فيه، حيث تعرضت مؤسسات للتفجير والتدمير، مثل
السفارة الاردنية في بغداد، ومقر الامم المتحدة والعاملين فيه كما تعرضت شخصيات
عراقية هامة ومؤثرة للاغتيال والذين من ابرزهم السيد محمد باقر الحكيم، يجعل
الادارة الامريكية تسعى لمواجهة حالة تؤثر على نهج الادارة الامريكية وسياساتها
ووجودها ومخططاتها، ليس في العراق ودول الخليج فحسب بل في منطقة االشرق الاوسط
واماكن متعددة من العالم، ويضع مصالحها ومصالح شركاتها الرأسمالية التي تراهن على
مكاسب كبيرة عبر استحواذها على نفط العراق واعادة اعماره في موقف صعب.
كما ان اي انهيار لمخططات الادارة الامريكية
في العراق سوف يلحق اضرارا بالغة بالمشاريع الامريكية في دعم قادة الكيان الصهيوني
عبر انهاء الصراع العربي - الصهيوني وفق رؤية الادارة وحلفائها الصهاينة، هذا الى
جانب ان الادارة الامريكية تحاول التخلص من عودة العدد المتزايد من جنودها القتلى
الى الولايات المتحدة الامريكية بالتوابيت في الوقت الذي بدأت تقترب فيه الحملة
الانتخابية الرئاسية والبرلمانية مما يؤثر سلبا على اعادة انتخاب الرئيس جورج بوش
للدورة الثانية، كما يؤثر سلبا على حزبه وعضوية الحزب في البرلمان وبالتأكيد فان
الحزب الديمقراطي المنافس قد بدأ باستثمار وتوظيف الحالة العراقية واخطاء الادارة
الامريكية وفشلها في العراق لصالحه.
بالتأكيد، لا نبسط الامور بالقول بان الادارة
الامريكية سوف ترضخ للامر الواقع بالعراق وتقوم بسحب قواتها تحت ضربات المقاومة،
مهما اشتدت وتصاعدت، بل سوف تحاول الادارة وبكل ما تملكه من قدرات وسوف تلجأ الى
الخيارات العسكرية والسياسية والاقتصادية لمواجهة الواقع العراقي بكل ابعاده وعلى
الخصوص الامنية المتمثلة بالمقاومة والفلتان والفوضى الامنية عبر استخدام كل
الوسائل المتاحة داخليا، كالاستعانة بأطراف عراقية، وخارجيا عبر الضغط على دول
لتقوم بارسال قوات تشاركها المواجهة او عبر العودة الى هيئة الامم المتحدة ومجلس
الامن، مثلما فعلت مؤخرا، لاستصدار قرار لتدويل الازمة، وان كان هذا الخيار ايضا،
ليس سهلا، حيث تواجه الادارة الامريكية صعوبات تتمثل في مواقف كل من فرنسا
والمانيا الدولتين اللتين رفضتا قيام الادارة الامريكية وحليفها البريطاني بشن
الحرب على العراق بعيدا عن المؤسسات الدولية المختصة، وهما الان تعارضان اصدار
قرار من مجلس الامن الدولي بارسال قوات دولية الى العراق بقيادة امريكية ودون ان
يكون لهما، وخاصة فرنسا، دور في الاشراف على هذه القوات من جهة، وتطالب بتحديد عمل
هذه القوات ومهامها، بحيث تشمل هذه المهام العمل على اعادة الامن والاستقرار
للعراق واجراء انتخابات شعبية حرة وديمقراطية لكافة السلطات والمؤسسات في العراق،
وان يقود شعب العراق نفسه بنفسه بعيدا عن التدخلات والتأثيرات الخارجية، كما تؤكد
فرنسا على دورها في اعادة اعمار العراق.
طبعا، فان موقف روسيا والصين ايضا لا يتوافق
مع الموقف الامريكي حيث اعلنت الدولتان عن اضافة تعديلات الى المشروع الامريكي
المقدم لمجلس الامن الدولي.
ان ما يجري الان في العراق، وما يجري في
افغانستان، قد اثبت وبشكل واضح على ان الاعتماد على القوة العسكرية للسيطرة على
الموارد والثروات الطبيعية التي تمتلكها شعوب اخرى، من جهة، والسيطرة على دول
العالم والمؤسسات والهيئات الدولية وتوجيهها وفق المخططات والمصالح الخاصة طريق
محفوف بالمخاطر ولن يوصل الى نتائج ايجابية، بل يقع اصحاب هذا التوجه في مأزق
ومطبات لا تحتمل، وهذا ما يمكن استخلاصه من التجربة العراقية والفلسطينية، وان
الزيارات التشجيعية لرفع المعنويات واصدار التهديدات لا تجعل الشعوب ترضخ وتستسلم
بل بالعكس يجعل هذه الشعوب تقاوم وتقدم التضحيات مهما غلت في سبيل حريتها
واستقلالها وكرامتها واستعادة حقوقها، وعليه فان زيارة وزير الدفاع الامريكي
رامسفيلد الاخيرة للعراق لن ترفع معنويات قواته، والتهديدات التي وجهها لكل من
سورية وايران لن تجديه نفعا، كما لم تجد تهديداته وتهديدات حلفائه قادة الكيان
الصهيوني لشعب فلسطين ولسورية ولبنان اي نفع، كما ان كل محاولات الادارة الامريكية
بتصدير مأزقها في العراق الى المجتمع الدولي لن تجد نفعا ايضا.
فأمام عجز الادارة الامريكية وحليفها
البريطاني وفشلهما في توفير الامن والاستقرار في العراق، فان عليهما للخروج من هذا
المأزق التسليم والاعتراف بهذا الفشل وبشكل كامل وان يتم العمل على استصدار قرار
من الامم المتحدة لتتسلم زمام الامور وبشكل كامل في العراق واعطائها الصلاحيات
للقيام بخطوات ايجابية من اجل اخراج العراق من محنته عبر العمل على توفير الامن
والاستقرار والتهيئة والتحضير موضوعيا لوضع دستور عصري ديمقراطي للعراق، واجراء
انتخابات شعبية حرة ونزيهة، وان يمارس شعب العراق سيادته فوق كامل ارضه من الشمال
الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب بعيدا عن السيطرة والتدخلات الامريكية.
عندها فقط تكون الادارة الامريكية قد وجدت
الحل والمخرج لازمتها القائمة في العراق التي يعترف اركان الادارة بها عبر
تصريحاتهم وتحركاتهم السياسية في الايام الاخيرة، حيث قامت هذه الادارة بشن الحرب
بحجة انها تريد تخليص العراق ورفع المعاناة عنه وتجريده من اسلحة دمار شامل مزعومة
وجعله واحة للديمقراطية ومثالا ديمقراطيا يحتذى واذا بها تجعل من العراق بلدا
مدمرا - امنيا وسياسيا واقتصاديا - وجعلت شعبه يعيش هواجس الخوف الدائم، ويفتقر
الى ادنى مستلزمات الحياة ومقوماتها الضرورية.