الحالة في فلسطين تبدو وكأنها قصيدة من عبث
أدونيس (هل ما زال متاحا لنا نقده أم دخل في قائمة المحظورات مثل جميع الساسة)
غير أن القصيدة هذه المرة مفهومة للجميع وإن
أصروا جميعا علي الاستغباء ودفن الرؤوس في الرمال والدم خشية النظر في عين
المتواطئ.
الفلسطينيون اليوم شاؤوا أم أبوا دخلوا الفخ
بأقدام قادتهم لا علي أقدامهم التي تقرحت من طول المسير، وكثرة الأشواك.
عامان من الدم والدموع غارت في باطن خارطة
الطريق، ولا طرق
عامان من شعارات التمرد والثورة وصيحات
الفداء للشهداء ... ليحل صمت مطبق تتلوه بصقة في بحيرة الدم وهمهمات مبهمة من
القادة حول المصالح العليا ووحدانية السلطة وسيادة القانون، ولا قانون إلا كلمة
شارون ورغبات مجانين حكومته
نسي الجميع مخيم جنين وقصبة نابلس، وغابت
صرخات محمد الدرة كما غابت دموع إيمان حجو ودمها
وعلا صوت مصلحة لم يرها أحد سوي المتنقلين
بين العواصم بحثا عن دعم أو بث شكوي.
أي سياسة تلك التي تقوم علي مبدأ اقطع يديك
واكتم صوتك وضع عنقك علي المقصلة ليقتنع الجزار أنك مأمون الجانب فربما قبل أن
يمنحك فتات دولة...
أي قانون هذا الذي يمنع الفلسطيني من أن
يختار طريقة موته مادام ميتا علي أية حال ... الفلسطيني يا سادة ميت فوق الأرض
بانتظار أن تحدد طائرة أو طلقة إسرائيلية موعد دفنه
أي سلطة تلك التي لا تري في شعبها سوي عالة
أو مادة للمساومة علي موائد التفاوض
لا نريد أن نفهم سياستكم ولا أن نسمع أصواتكم
... لا نريد حتي أن نري وجوهكم ...
أصابعكم علي الزناد والفوهات علي أصداغنا ...
والسنتكم لا تتحرك إلا لتفح في وجوهنا وتحذرنا من أن أي ارتعاشة ألم قد تودي بنا
علي أيديكم
كل قادة السلطة يجمعون علي أن شارون لا يريد
سلاما فلماذا لا ينشغلون بالعمل علي الإطاحة به؟
قرر شارون يوما أن عرفات لا يصلح شريكا له
لصنع السلام، فعزله وحاصره ثم همشه، وفرض واقعا جديدا... فلماذا لا يعامل بالمثل؟
قيل لنا يوما أن تشدد نتنياهو أطاح به
وأن الانتفاضة طوحت بباراك بعيدا عن مقاليد
الحكم والسلطة
فلماذا لا ينشغل الساسة بالإطاحة بشارون عل
إسرائيليا آخر أقل شوفينية وعنصرية ودموية من هذا يجلس قبالتهم علي موائد التفاوض.
لماذا لا يكون برنامج المرحلة إقناع
الإسرائيليين أن الرصاص لن يجلب لهم الأمن... وأن السلام لا ينبثق كوردة من فوهة
مدفع
عامان من المواجهات لم تفلح فيها إسرائيل
بوقف المقاومة الفلسطينية، ولا بكسر شوكة الشعب فلماذا تتبرع السلطة وقادتها
بإسداء الخدمة تحت حجة الحفاظ علي مصالح الشعب العليا
أي مصالح تلك التي لا تحفظ إلا باستخذاء
العدو والارتماء تحت أقدامه والتمرغ في وحل الهزيمة عن طيب خاطر.
لقد وصلت السلطة للسلطة علي أكتاف المقاومة،
ولولا تلك المقاومة ما كانت الاتفاقات ولا كانت السلطة،وحين تغيب المقاومة عن
المشهد ويأمن الإسرائيليون في حافلاتهم وشوارعهم ومراكز تسوقهم لن يكون لدي ساسة
السلطة والمتحدثين باسمها ما يفاوضون عليه سوي الاتكاء علي النوايا الحسنة لدي
شارون وموفاز وسائر سلالة التطرف الصهيوني.
لولا القنابل البشرية والصواريخ محدودة
القدرة التي تسقط بين حين وآخر علي تجمعات إسرائيلية من غزة ما سمع أحد أنين
اليتامي في فلسطين، وما انشغل أحد باستطلاع رأي الساسة حول ما جري ويجري وسبل
الخروج منه.
ربطات العنق الأنيقة والابتسامات اللدنة
والكلمات اللزجة لا تصنع سياسيا ناجحا ... ولا حتي اعجاب جورج بوش وكوندوليزا رايس
كافيين لصنع قادة وطنيين قادرين علي الدفاع عن شعبهم بدلا من التحرك تحت مظلة
اسمها المصالح العليا للشعب، وأداتها الوحيدة لتحقيق تلك المصالح هي المشاركة في
كتم ما تبقي من نفس لديه.