تيسير علوني

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

من ابسط قواعد أخلاقيات المهنة الصحافية التضامن بين أهلها عند كل مكروه ولا سيما عندما يتعرض أحد الصحافيين إلي المضايقة أو الملاحقة أو الاعتقال بسبب آرائه أو كتاباته أو نوعية تغطياته الإعلامية سواء كانت لصحف أو إذاعات أو تلفزيونات . وحتي إذا لم يكن للاعتقال علاقة بعمله الإعلامي ـ وطالما أن الصحافي ليس علي أية حال شخصا فوق القانون والمساءلةـ فإن أبسط أخلاقيات المهنة، هنا أيضا، حرص زملائه علي أن تكون كل إجراءات الاعتقال أو التحقيق أو توجيه الاتهامات وفق القوانين والأصول المرعية بعيدا عن الشبهات والإشاعات والرجم بالغيب ومن باب أولي حرصهم علي تجنب تصفية أية حسابات سواء بدافع الغيرة المهنية، المقيتة في هذه الحالة، أو لخلفيات سياسية معينة.

مقدمة بديهية ركيكة لم يكن منها مفر بعد أن سعت بعض الصحف العربية للأسف الشديد لإدانة الزميل العزيز تيسير علوني المعتقل في إسبانيا حتي قبل أن تبت في ذلك التحقيقات القضائية المستقلة ومحاكمة تتوفر فيها كل المواصفات القانونية الدولية للمحاكمة العادلة. وحتي يكون الكلام دقيقا ومحددا فإن ما تنشره هذه الأيام بعض الصحف السعودية يعد معيبا في حقها قبل أن يكون معيبا في حق زميل في محنة فقد تعاملت مع القضية علي طريقة الصحف الصفراء في أكثر دولنا العربية تخلفا إعلاميا، فهي لم تختر في صدر صفحتها الأولي أن تبرز نداءات إطلاق سراح علوني أو استهجان اعتقاله ـ وهي حرة في ذلك علي كل حال ـ ولكنها ارتأت في المقابل محاورة محقق إسباني لبناني الأصل زعمت الصحيفة أنه طلب منها عدم ذكر اسمه سرد فيها ما عنّ له من تهم لا أول لها ولا آخر وكلها تودي في داهية دون أن يكون ذلك نتيجة التحقيق مع تيسير أو بعد أن ثبتت صحتها وما أسهل كيل الاتهامات في هذه الحالة.

و مع أن إعطاء منبر لمن يكيل اتهامات دون دليل في حق من لا يقدر علي الدفاع عن نفسه ، دعك من كونه زميلا صحافيا، خطأ جسيم فإن إبراز ما قاله علي أنه حقائق ثابتة وعدم محاججة هذا الـ الناشط مع جهاز أمني إسباني (أول مرة أسمع فيها بصفة ناشط في مثل هذا السياق!!) بل وتركه يسرد ترهات دون تعقيب أو تعليق إنما يرقي فعلا إلي مستوي الخطيئة في حق أصول المهنة قبل أن تكون في حق زميل خاطر بحياته في حربين لنقل الحقائق إلي العالم.

ونكتفي هنا بسرد بعض هذه الترهات التي لم يعلق عليها من حاور هذا الناشط المتميز:

ـ يقول هذا المحقق اللبناني الأصل (لا أدري لماذا هناك العديد من الفلتات العسكرية والأمنية الأجنبية من أصل عربي!!) إن مدريد تمتلك 500 ساعة تنصت علي هواتف علوني طوال إقامته الشهرين الماضيين في إسبانيا وبعملية حسابية بسيطة يتضح أن علوني كان يتحدث 8 ساعات وثلث الساعة يوميا في الهاتف وهي مدة مناسبة ربما لمراهق أدمن مغازلة صديقاته عبر الهاتف وليس لصحافي لديه التزاماته الاجتماعية والمهنية فضلا عن أن تيسيرـ علي افتراض صحة الشبهاتـ ليس ساذجا إلي حد البوح بأسرار ومعلومات علي الهاتف!!

ـ يقول المحقق أن علوني اعتقل بشبهات (هكذا!) قوية والمعلومات عنه لن تتسرب إلي وسائل الإعلام إلا بعد 3 أو أربعة أشهر علي الأقل، أي بعد سحب السرية عنه كمعتقل وهذا بموجب القوانين الإسبانية ... إذن من أين لك بهذه المعلومات أيها المحقق التحفة وكيف تسربها أصلا للصحف في مخالفة صريحة لقوانين البلد الذي يفترض أنك مواطن مخلص له؟!

ـ يقول المحقق أيضا إن زوجة علوني إسبانية من مدينة سبتة واعتنقت الإسلام وأطلقت علي نفسها اسم فاطمة الزهراء وهذا كذب واضح لا صحيح فيه إلا الجنسية والاسم لأن زوجة الزميل علوني مغربية ولدت أصلا عربية ومسلمة ولكن إسبانية الجنسية لأنها من جيب سبتة المحتل... فإذا كان المحقق التحفة لا يعرف تفصيلا بسيطا كهذا فأني له بمعلومات أخطر من ذلك بكثير عن أبرز مشتبه فيه ما زال طليقا وفق تقرير للإسبان بتاريخ 12 كانون الاول (ديسمبر) بزعم الصحيفة؟!

نكتفي بهذه العينات التي تكشف مدي تهافت المحقق المزعوم أو تهافت الصحيفة أو تهافتهما معا ولن نخوض أكثر في مدي سخف الشبهات التي تحوم حول تيسير فقد نعود إليها إذا لم يطلق سراحه قريبا.