رسالة مفتوحة للامين العام: الجامعة العربية بين وهم الطموح السياسي وهمّ البناء الرمزي

 

 

بقلم :أبو يعرب المرزوقي

 

ترددت كثيرا قبل الاقدام علي الكتابة في شأن الجامعة العربية وتوجيه رسالة مفتوحة للاستاذ عمرو موسي. فالديماغوجيا السياسوية باتت سيدة الموقف منذ أن أصبح بعض الدول الأعضاء فضلا عن أهم الكوادر الادارية فيها مدمنة علي المزايدات السياسيوية والابتزاز القوميوي في علاج هذه الشؤون التي تحتاج إلي الحكمة المطمئنة ذات الاعصاب الباردة والعمل البطيء ذي النفس الطويل ومن ثم البعيد عن السياسة المباشرة التي هي بالطبع حامية الوطيس وعاجزة عن الفعل المؤثر. فبعض الدول تهدد قياداتها بالخروج منها وحتي بالتنكر للعروبة بحجة عدم تضامن العرب مع سلوكيات يصعب وصفها بغير صفات المراهقة أو بالمزايدة عليهم في المواقف العنترية التي تدل علي نقيضها في الفعل الخفي. وبعض الكوادر تهدد بالتفجير من الداخل بدافع زعامة حرمت منها في السياسة الوطنية وسعيا لطلبها في المستوي القومي فتتنكر لأدني شروط الأمانة في احترام نص الميثاق. فالجامعة جامعة دول وليست جامعة شعوب، فضلا عن كون المصطلح الثاني لا معني له إلا في تمني بعض النخب التي تضغ مفهومات متناقضة بالذات: ذلك أن الشعوب لا تلتقي في جامعات بل لقاؤها يكون إما في دول فتكون فدراليات أو كفدراليات أو في أمم فتكون وحدات روحية أو ثقافية.

كيف يذهب الظن بمن ينبغي أن يكون العمل الدبلوماسي قد حنكه أن مجرد الحلم بجامعة الشعوب من دون الشروط الكافية فضلا عن الضرورية تسليما باستساغتها المفهومية يمكن أن يكون بديلا من حقيقة جامعة الدول في ظرف يمكن فيه لأي مشيخة أو إمارة أو سلطنة أو مملكة أو جمهورية وراثية بالقوة أو بالفعل أن تقلب المائدة علي الجميع فتتحصن بالعدوين المسيطرين علي مقاليد أمور المنطقة وفي غياب قدرة الردع علي من يتجاوز الخطوط الحمراء التي تحددها المصلحة العربية العليا؟ ولم نتجاهل أن الجامعة في شكلها الحالي يمكن أن تكون أداة مؤثرة في تحقيق أغلب هذه الشروط غير المباشرة لمجرد بعدها عن معترك السياسة الحامي. وهي قابلة لتحقيق ذلك بحكم أهمية دور هذه الشروط في ما سنري من بعائد الامور التي تستند إليها وحدة الأمة العميقة أعني ما يسعي العدو الآن إلي محاربته بعد أن اكتشف أنه شرط الحصانة الروحية: اللغة العربية والدين الاسلامي والتاريخ والمخيال الحي أو ما يسمي بالافق الابداعي فضلا عن المشروعات التي تولد الطموح المؤثر علي هذا الافق والمخيال كأن يتحمس الشباب العربي لنشر العربية في كل العالم الاسلامي بكلفة لا تتجاوز ثمن تذاكر الطائرات للاجتماعات العربية الخاوية.

 

خطر الأماني علي حق التفاني

 

لذلك فإن الجمع بين المزايدات المراهقة من خارج مؤسسات الجامعة والممارسات اللامسؤولة من داخلها يعد أكبر تهديد لما ترمز إليه الجامعة وتبقي عليه من ترابط مرن يستغل شعرة معاوية بين الدول العربية فيمكن من الحفاظ علي الأهم في قيام الأمم والمتمثل في مؤسسات العمل من أجل تمتين الوحدة الثقافية والروحية التي تصل المستقبل بالماضي. وذلك هو التمكن المتدرج من تطوير العمل السياسي والاقتصادي. فليست الأماني بالأساس الكافي للعمل المؤثر إلا عند من لا يميز بين الاحداث والاضغاث. لذلك فلا ينبغي إلا نتصرف بحسب أمانينا فنتعامل مع الآحداث وكأن الجامعة قد أصبحت دولة فدرالية والدول العربية ولايات تابعة لها أو لكأن مصر توجد في ظروف حافظت علي ما سبق أن كان لها من كلمة مؤثرة. فدروها لم يعد علي ما كان عليه في الساحة العربية. لقد باتت بعض كثبان الخليج قادرة علي افساد كل الأمور بما دفن تحتها من الزيت المتحجر والروح المتفجر وما دفنت تحته من قواعد المتجبر الذي يعطي لتوابعه كثيرا من الخيلاء والتكبر.

لذلك فالحنكة تقتضي أن نستفيد من بقاء الجامعة ملتقي الدول العربية مهما تضاءلت الرابطة لتمتين الاواصر التي ليس لها مساس مباشر بالسياسة الحامية حتي نحيي اسس البناء السياسي لاحقا: الوحدة اللغوية والتاريخية والثقافية والروحية في الوطن العربي ونشرها في العالم الاسلامي هذفا أولا وأخيرا للجامعة ولمؤسساتها الثقافية والاكاديمية ولنترك السياسة الحامية للمهتمين بقرائب الامور، علما وأن القرائب لا تؤثر إلا بقدر اهمالنا للبعائد فيصبح الامر كله بيد الظرفي الذي لا يرحم وتصبح الامة كومة من الغبار تذروها ادني الرياح خاصة والشباب العربي الذي سيرثون السلطان في البلاد التي يظنها أصحابها غنية من المولهين بالربط المباشر بالغرب الأقصي أو من المهجنين ثمرة للغزو الانثوي حيث يكون السلطان الحقيقي لشقراوات الغرب ولغة السكسون.

 

مقاصد المحاولة

 

في هذا الاطار تندرج محاولتي الحالية تحليلا لطبيعة الرسالة التي يقتضيها الظرف. فالقصد سلبا هو بيان مساويء أوهام العمل السياسي المباشر في الجامعة وبها إذ هو يقضي علي شروط تحقيق الاحلام بسبب تصادمه مع الحامي من الصراعات العربية العربية. والقصد إيجابا هو بيان محاسن العمل غير المباشر الذي يحقق شروط النقلة من الممتنع في الحال إلي ما هو ممكن في الاستقبال. ذلك أنه ينبغي ألا ننسي أن الاحياء الاسلامي مشروط ضرورة بشرطين.

فأما الشرط الروحي فهو احياء دلالات الرسالة المحمدية وأداته نشر العربية في كل العالم الاسلامي بدءا بالوطن العربي نفسه مع احياء التاريخ الاسلامي والسنن الثقافية التي توحد المسلمين.

وأما الشرط المادي فهو بعث السهم الحاملة لهذه الرسالة أعني الشعب العربي الذي هو مركز الأمة وقلبها النابض بتوفير شرطي قيامه الروحي: الوحدة الثقافية والطموح التاريخي الذي لا يقوم إلا علي الابداع المخيالي.

والمعلوم أن الله قد حبا الوطن العربي بمقومات رمزية ومادية ليس لها مثيل. فكل ما يعد مؤثرا في الحضارة الكونية الحالية من المشاعر الدينية (للأديان المنزلة الثلاثة) ومن المنابع الحضارية (مصر وبابل قديما ومكة والقدس والنجف حديثا) ومن الاجناس الابداعية الفنية (المثولوجيات والاداب والفنون الجميلة) والعلمية (الرياضيات والطبيعيات والتاريخيات والعمرانيات) منه منبعا ومصبا علي الأقل في بعدها المشترك بين الشرق والغرب الأدنيين (أمم الشرق الأدني الثلاث الرئيسية أعني العرب والفرس والترك وأمم الغرب الأدني الثلاث الرئيسية أعني أوروبا اللاتينية وأوروبا الجرمانية وأوروبا الصقلبية) وما يستمده الشرق (انبعاث الشرق القديم) والغرب (أمريكا) الأقصيان من هذا البعد في ما يصبون إليه من سلطان كوني.. كما أن مآل الحضارة الكونية الحالية لا غني له عنه بوصفه قلب العالم الذي جمع التوسط الجغرافي السياسي والحوز علي القدر الأكبر من محرك الحضارة الحديثة: جميع أصناف الطاقة وليس البترول فحسب.

 

كيف الخروج من سياسة التبليد الجماعي؟

 

بات العاجل من شؤوننا يلهينا عن الآجل وأصبح العرضي متقدما علي الجوهري مما حال دوننا والاسلوب العلمي والمنهجي في العلاج. وكان سبيل العدو علي هذه الحيلولة حيل بسيطة تستند إلي توظيفين بينين لأداتي الفعل في المخيال الجماعي: تحريف الدين والنقل عند المتلاعبين بمخيال القيم الروحية أوتحريف الدنيا والعقل عند المتلاعبين بمخيال القيم المادية. فكل من يستعمل الاسلوب العقلي حولوه في نظر الرأي العام الشعبي الذي استبلدته ديماغوجيا الثورات الزائفة ممثلا للخيانة والعمالة ومنتسبا إلي حزب المتلاعبين بمخيال القيم المادية. وكل من يستعمل الاسلوب النقلي آل به الأمر إلي استبدال العمل الحقيقي بالتلاعب بالمخيال الشعبي وادعاء تمثيل الاخلاص والبسالة استمتاعا إلي حين بالفاعلية المباشرة في المخيال الشعبي الذي تؤثر فيه الهمزات المباشرة فيعجز عن رؤية المؤثرات اللامباشرة التي لها وحدها القدرة الحقيقية علي التأثير العميق في بناء الحضارات وحمياتها من الزوال.

لذلك فشعوبنا لم تعد قادرة علي التمييز بين الناصح والغاش من نخبها وذلك لفرط داء العدوين المباشرين وتغلغلهما في افساد النخب المحلية ودهاء حليفيهما وتلاعبهما بمصير الامة الاسلامية من أجل أحلام وهمية بالأمة الفارسية أو بالأمة التركية. والمعلوم أن داء العدوين أصله وأساسه عنصرية إسرائيل الروحية و عنجهية أمريكا المادية. وأما دهاء الحليفين فأصله وأساسه التلاعب ببقايا فتنة البداية (الفتنة الكبري في بداية الخلافة غير الراشدة) للانتقام من العرب أو ببقايا فتنة الغاية (الفتنة الصغري في نهاية الخلافة غير الراشدة) للشماتة فيهم.

 

الأخطار المحدقة بالأمة

 

فالرسالة الاسلامية أساسا روحيا والوطن العربي أساسا ماديا هما المستهدف الرئيسي في كل ما حصل بيننا وبين الغرب منذ قرنين. وقد أغار علي الجسد العربي أشرس عدوين (إسرائيل وأمريكا) عرفتهما البشرية بعد أن أنهكته حرب التحرر من الاستعمارين القديمين الفرنسي والانجليزي. ويعد العدوان الاسرائيلي والامريكي العدوين الاشرس بمقتضي عملهما المنهجي الذي يعامل الاشياء بحسب قوانينها فيحقــــق خطـــطه بنسقية وانتظام لا انفصام لهما لعلمه بهذه المنزلة التي للعرب والاسلام ولعدم وجود شيء من جنسه يتصدي له إذ إن المؤسسات العربية يقتصر عملها علي السياسة المباشرة التي تركز الفرقة بالسلوك الصبياني. فهي لا تعرف غير التبكيت المتبادل واكتيال التهم.

كما أحاط بهذا الجسد الذي أنهكته وعود نخبه الكاذبة وتوظيفات أحلامه من قبل حركات قومية في الظاهر وطائفية في الباطن وتقدمية ليبرالية واشتراكية في الظاهر وهي ببغاوية تحللية في الباطن واسلامية في الظاهر وهي جاهلية في الباطن ومن ثم فكلها تضمر عكس ما تظهر أحاط به أخبث نخب لحليفين للعدوين عرفتهما الجغرافيا السياسية. فهم يريدون العودة بعقارب الساعة إلي ما قبل الاسلام ليلغوا دور العرب رغم كونه هو الذي أعطاهم ما يريدون استعماله لاسكات قلبه. فأي معني للترك في التاريخ الكوني من دون الاسلام خاصة بعد أن أعاد لهم سقوط الاتحاد السوفياتي هذا الدور؟ وهل لفارس من دور في المستقبل من دون الاسلام خاصة إذا فهموا أن هذا الدور يكون إيجابيا إذا لم يبق مجرد ورقة للتلاعب بالتنافس المذهبي بين السنة والشيعة (إيران وتركيا).

 

أدوات الأعداء بسيطة وفعالة

 

إن الأدوات التي تحقق للعدو أهدافه بسيطة جدا وفعالة جدا. وهي نوعان: داخلية وخارجية. ففي الداخل يستعمل العدو النخب العربية بفرعيها ليفسد علي المخلصين منها عملها ويوظف الجميع في مشروعاته بوعي منهم أو بغير وعي: المتكلم منهم باسم الاصالة والقومية والمتكلم باسم الحداثة والعالمية. ذلك أن العدو قد نجح فجعل أغلب المنتسبين إلي الصنف الأول في وضع آل بهم إلي استبدال الحقائق بالأماني جهلا أو تجاهلا فحالفوا العدو موضوعيا إذ صار التظاهر بالاخلاص المطلق للمصلحة الوطنية تجاهلا مطلقا لقوانين العمل الانساني البناء فتحول العمل السياسي والثقافي إلي شطحات مخيالية للتخدير الجمهوري. كما نجح العدو فجعل أغلب المنتسبين إلي الصنف الثاني في وضع آل بهم إلي استبدال النهضة المنتجة ببديل زائف منها هو التحديث المستهلك فيحصل نفس التحالف الموضوعي مع العدو.

أما الأداة الخارجية فهي نخب الشعوب المحيطة بالأمة ليفسد علي المسلمين صحوتهم فيوظف حركاتها في مشروعاته بوعي منها أو بغير وعي. ذلك أن نخب الجارين الكبيرين اللذين أسهما في الحضارة الاسلامية اسهاما لا يقل أهمية عن اسهام العرب حتي وإن لم يرق إلي حد التأسيس الذي هو عربي خالص (ايران وتركيا) أعمتها المصالح العاجلة عن المصالح الاجلة فتشبثوا بعداوات الماضي البعيد والقريب وتحالفوا مع عدو جميع المسلمين الحقيقي وروجوا لبدائل من حقيقة المنطقة التاريخية والجغرافية لا يمكن أن تكون في النهاية إلا في مصلحة اسرائيل وأمريكا. وما أظن أحدا يجهل أو لا يعلم علم اليقين زيف الحلول البديلة من التحالف بينهم وبين العرب بعد انتهاء عهد القوميات وحان عهد الثقافات وكبير التجمعات. فخطر هذه البدائل في المدي البعيد يشمل جميع المسلمين بل وكذلك كل العالم القديم وليس العرب وحدهم. ذلك أن كل محلل نزيه ينبغي أن ينتهي إلي نتيجية أكيدة هي أن وجود اسرائيل وأمريكا في منطقتنا سيكون بعد التمكن من العرب لا قدر الله خطرا علي الجميع بمن فيهم الأفارقة والاوروبيين فضلا عن الفرس والترك.

وما لم أستطع له فهما هو جمود بعض ذكريات الماضي إلي حد الهوس الذي تعبر عنه المنادب العجيبة التي لا يمكن تفسيرها بغير الندم علي خذلان الإمام علي رضي الله عنه وابنيه في الماضي. فكيف يمكن لعداوة يزيد القديم (ابن معاوية) ويزيد الحديث (صدام) ولخروج شريف مكة أن تنسينا خطر أمريكا واسرائيل فنتجاهل تجربة التحالف الغبي مع الصليبيين والمغول ونواصل نفس السلوك للتحالف الموضوعي بل وحتي الذاتي مع الامريكان واسرائيل؟ وكيف لعرب العراق من الشيعة ولأكراده من السنة ـ علي الأقل هم ـ كيف لهم أن يرهنوا أمرهم بخطط من يمكن أن يصبح أكبر خطر علي استقلال بلادهم إذا مكنته مناوراته من تحقيق شروط الردع المطلق فضلا عن العدوين المباشرين؟ وكيف لم يفهموا إلي الآن أن المزايدات علي الاغلبية في غير العراق قبل الحرب الأخيرة ثم في العراق بعدها لم تكن إلا لتوريط الأمة العربية في مزالق لا مخرج منها أو علي الاقل في معارك جانبية تلهيها عن المعارك الحقيقية؟

 

أي مصلحة للجامعة في مثل هذا؟

 

كما لم أفهم كيف يمكن للجامعة العربية نفسها أن يورطها طموح بعض كوادرها فتتبني بعض هذه المزايدات وتجعل أدني تجارب التحرير العربي المشروطة بنفي وجود الدولة المتعالية علي الطوائف النموذج المطلق للفعل السياسي؟ أفينبغي أن نلبنن الوطن العربي ثم نصومله فيلغي العرب الدول محققين حلم اسرائيل وأمريكا بـ تطويف الوطن العربي واخضاعه لفلسفة عانت منها حضارتنا خلال قرونها الأربعة عشر حيث تكون الحركات دولا في الدولة لتحقيق شروط نصر زائف لو تحقق لكان في الحقيقة أقصي ما تأمله اسرائيل فيعمينا التركيز علي العدوين المباشرين عن حليفيهما اللذين يمكن أن يصبحا أعدي؟ هل نسينا سخافة الشعار الداعي إلي المرور إلي تل أبيب عبر عمان؟ أما كان هذا الشعار في الحقيقة أهم خدمة كان يمكن أن تحققها أياد عربية من أجل مصلحة اسرائلية أعني الوطن البديل؟ هل نريد بشعار آخر من جنسه أن نلبنن كل الوطن وأن نصومله لنكتشف في النهاية أن ذلك هو الغاية الحقيقية للسياسة الاسرائيلية والأمريكية؟

فاللبننة تمهد للصوملة خاصة بعد زوال الحامي غير المباشر لمثل هذا التعامل الأرعن مع الجغرافيا السياسية الدولية ومشروعات التفجير والتفتيت وتبين ضعف الحامي المباشر الذي يتلاعب به أحد الجارين الحليف للعدوين؟ أترانا نقبل بعد فشل كل خطط التحرير بمثل هذه الأدوات العقيمة التوجه نحو ضرب جديد من الممالك الاندلسية في الارض العربية أم نتصرف بمنطق العصر فنقلب المعادلات ولا نواصل التعامي الذي يجعل الشجرة تحجب الغابة. فليس تفتيت كل الدول العربية بالأمر الممتنع علي العدوين اللذين يصارعان الأمة خاصة إذا واصلت النخب الاسلامية المحيطة بالعرب والنخب العربية في الداخل هذه اللعبة الرعناء.

فنحن نري المشروع علي قدم وساق في العراق الذي باتت وحدته رهينة بقاء جيش الاحتلال وتواطؤ بعض الأجوار معه خدمة لمصالحها العاجلة أو خوف بعض الدول المحيطة من نتائج انفراط عقده علي نظام عقدها الآجل. وقد يتحقق انفراط عقد الدول العربية الرئيسية فتحل الفوضي المطلقة ويتخلج كل الوطن العربي خاصة والمشروع الصريح بات تغيير الاسلام والتاريخ الاسلامي وقتل اللغة العربية أعني ما يطلق عليه عملاء العلمانية الفرنسية سابقا والعلمانية الامريكية حاليا سياسة تجفيف المنابع.

ذلك هو حلم العدوين وحليفيهما لو واصلت نخبنا هذا النهج فحصل في السعودية ومصر والجزائر والسودان والمغرب الأقصي الخ...ما نراه بالعين المجردة يحصل في العراق: فكل الدول العربية ما تزال مؤسساتها السياسية طرية العود وجميعها مستعد لانفراط العقد بسبب الأداتين اللتين اشرنا إليهما. لذلك فإن اكثر الأمور الحاحا لم يعد عمل الجامعة العربية السياسي فضلا عن تسليم الجميع بامتناعه وبامتناع أي اصلاح سياسي للجامعة من دون دول عربية صلبة ذات نخب وحركات سياسية عميقة تدرك أهمية الوحدة بل الاستفادة من مؤسساتها الفرعية البعيدة عن السياسة الحامية للتصدي لمرض طرواة العود ومرض الاستعداد لانفراط العقد.

جوهر المحاولة: رسالة مفتوحة للأستاذ عمر موسي

ذلك هو المطلب الرئيسي الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات المختصة التي تفرعت عن الجامعة العربية إذا كانت النخب التي تعمل فيها مؤمنة حقا بالرسالة وليست مجرد موظفين ليس لهم من الشبة مع الموظفين العالميين إلا الحقوق دون الواجبات. وسأقتصر هنا علي واحدة منها لكوني اعتبرها الأهم: أعني الالكسو. فيكفي أن نسأل عن أسباب طراوة العود في الدول العربية وعن اسباب استعداد عقدها للانفراط ما هي حتي ندرك أهمية الدور المنوط بهذه المؤسسة التي تطحن الهواء منذ نشأتها بديلا من القيام بواجبها في تحقيق شروط صلابة العود أعني الحصانة الروحية المستندة إلي تمتين المقومات الرمزية لمخيال الماضي وخلق المقومات الرمزية لمخيال المســتقبل في صلته بالماضي.

وهنا أسأل: ما ذا تفعل الألكسو لتعريب الشعوب العربية ذات التعريب الناقص حتي نزيل أكبر خطر يتهدد وحدة أغلب الدول التي لم يتم فيها التعريب الشعبي مثل المغرب الاقصي والجزائر والصومال (كلها تقريبا بحكم الأمية) فضلا عن تعريب المحيط المعيش والمحيط العلمي والتقني والفكري حتي نزيل خطر موت العربية خاصة وجل الجامعات العربية قد تخلت عنها لغة تدريس لتعوضها بالانجليزية أوالفرنسية؟ تنظيم حفلات العواصم الثقافية؟ أو لقاءات بين المختصين المزعومين في المعجمية؟ أي سخف يمكن أن يتصور لقاء بعض المئات من الدجالين لجمع كلمات متنافرة من معاجم موجودة بعد في لقاء يدوم أسبوع للاكل والشرب ألخ... تعرض فيه اعمال تضحك أي باحث مبتدئ في أي علم متخلف فلا يتجاوز وقت اعدادها ما يبقي من وقت الرحلة في الطائرة بعد طرح الأوقات الأطول التي توزع علي الاكل والشرب إدخالا واخراجا وعلي مداعبة المضيفة ازعاجا واحراجا وعلي النوم شهيقا ونهيقا؟

ثم بعد ذلك يتجرأ المثقفون فينقدون الساسة؟ ويتجرأ بعض كوادر الجامعة فيتكلمون علي الاصلاح وكل ميزانيتها تذهب في أجورهم وأسفارهم وحفلاتهم الدبلوماسية؟ إني ازعم دون خوف من أن ينازعني أحد في ذلك أن المثقفين وكوادر مؤسسات الجامعة العربية اكثر فسادا من السياسيين العرب. والسبب بسيط. فالسياسيون موجودون في الوجه وفضيحتهم سلهة. والمثقفون والكوادر موجودون في القفا وفضيحتهم صعبة، فضلا عن كون سياسة فضح الاخرين خطة هجومية تجنب الافتضاح. جل المثقفين وكوادر الجامعة لا يؤمنون بشيء ويريدون أن يكونوا مثل زملائهم الغربيين في طلب الحقوق مع البقاء مثل كتبة الدواوين الرسمية في الدول المتخلفة قياما بالواجبات خاصة إذا وجد الغطاء الذي توفره وظيفة مستشار وزير جمع بين دلالة الواو في المخيال التونسي والزير في الدلالة العربية أو مدير مؤسسة جمع بين تدوير الاصابع وتسمية المؤسسات المقبورة يوم ميلادها.

ومثال واحد في المثقفين يكفي: فالجامعي الغربي كان في بدايات النهضة الغربية المناسبة لظرفنا إذا كنا نزهاء في المقايسة ـ إذ إن زمان الحضارات غير الزمان الفلكي ومن ثم فالأمم ليست متعاصرة (العرب في لحظة شروط التعامل معها تقتضي ما اقتضته شروط التعامل الغربي مع لحظات البناء الاولي) ـ من واجباته العمل ليلا نهارا ومن حقوقه حياة الرهبان أو الجنود، لأن الجامعة كانت عندئذ تابعة للكنيسة أو للجيش (ديكارت جمع بين التبعيتين، رغم كونه لم يكن جامعيا). والجامعي العربي من واجباته حياة الكسل الدائم ومن حقوقه أن يحمل الألقاب ويحصل علي ما تخوله من حقوق خاصة إذا خلت من المضامين.

كما يكفي مثال واحد في الكوادر المحققة للاحلام: فالذين حققوا وحدة الولايات المتحدة ووحدة أوروبا لم يكونوا كوادر تتثاءب وراء كراسي الادارة الخاوية لمؤسسة تطحن الهواء بل كانوا علي قدر من الخيال الخلاق أنتج أكبر قوتين عرفهما التاريخ: الولايات المتحدة الامريكية والولايات المتحدة الاوروبية بعد أن كتب الدستور الذي سيقر في نهاية الفصل. فأين أنت ياجامعة عربية من هذا؟ وما دخلك في صراع الديكة العربية في وطيس السياسة المباشرة؟ أين المخيال ياأستاذ عمرو ومن شروطه العمل غير المباشر الذي يفوق العمل المباشر فاعلية بقدر فلكي؟ لماذا لا تتنازل عن الحلم بجامعة الشعوب المستحيلة حاليا وتعمل بما لديك أعني جامعة الدول فتحقق امرين يكفيان للثورة علي الظرف وتحويله لصالح حلمك؟

الأول هو شروط الحفاظ علي الوحدة الثقافية العربية التي يتهددها التحديث الارعن عند قوم يتصورون الرطانة باللغات الغربية حداثة وينسي أن اليابان وكوريا وفياتنام تدرس كل العلوم بلغاتها وأن المبدع ليــــس الأفــراد باطلاق بل الأفراد بالرافعة الحضارية التي هي اللغة القومية. وهذا يكفي في تكوين المكتبة العلمية العربية أو ما يشبه بيت الحكمة التي وضعـــها عظيم الامة هارون الرشيد وواصلها أبناه المأمون والمعتصم، حتي يزول التعلل بالحاجة إلي المراجع باللغات الاجنبية في تعليم المشترك من العرفة علما وأن المشاركة في ذروة البحث تقتضي أن تكون بعض اللغات الاجنبية فرضا علي كل مختص كل بحسب مجاله.

والثاني وهو ابداع المشروع الطموح للشباب العربي. فتكوين مؤسسة البعثات العربية لتدريس اللغة العربية والدين والتاريخ والحضارة الاسلامية لكل الشعوب الاسلامية في العالم وخاصة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي التي دخلها التبشير كالسوس ينخرها، بكلفة تتحملها مؤسسة الألكسو بالتعاون مع السيسكو يحل مسألتين في غاية الاهمية: بطالة المتعلمين العرب وفقدان الشعور بالدور الرسالي.

ولا أتصور بلدا عربيا واحدا سيعارضك في مثل هذا لبعده عن السياسة المباشرة ولاهميته في مدهم بالغطاء الذي يبحثون عنه لتمرير التنازلات التي يقدموها في مجالات اخــري. فلنتركهم في سياساتهم المباشرة ولنتعلم الصبر والعمل ذا النفس الطويل.

أم إن الحديث عن العدو يعني مجرد الذم وعدم فهم سر نجاحاته للاستفادة منها؟ ألا يكفي دليلا أن أداة أمريكا لتقويض الاتحاد السوفياتي لم تكن في المقام الاول القوة المادية بل كانت استعمال القوتين الرمزيتين الاساسيتين: المسيحية في أوروبا الشرقية والاسلام في آسيا؟