دفع التّعويضات، هل ينهي العداء التّاريخي الأمريكي لليبيا؟

 

 

 

بقلم :عبد الرّحمان المرساني

 

قبلت الجماهيريّة العربيّة الليبيّة بالشّروط المملاة من قبل أمريكا وبريطانيا عبرتعويضها ماليّا لعائلات ضحايا طائرة PAN AM الامريكيّة التّي سقطت فوق بلدة لوكربي باسكوتلندا. ورغم أنّ المبلغ الذّي وقع تخصيصه كتعويض لهذه العائلات والذّي فاجأتنا به سلطات طرابلس وتناقلته الصّحف العربيّة والغربيّة، كان ضخما للغاية الاّ أنّ الأغرب من ذلك هوّ أنّ هذا الثّمن الباهض لرفع العقوبات عن ليبيا، لا يمثل تبرئة واضحة وصريحة وعلنيّة من قبل الولايات المتّحدة الأمريكيّة للجماهيريّة من تهمة الارهاب.

وممّا زاد الطّين بلّة تعمّد فرنسا التّلويح بممارستها لحقّ الفيتو في مجلس الأمن ضدّ كلّ قرار يقضي برفع الحضر عن ليبيا ما لم تعوّض هذه الأخيرة لعائلات ضحايا الطّائرة الفرنسيّة التّي اسقطت فوق صحراء النّيجر، تعويضا يشابه التّعويض الذّي خصّصته لعائلات الضّحايا الأمريكيين. رغم تسويّة هذه الوضعيّة بالكامل بين الحكومتين منذ ما يناهز العامين حسب تصريحات وزير الخارجيّة اللّيبي.

واستنادا علي ماتقدّم فلربّما تفاجئ الجماهيريّة بدول أخري تطالبها بتعويضات عن ضلوع أحد الأشخاصّ اللّيبين في جريمة قتل هنا أو هناك في عاصمة من عواصم العالم بدافع ايديولوجي، ومطالبتها بتعويض كبير عن ذلك. أومطالبة احدي الدّول بايعاز أمريكيّ بتعويض عمّا اقترفته ليبيا في سنين منصرمة من محاولة اثارة الفتنة بين مواطني تلك الدّولة أو ارسال كومندوس عسكريّ لاغتيّال بعض الشّخصيّات الرسميّة، الي غير ذلك من التّهم مادام السّخاء اللّيبي حاتميّ التوجّه والاستجابة لذلك واقعة لامحالة.

انّ وقوع ليبيا في في لعبة الغرب الابتزازيّة، سيشجّع هذه الدّول وبدافعيّة جدّ قويّة من قبل اسرائيل علي التّعجيل بطمس هويّة ليبيا العربيّة، وايجاد ذرائع جديدة من قبيل محاولات ليبيا تطوير أسلحة الدّمار الشّامل أو أنّها تشكل خطرا علي أمن جنوب أوروبّا أو المتوسّط أو غيرها من التّهم التّي يراد من وراءها تركيع كلّ الشّعوب العربيّة، الواحد تلو الآخر.

 

بين الابتزاز والقبول به

ان هذا الابتزاز الفاحش ما كان ليحصل لوكان في ليبيا رأي عامّ قويّ يحدّد مواقفه الجمعيّة من القضايا المهمّة وصحافة حرّة توجّه هذا الرّأي العام الوجهة الوطنيّة والقوميّة الصّحيحة التّي ترفض أنصاف الحلول، وتنتصر لمصلحة الجماهير الفعلية.

انّ أزمة ليبيا هيّ القيادة التي لا تخطيء أبدا شأنها في ذلك شأن أغلب البلدان العربيّة. التّي تحتاج الي تغيير فعليّ من الدّاخل عن طريق قواها الحيّة والتّي يجب أن تضع نصب أعينها مستقبل الأجيال القادمة، وما يحاك ضدّها في السرّ والعلن.

انّ التّغيير قادم من الخارج لا محالة، والذّي قد يكون في شكل حروب تتوّج باحتلال مباشر تارة أو شراكة غير متكافئة من علاماتها بيع أصولات مؤسّسات القطاع العامّ وجعلها لقمة سهلة بين فكّي الرّأسمال العولميّ المرتبط ارتباطا عضويّا بالدّوائر الهيمنيّة الصّهيونيّة تارة أخري، لتنتهي بأزمات اقتصاديّة جدّ حادّة تفضي الي مآس اجتماعيّة وبشريّة وأوضاع كارثيّة لا يملك الحاكم أمامها أيّ حلّ، ورغم هذا الأخير علي كلّ ما يجري، وما سيحصل في المستقبل الاّ أنّ تغييبه المتعمّد للجماهير طويلا جعله يفكّر بالنياّبة عنها، ويبتدع الحلول التّي يراها مرضيّة لدوام حكمه وسلطانه واعداد ذريّته لكسب ناصيّة الحكم من بعده ليكونوا أحسن خلف لخير سلف!

فلو كان في ليبيا أحزاب سيّاسيّة وجماعات ضاغطة وحقل سياسي متفاعل لوجّه الحكومة الليبية في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الامريكية نحو مطالبتها بالضغط علي اسرائيل لدفع تعويضات لعائلات الضحايا الليبيين الذين قضوا في تفجير الطّائرة الليبيّة التّي أسقطتها الصّواريخ الاسرائيليّة سنة 1971 في صحراء سيناء أو لطالبتها كذلك بتعويضات لعائلات ضحايا قصف الطّائرات الأمريكيّة للعاصمة طرابلس في منتصف الثمانينات من القرن العشرين، وتعويض العقيد معمّر القذّافي شخصيّا في ابنته المحبوبة التّي استشهدت جرّاء هذا القصف، والتّي بكاها في مرثيّته الشّهيرة. التّي قرأتها أكثر من مرّة حيث تمّ تعليق نصّها من قبل أحد الفصائل السياسيّة القوميّة النّاشطة بالجامعة التّونسيّة في تلك الفترة تضامنا مع الشّعب اللّيبي. والتّي جعلت الدّموع تترقرق في مقلتي رأفة بتلك الزّهرة التّي حرمت من حقّ الحياة بشظية أمريكيّة ظالمة. وقس علي ذلك أطفال فلسطين الذين قضوا نحبهم في وقائع شبيهة بأسلحة أمريكيّة الصّنع.

وأتذكّر في تلك الأثناء المسيرات التّي غصّت بها كلّ شوارع العاصمة وأغلب المدن التّونسيّة المندّدة بهذا الهجوم الأمريكي الغاشم ودعوة الدّول العربيّة الي طرد السّفراء (الأمريكان) المعتمدون لديها.

 

علاقات اذعانيّة بين الشّمال والجنوب

انّ قبول ليبيا بدفع التّعويضات سيفتح الباب واسعا أمام الطّمع الأمريكي الاسرائيلي الي المطالبة بتعويضات أخري يسوّقونها علي أنّها تعويضات تاريخيّة لليهود في كلّ أرجاء الوطن العربي من المحيط الي الخليج.

وقد تمتدّ هذه التّعويضات لتشمل العقّارات من مبان وأراض يزعم اليهود أنّهم تركوها هنا أو هناك في بلاد المغرب لأنّهم هاجروا الي اسرائيل أو تعويضهم عن نخيل خيبر بشبه الجزيرة العربيّة أو بعض الدّكاكين التّي تركوها هنا أوهناك في هذه البقعة أو تلك من بقاع العرب، ويدفعون الحكومات العربيّة للاذعان بشتّي الوسائل والطّرق لدفع تعويضات قد تضارع في ضخامتها التّعويضات اللّيبيّة التّي ستدفعها للولايات المتّحدة الأمريكيّة فتصبح عندها المقايضة بين نفط مهدور تكون عائداته لصالح أمريكا ومن قبلها اسرائيل، أو فرض احتلال مباشر يكون من أبرز سماته محاولة ابادة العنصر العربي عبرتجويعه وتشريده، وقد يلقي صانع القرار الأمريكي في بعض الحكّام العرب الجدد وكلاء طائعين له وأكثر استجابة لشروطه من أسلافهم، ويشهد التّاريخ أنّ اليهود المغاربة أو المصريّون أو العراقيون كانوا موطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التّي كانت للعرب من مواطني هذه الدّولة أو تلك ولم يكن هناك تمييز بينهم، ويكفي أن نستدلّ علي ذلك بأنّ دور عبادتهم مصانة وتجارتهم محميّة وتسعفنا الذّاكرة الوطنيّة التونسيّة بأنّ أوّل حكومة وطنيّة تونسيّة عقب الاستقلال كان من بين أعضائها وزيرا يهوديّا يدعي (أندريه باروش)، وفي ذلك دلالة واضحة علي قيمة التّسامح التّلقائي العربي.

بينما نشاهد اليوم وعلي مدار السّاعة اقتراف الصّهاينة لمذابح ليس لها أوّل ولا آخر في حقّ أطفال وشيوخ عجّز ونساء مرضي، ودور تهدّم وقبور تنبش ولم يسلم من ذلك حتّي الشّجر وقنوات التّطهير وقنوات الصّرف الصحّي في صور من البربريّة والتوحّش التّي لم يعرف لها تاريخ البشريّة مثيلا حتّي في عهوده الغابرة...

 

ماذا بقي من الثّورة وهل تصمد الدولة؟

انّ الخلط بين ليبيا الدّولة وليبيا الثورة التّي بقيت طويلا مساندة وبطريقتها لقضايا الوحدة العربيّة لم تجد من داعم لها في محنتها غير بعض الدّول الافريقيّة في ظلّ غيّا ب كلّي لأيّ دور لمؤسّسات النّظام الرّسمي العربي التّي فنّدت الأيّام شعاراتها الجوفاء الزّائفة من قبيل العمل العربي المشترك، والأمن القومي العربي والتّضامن العربي والتّبادل التّجاري البيني...

كلّها معان فارغة من أيّ حمولة واقعيّة قد تدعم استقلاليّة القرار العربي السيّاسي والاقتصادي والثّقافي ويقطع مع سنين التبعيّة المقيتة، لتتخلي ليبيا عن شعارات الوحدة العربيّة والثوريّة قصد ايجاد حلّ لمشاكلها الخاصّة كدولة وتعمل في حدود مصالحها. لكنّ كلّ ذلك يصدم بالقرارات الانفعاليّة للقيادة الليبية...

انّ الخطب الناريّة التي تصف كلّ معارضي النظام مهما كانت درجة معارضتهم لسياساته ومهما كانت درجة وطنيّتهم عاليّة ومعارضتهم معقلنة وسلميّة بالكلاب الضالّة، والتهجم اللامتناهي علي كلّ الزّعماء العرب دون استثناء ثمّ التراجع عن مواقفها السّابقة جعل منها فاقدة للمصداقيّة لدي شعوب المنطقة قبل حكّامها. ويكفي للتّدليل علي ذلك محدوديّة النّشاط الأهلي (الجمعيّاتي) في ليبيا ذاتها علي خلفيّة سعي السّلطة الدّؤوب نحو مركزة كلّ الأنشطة الفاعلة بين يديها حتّي ذهب بها الأمر الي حظر نشاط كلّ جمعيّة مستقلّة في أنشطتها استقلالا تامّا عن السّلطة ورموزها.

وهيّ حالة غير طبيعيّة في حياة المجتمعات التّي تنشد الدّيمقراطيّة والتحرّر، فاذا ما بلغت درجة من الدّولنة تجعل الفرد يتماهي ضرورة معها، ويفتح الباب علي مصراعيه أمام أشكال جديدة من الزّبونيّة تعيد انتاج واقع السلطويّة.

ولقد كانت سنة 1991 ايذانا بمراجعات عدّة نتيجة تراجع القدرات التّوزيعيّة للرّيع النّفطي وما صاحبها من تراجع كذلك وانحسار لشرعيّة النّظام الثوريّة والبروز المفاجئ لآثار حرب التّشاد الطّويلة.

كلّها عوامل أدّت بليبيا الي التفتّح أكثر ورفع وصايتها ولو قليلا عن المجتمع في استجابتها لتكوين بعض الجمعيّات في اطار ما يعرف بالنّوادي القبليّة والقصد منها الحيلولة دون بروز هويّات صغري قد تنافس هويّة الدّولة والنّظام السيّاسي القائم.

وهوّ خوف لامبرّر له، الاّ اذا كان القصد منه الابقاء علي الطّبيعة الانغلاقيّة للمجتمع حتّي يسهل علي الدولة الشموليّة استيعابه.

ورغم أنّ العولمة أصبحت أمرا واقعا لا محالة ولا يمكن دحض عناصرها، وأنّ البلدان باتت مجبرة علي التّعامل مع هذا الواقع الجديد طوعا أو كرها، فانّ الضّرورة تقتضي علي ليبيا ادخال جملة من الاصلاحات علي الحقلين السيّاسي والاقتصادي والاجتماعي، يكون من ملامحها خوض التّجربة الحزبيّة التعددّية وايجاد دعائم المبادرة الخاصّة عبر استثمارات تفضي الي استكمال شروطها والاقلاع نهائيّا عن تلك النظريّة التّي تفيد بأنّ: من تحزّب خان :، وكأنّ الأحزاب في أيّ مكان في العالم لم يفرزها واقع موضوعيّ، الغرض منها تنظيم مشاركة الأفراد والجماعات في الحياة السيّاسية وتعبئة دورهم، والتأثير في توجّهات الرّأي العام حول مواضيع وقضايا تصبّ في مصلحة جزء كبير من المجتمع.

كما أنّ دور الدّولة في ليبيا شهد في السّنين الأخيرة تراجعا في مجالات التّعليم والصحّة والخدمات الاجتماعيّة عموما.

وهذا أمر طبيعي اذا ما علمنا أنّ الدّولة الوطنيّة في ظلّ هذه التطوّرات الحاصلة لم تعد قادرة علي الايفاء بنفس المجهود التّنموي وقدرتها علي الاحاطة الاجتماعيّة والرّفاه التّي أمست كلّها من عناوين الماضي.

 

مراجعات ضرورية

انّ المشاركة السياسيّة أصبحت اليوم أمرا ماثلا لكلّ دول العالم الثّالث ولا تمتلك أمام هذا الطّلب ردّا أو صدّا علي خلفيّة أنّ هذا الأمر لا يقلّ أهميّة عن المطالب المركزيّة للحياة من صحّة وسكن وتعليم...

وتجدر الاشارة في هذا المستوي اليأنّ النشاط الحزبي يقلّص بدرجة كبيرة التّشّيع الي العشيرة والقبيلة كما أنّ المجتمع المدني يساهم في تنامي روح المبادرة والابداع لدي الفرد، فالاختيّارات السياسيّة في ليبيا شجّعت وعلي مدي سنين احياء الرّوابط القبليّة والعشائريّة وجعلت منها الدّعامة الأساسيّة في التّسويق للمشروع الثوري عبر ربط السّلطة لهؤلاء بعلاقات تعتمد البعد الزّبوني منهجا.

بمعني الانتفاع بالمكاسب الجمّة مقابل الاذعان السياسي، وهيّ مسألة لا تختصّ بها ليبيا لوحدها، بل انّ وضعها هناك أكثر وضوحا وتجلّي من بقيةّ الدّول العربيّة الأخري.

والتخلّي الضّروري عن تلك المسلّمة التّي تقول بأنّ النّظام الجماهيري يمتلك الحلول النهائيّة لكلّ المجتمعات لا المجتمع الليبي فقط. لأنّ شواهد التّاريخ تبيّن لنا أنّه لا وجود لنظريّة أنهت الصّراع علي المواقع أو أنهت التّفاعل بين المتناقظات أو أنهت الحروب...

وبالتّالي فانّ نظريّة الحلّ المطلق تتناقض جذريّا مع الديمقراطيّة التّي يعدّ الاختلاف من أبرز مفرداتها الأكثر وضوحا، كما تتناقض جذريّا مع أحاديّة المرجعيّة أو أحاديّة التوجّه، فالقبيلة يكون لها دور في ضمان استمراريّة السّلطة ولكنّها بالمقابل تعيق نمو المجتمع المدني وتقف كالصّخرة الكؤود أمام وتطوّره.

لأنّه وببساطة متناهيّة، يرفض المنطق القبليّ التّقليدي التّعايش مع كلّ ما هوّ تعاقدي قابل للمراجعة والنّقد وبالتّالي فانّ جوهره زبونيّ يقف ضدّ كلّ علامات التطوّر والتحرّر.

انّ ليبيا قادرة اليوم بما لديها من خبرة في مجالات التّقاضي الدّولي أن ترفع أكثر من قضيّة أمام المحاكم الدوليّة تطالب من خلالها بتعويضات عمّا لحقها من خسائر جمّة جرّاء اغتيّال العديد من ديبلوماسيّيها في الغرب واتّهامها الدّائم بدعمها للارهاب. ولو كان هناك تضامن عربي فعلي لرفعت مصر كذلك قضيّة حول انفجار طائرتها قرب السّواحل الأمريكيّة ليقضي عدد هائل من العسكريّين هم صفوة الجيش المصري.

وقد تبدو أصابع اسرائيل واضحة في نسج سيناريو هذا الانفجار المفاجئ الذّي سرعان ما اعتبر أنّه عمل انتحاري.

انّنا اذ نطالب ليبيا بعدم دفع هذا التّعويض المالي الهائل لمن يدعم قتل الرضّع والأطفال والشّيوخ يوميّا وعلي مدار السّاعة في فلسطين المحتلّة، يدعونا بكلّ الحاح أن نناشد القرار السيّاسي في ليبيا أن يمتنع عن الدّفع لسبب بسيط هوّ أنّ الدماء الأمريكيّة ليست أغلي من الدمّ العربي وأنّ العراقي عبّود سرحان الذّي أفقدته الطائرات الأمريكيّة كافّة أفراد عائلته البالغ عددهم 22 شخصا في الغارات المتتاليّة علي بغداد وعموم مدن العراق ليس أقلّ شأنا من أيّ عائلة أمريكيّة فقدت عزيزا عليها، رغم تضامننا مع كلّ الضحايا الأبريّاء في كلّ بقعة من بقاع المعمورة، لأنّ منطق العدالة لا يتجزّأ فنحن ندعو من خلال هذا المقال سلطات واشنطن أن تعوّض كلّ عائلة عراقيّة فقدت منزلها وان تعوّض لعائلة كلّ فرد قتل أو فقد أحد أعضائه في تلك الغارات الوحشيّة التّي استعملت فيها أفتك أنواع الأسلحة وأخطرها علي الاطلاق.

وقد يذهب بي الخيال بعيدا لأفسح المجال واسعا أمام فكري ليتخيّل أشياء جميلة لا يمكن أن تحصل في هذا الزّمن العولميّ المقيت وهوّ أن تخصّص ليبيا مثل هذا المبلغ لمشاريع تنمويّة داخل مصر أو داخل الجزائر أو تونس... ليعمّ من خلالها الخير الكثير علي شرائح كبيرة من المجتمع العربي التّي تعاني ضنك العيش والبطالة والأمراض الاجتماعيّة المختلفة.

ولو أنّ هذه النّقود التّي سيقع صرفها كتعويضات لعائلات ضحايا طائرة PAN AM الأمريكية، تمّ استثمارها في مجالات العمل الطّوعي والاغاثي (صحّة، تعليم، سكن، ترفيه...) في كامل أرجاء بلدان المغرب العربي وليبيا عضو مؤسّس لهذا الاتّحاد لساهمت مساهمة كبيرة في الرّفع من شأن الانسان المغاربي، وبناء هذا الانسان ليجعل منه طاقة فعّالة في مجال الانتاج واكسابه قدرات ومهارات متطوّرة تكسبه ناصيّة الرّفاه المعيشي. ويقتنع الجميع أنّ هذا الرّفاه هوّ ثمرة العمل الوحدوي المغاربي وأنّ أيّ عمل في هذا الاتّجاه فيه خير كبير، وهوّ أنفع للجميع، ونقطع بالتّالي نهائيّا مع كلّ مظاهر الهجرة السريّة في قوارب الموت والتّي باتت تشكّل مأساة فعليّة لعائلات لاحصر ولاعدّ لها من أسر بلدان المغرب العربي.

ولو أنّ جزء قليل من هذا المبلغ تمّ صرفه في اتّجاه برامج مغاربيّة طموحة لمقاومة التصحّر وزحف الرّمال التّي باتت تهدّد أراضي زراعيّة بأكملها، ممّا يفقدها أديمها ليجعل منها أراضي جدباء لا تنبت زرعا في كلّ بلدان المغرب العربي تقريبا.

ويكفي أن نذكّر بأنّ مقاومة التصحّر يعدّ عنوانا كبيرا من عناوين الاتّفاقيّات التنمويّة والاقتصاديّة بين البلدان الخمس، ينتظر الي حدّ الآن الخطوات العمليّة لتطبيقه.

بين هذا الحلم والواقع مسافات انتظار وترقّب علّها تحمل في منظور الأيّام انفراجا بين العرب أنفسهم ليتيقّنوا أنّ مصالحهم واحدة مهما تباعدت بينهم الاستراتيجيّات ووجهات النّظر وأنّ التّلاسن والاتّهامات المتبادلة تصبّ كلّها في صالح العدوّ المشترك. لذلك يجب الكفّ عنها حتّي لا يكون شأن العرب كمن ضرب أخاه لاستجداء عطف خصمه اللّدود الذّي يتربّص بالجميع.

ويبقي السّؤال المحيّر، وماذا بعد هذا التّعويض الذّي تعتزم الجماهيريّة الايفاء به؟.

انّ الاجابة عن هذا السّؤال قد تكون أخطر من السّؤال ذاته والأخطر من كلّ هذا تكلفة معيش أجيال المستقبل.

لذلك فلا بأس أن نستفسر عن قدرة ليبيا علي تجاهل التطوّرات العالميّة وبقاءها ضمن اختيّاراتها الثوريّة؟

وهل يمكن أن تنشد ليبيا معاني التطوّر والمدنيّة دون وجود مجتمع مدني يضمن المشاركة السياسية والاجتماعية لشرائح واسعة من المجتمع اللّيبي؟

بل هل يمكن لليبيا اذا ما أرادت القبول باملاءات الدّوائر الهيمنيّة العالميّة أن تنتهج سيّاسات الخوصصة دون وجود توجّهات ديمقراطيّة فعليّة؟

وعليه نرفع هذا النّداء الذّي رفعه قبلنا نخبة من المحامين العراقيين بعدم دفع هذه التّعويضات الاّ متي دفعت أمريكا تعويضات لعائلات الشّعب العراقي ومنها شخص عبّود سرحان الذّي لم يبق له أيّ قريب أو ونيس، لأنّ الاذعان للمطالب الأمريكيّة والقبول بدفع التّعويضات والتّي ستعقبها تعويضات وتعويضات، يكون الابتزازفيها واضحا، و قد لاتنتهي أبدا حتّي بنهايةأصحابها..!!