اين اصبح المشروع الامبراطوري بعد الاختبار العربي؟
امريكا هم عربي اسلامي واوروبي بل عالمي. وقد
ابتلت عالم اليوم بأمراضها العضال، فهي الدولة الوحيدة ربما التي لا تعرف كيف
تواجه مشاكلها بذاتها، بل تفرض علي المجتمع الدولي ان يتحمل عنها اعباءها، كأنما
كل ما ابتليت به من مصائبها هي من صنع الاخرين الذين عليهم ان يتنكبوا مسؤولياتها،
ويدفعون من ثرواتهم ومن سلام شعوبهم اثمانا لذلك المتجبر الذي لا يقر لنفسه
بخطيئة، بل يفترض ان ضحاياه ملزمون بالتعويضات عنها.
عندما تم اختراع العولمة في اوائل العقد
الماضي كان علي جميع دول الارض ان تشرع حالا وسريعا بتغيير انظمتها الاقتصادية
مهما فرض عليها ذلك من تكاليف اجتماعية رهيبة وازمات بنيوية صاعقة، كانت في غني
عنها لولا ان عباقرة الاستراتيجيا الامريكية قد اعتبروا انه لا شيء يدفع الانهيار
النهائي عن مصير اقتصادهم الا اذا تم له استيعاب الاقتصاد العالمي في دورته الكلية
الخاصة به، ذلك ان ما يسمي باتفاقيات تحرير التجارة العالمية انما تضع اقتصادات
الدول، وخاصة منها العالمثالثية، تحت اشراف وتوجيه ومراقبة البنك الدولي وامثاله
من المنظمات الممسكة بقيادة فعاليات الانتاج والاستهلاك وحركة الاستثمارات ما بين
دول الاقطاب الرأسمالية وبقية العالم. وتجيء العولمة تتويجا تنظيميا ومعترفا به
علي صعيد اممي، لاستتباع آلي وتلقائي للاسواق المحلية، بالسوق العالمية المسيطر
عليها من قبل اقوي اقتصاد، مكرس لامريكا وحدها.
ان رفع الحمايات الجمركية والغاء السياسات
الاقتصادية الداخلية لدول الصف الثاني والثالث لا يؤكد انقسام الكوكب الي قطاعي
التقدم والتخلف بصورة نهائية لا رجعة ولا تعديل مأمولا لها في المنظور المستقبلي
فحسب، بل يحكم علي هذه الدول بفقدان اخر معالم استقلالاتها الوطنية، ويترجم
انفتاحها الاقتصادي القسري الي استباحة شاملة لمختلف شؤونها الخاصة لما يسمي
بضرورات التكامل الكوني، الذي هو في واقع الحال تدخل اجنبي سافر في اخص خصوصيات
هذه المجتمعات المجردة اخيرا من ابسط حماياتها الطبيعية.
لقد نجحت العولمة في انعاش مؤقت للاقتصاد
الامريكي، حتي ان الرئيس كلينتون سلم خزينة الدولة الي رئاسة بوش وهي محققة لاول
مرة فائضا بعدة مئات من مليارات الدولارات في ميزانيتها، وهو ذلك الفائض اليتيم
الذي لم تلبث سياسة عولمة من نوع اخر قد ابتلعتها خلال السنتين الاوليتين من العهد
البوشي، وحولت الميزانية الي عكس حالتها السابقة، فوصل العجز الي حدود خمسمئة
مليار مع السنة الحالية، والمقصود بعولمة من نوع اخر، هي هذه النقلة الفجائية
والقفزة غير المنتظرة من الكونية الاقتصادية الي الكونية العسكرية مع نظرية الحرب
الاستباقية التي تضع العلاقات الدولية كلها تحت طائلة حرب عالمية شاملة، بل حرب
امريكية علي العالم اجمع، وتنتقل ساحاتها واجواؤها من بلد الي اخر. فما هو سبب هذه
النقلة العجيبة المروعة، وهل اخفقت العولمة الاقتصادية في انقاذ امريكا ليس
اقتصاديا فحسب، بل من ذلك المصير المحتوم الذي يتنبأ لها به بعض الصفوة من مفكريها،
وهل يمكن فقط الرجوع الي حجة الارهاب الذي اوقع ضربته الاولي في عقر الدار
الامريكية، وضد اهم رموز عملقتها المتجبرة، هل كان الارهاب هو المفاجأة البنيوية
الاكبر التي ربما استبقت مصير النهاية المحتومة، وقدمت عنه نموذجا اصغر لكنه عالي
الكثافة في ترميزه وتأثيره اللامحدودين. كأنما ضربة الحادي عشر من سبتمبر كانت قبل
عامين حربا حقيقية في الصميم من مراكز التفوق والجبروت الامريكية، مخترقة خطوط
دفاعاتها كلها الي ما وراءها، حتي ظهر العملاق فورا مجردا دفعة واحدة من عرينه
واسواره.
لقد صنفت واقعة تلك الحرب الاستثنائية بكل
المعايير، تحت مصطلح الارهاب. فتم بذلك انتزاعها من دلالاتها التاريخية
والاستراتيجية غير المسبوقة. ومنعت مقدما من توليد نتائجها المنطقية المنتظرة،
بدلا من ان تفتح الطريق المغلق امام صفحة وعي موضوعي يستكشف المعني الاتهامي
الوحيد الذي ارادت تلك الحرب الرمزية القصوي ان تفجره امام الملأ العالمي كصرخة
احتجاج انساني، رغم كل شيء، ضد اعلي مراحل الاستبداد المركزي الذي ينقلب الي طغيان
كوني مطلق. انه سلاح احتجاج الضعفاء الذين قدروا اخيرا ان يقرنوا موتهم الكلي ببعض
موت ترميزي للاخرين العدوانيين، وهم في عقر دارهم. فلقد استغلت فئة اليمين
المتصهين هجوم نيويورك كيما تفرض تحويلا جذريا لبنية السياسة الامريكية، بما يمكن
ان ينعكس كذلك تحولا دستوريا وقانونيا في طبيعة الدولة الامريكية نفسها. هذا هو
السؤال الاعمق الذي يشغل بال الكثيرين من المفكرين والقادة داخل البلاد وخارجها.
انه السؤال الذي يريد ان يتفهم حدود التحول الامريكي عندما لم يعد شأنا يخص ذلك
البلد وحده. بل امرا يمس مستقبل العلاقات الدولية في اوسع واعمق معانيها وقيمها.
هل يمكن اعتبار ذلك التحول الاخطر مرتبطا بعهد رئاسي معين، قد يبقي ببقائه او يذهب
معه مع انتهاء ولايته، او انه مجرد سياسة لعهد قد يضطر هو نفسه للرجوع عنها بعد
تجربتها وانكشاف نجاعتها او عقمها. ان الجواب المباشر علي هذه الاستفهامات الكلية
لن يكون صعبا عسيرا. ذلك ان التحول الذي يمكن وصفه مع الكثيرين بالفاشي، قد وضعت
محاولاته الاولي موضع الاختبار، خلال العامين المنصرمين، ملء سمع الدنيا وبصرها
وتوالت محصلات الاختبار في مسلسل كارثي لم تغب امثلته المروعة عن حركة النقد
الذاتي المتصاعدة في اوساط الاعلاميين والسياسيين المحترفين. وترتفع حدة النقاش
العام مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
لا احد اليوم داخل امريكا وخارجها يمكنه ان
يتعامي عن رؤية النتائج السلبية الرهيبة المتفاقمة لحربي افغانستان والعراق. وهما
شكلا افتتاحية دموية فريدة وكاشفة عن الوجه الحقيقي لما يسمي بالحرب العالمية علي
الارهاب. فقد اتضحت انها حرب امريكية علي العالم. صحيح ان ساحات القتال لا تزال
محصورة بين افغانستان والعراق، الا انه لم يحدث ان انشغل الرأي العام الدولي،
الرسمي والجماهيري بحروب اقليمية في العالم الثالث، مثل انشغاله بوقائع هاتين
الحربين وتطوراتها. لكن العراق وحده احتل مركز الحدث الكوني، والتجاوب معه كونيا
كذلك، سلبا او ايجابا، وفضلا عن كل الاسباب الاخري لهذه الظاهرة، تبقي العلة الاهم
هو السؤال حول مصير المشروع الامبراطوري الامريكي، وامكان نجاحه او فشله مع تجاربه
الاولي وانطلاقا من حصائلها علي ارض الواقع. لن نعيد الي الذاكرة القريبة ان اوسع
حركة رفض شاركت فيها جماهير الكوكب في تلك التظاهرات المليونية، كان محركها الاول
منع الحرب ليس لكونها كارثة تحل علي مجتمع معين هو العراق، بل لان الهجمة الضارية
تلك غير المبررة، انما هي تدشين للمشروع الامبراطوري الذي يتحدي العالم كله ويهدده
بفقدان سيادته علي اوطانه. ولن يكون الامر مقتصرا علي سلب الشعوب الضعيفة لاستقلالاتها
المنقوصة اصلا، انما ادركت القوي الكبري الاخري من اوروبا وروسيا والصين انها هي
المقصودة في نهاية المطاف. وان التسلط الامريكي يضع في اساس حساباته التخلص من
الانداد المنافسين، وبدءا من اقرب منافس وربما كان الاهم والاخطر هي اوروبا
واتحادها المتنامي في مختلف ابعاده شرقا وجنوبا في السياسة والثقافة والاقتصاد.
علي كل حال فان الرفض العالمي للمشروع
الامبراطوري تتابع من الثورة الجماهيرية الكوكبية غير المسبوقة في تاريخ النضال
الاجتماعي والسياسي، ضد حرب العراق قبل وقوعها، وقد تنبأ لها بكل المآثم والفظائع
التي ما لبثت ان تداعت مع خطوات العدوان، كما توقع لها كل خيبات الفشل والضياع
عندما يتمادي العدوان الي مرحلة الاحتلال والتسلط علي البلاد والعباد. وها هو الان
وفي المرحلة الثالثة من مسيرة الخطيئة العظمي يراقب اشارات وعلائم السقوط المحتوم.
لا للعدوان والاحتلال فحسب، بل لفلسفة فائض القوة التي سيطرت علي ايديولوجيا البيت
الابيض او البنتاغون. لكن هذه الايديولوجيا لا تزال بعيدة عن الاستلام. وهي اذا
كانت تقر مضطرة بالعودة الي شرعية الامم المتحدة كوسيلة خبيثة جديدة لجعل سيطرتها
علي العراق محمية بقناع التدويل، الا انها في الوقت نفسه تفرض اتاوة مالية وبشرية
يدفعها الانداد الكبار كيما تقبل شراكتهم بالغرم، وليس بالغنم ابدا. وقد اعلن باول
صراحة انه يريد السيطرة لبلاده وحدها، والتدويل من قبل الاخرين. هذه المعادلة
الوقحة في تناقضها الصارخ، هي آخر مبتكرات الهيمنة التي لا تقر بالهزيمة بل تسعي
لجعل الشركاء الاخرين يتحملون نتائجها الكارثية، وفي الوقت الذي سوف تمتليء به
ساحات العراق بالجنود الدوليين، يحلم الامريكيون باحكام سيطرتهم علي السياسة
والاقتصاد من اعلي الهرم الاجتماعي. اذا كان بوش قرر اخيرا الاستنجاد بتدويل
الاحتلال وحمايته عسكريا وتغذيته ماليا من قبل اقطاب المجتمع الدولي الذين عارضوا
الحرب جهارا، ثم ادانوا الاحتلال واقعيا، فهؤلاء الاقطاب واعون للفخ الامريكي
الجديد لن يمنحوا شرعيتهم، ولن يجازفوا بأرواح جنودهم كبدائل عن المحتلين
الاصليين، ولن يمولوا الهيمنة ومشاريعها، وقد اصبحوا هم اليوم في الموقع الاقوي
اخلاقيا وقانونيا. فهم الذين يمتلكون ناصية الشروط وتعيينها. والا فليتركوا الذئب
الجريح يلعق جراحه بلسانه. وليحفظوا له عزلته الاولي التي اختارها منذ ان صمم ان
يلعب لعبته وحيدا بدون شريك.
حرب بوش لم تنته بعد، وكذلك لم ينفد صبر
التدويل واركانه. والنتائج الابعد للمعصية الامريكية لا تزال مرهونة بأوقاتها، وان
كانت طلائعها لامست ارض الواقع منذ الان.
المسألة اليوم تتعدي مصير الاستعمار الامريكي
للعراق الي مشروع الامبراطورية الذي جاءت للتجربة العراقية البائسة بمثابة
الافتتاحية الفاشلة التي تقرر مقدما كل ما سوف يبني علي نتائجها من ذلك المشروع
الامبراطوري الدونيكشوتي الخارج عن منطق التاريخ والعصر. فليس ثمة قوة بدون عقل
يضبطها ويوجهها، والا جرفت القوة العمياء اصحابها انفسهم فيما يفترض ان تجرفه من
اعدائها. تلك هي ابسط الحكم التي تختصر تجارب الامبراطوريات الماضية التي لم تنقض
وحدها، بل انقضت معها الظروف التاريخية التي سمحت بها.
ويقال من جديد ان الهجوم علي برجي نيويورك
قبل عامين قد غير السياسة العالمية بدءا من تغيير استراتيجية اكبر قوة قائدة لها.
لكن ذلك التغيير لم يأت في الخط المنشود والمرتقب منه، بل جاء ضدا علي انتظاراته
الكونية والانسانية. لم ينجح في ايقاظ وعي امريكي آخر حتي اليوم في مواجهة عقيدة
الطغيان المتسلطة علي عقول الطبقة السياسية، كتقليد متوارث بين عهود الرئاسات منذ
الحرب العالمية الثانية. وخلال هذه الفترة الطويلة تبدلت المعالم الجيوسياسية
للعالم عدة مرات، لكن عقيدة الطغيان كانت الاسرع في اختطاف نتائج تلك التحولات
وتوظيفها في تقوية جذورها مع تحديث مخططاتها حسب موازين القوي المستجدة حتي سمح
اخيرا سقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره، في تقديم عقيدة الطغيان سافرة كليا، فاحتلت
مركز القرار بدون منازع مع وصول المدرسة البوشية، من الاب الي الابن، الي قمة
البيت الابيض وبذلك ينقلب معني (الارهاب) الاسلاموي الي توليد اقصي اشكال ارهاب
الدولة العظمي، مما يسمح لها بالتحول الي اعادة انتاج ذاتها كامبراطورية لا تقف
حدودها الا عند حدود العالم اجمع. غير انها وقعت في الخطيئة الكبري عندما لم تجد
امامها غير البوابة العربية الاسلامية كمعبر وحيد نحو الحلم الامبراطوري الاعظم.
وها هي اليوم تترنح علي عتبة هذه البوابة. حيثما لن تبقي الامبراطورية ممسكة وحدها
بدقة التغيير العالمي، انما ستكون هي ذاتها موضوع التغيير وتأتيها رياحه العاصفة من
اية جهة تدري او لا تدري بها. فالوعي الامريكي المعارض الذي لم يستيقظ كفاية بعد
ضربة نيويورك، لن يظل سادرا بعد انهيار ردود الفعل الخاطئة عليها، وبعد سنتين
وحربين عابثتين عسي ان يهتدي عقلاء امريكا ان كان لهم دور، الي علة العلل جميعها
في عقيدة الطغيان ، والنافخين في نارها والمستثمرين لفظائعها. انها وحدها سبب كل
ارهاب ينبع من الذات والآخر. وهي تبدأ من داخل البيت قبل ان تنطلق الي شوارع
العالم. ولعل هذا الوعي سوف يسجل لذاته بعض وقائعه الفاصلة عبر هذه السنة الاخيرة
القادمة من عمر اسوأ عهد لأتعس رئاسة.