لا تشبه زيارة وزير الدفاع الامريكي الاخيرة
للعراق، سابقاتها.. كما انها لا تشبه ايضا زيارات المسؤولين الامريكيين الكثر لهذا
البلد العربي المحتل.
هذه المرة، تتلخص اهداف الزيارة في هدفين
اثنين لا ثالث لهما: رفع الروح المعنوية المنهارة لقواته التي تواجه القتل يوميا..
وانقاذ ما يمكن انقاذه من مكانته ومكانة ادارته التي تتهاوى تحت ضغط الرأي العام
الامريكي الآخذ في الانفضاض من حول الجمهوريين وتحت ضغط الاسئلة الحائرة التي تدور
في الاروقة الامريكية حول اهداف الحرب وذرائعها، والاهم حول المدة التي يتعين على
القوات الامريكية ان تظل فيها في العراق وعن الفاتورة الدامية التي يتعين عليها
دفعها قبل ان يسترد هذا البلد المنكوب عافيته من جديد.
صحيح ان الزيارة الحالية تشترك مع غيرها في
»طقوس الغطرسة والعنجهية«.. بدلالة حرصه المفرط على زيارة تكريت والقصور
الرئاسية.. لكأن مسؤولي الادارة مهجوسين بالتقاط الصور التذكارية التي تجمعهم
بالمواقع الرئاسية والشخصية والعائلية للرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.. بيد ان
هذه الزيارة، وما رافقها من اجراءات امنية مشددة، واسئلة محرجة للجنود التواقين
للهرب من جحيم العراق المناخي والامني، والنبرة المترددة المتلعثمة التي تحدث بها
صقر الادارة، تجعل منها بالفعل زيارة لترميم الفشل واحتواء نتائج الاحباط، ومنع
الانزلاق نحو مهاو جديدة من الانتكاس والتراجع.
غدا، يكمل الاحتلال الامريكي للعراق شهره
الخامس، اذا اعتبرنا تاريخ سقوط التمثال الاشهر بداية الاحتلال الفعلي، ولولا
التشكيل الملتبس لمجلس الحكم الانتقالي والحكومة المنبثقة عنه، لما امكن لادارة
بوش تسجيل اي انجاز فعلي يذكر لها في العراق.. الامر الذي حقن خصوم الادارة
ومنافسيها بجرعة جديدة من الشجاعة ورغبة اكيدة في الاعتراض على سياساتها، وما يجري
في نيويورك، وليس في واشنطن، من مداولات على هامش اجتماعات مجلس الامن ومشروع قراره
الجديد.. ما يجري من جدل صامت وصاخب حول رفض الاحادية الامريكية واصرار على العودة
للشرعية الدولية، ينهض كأكبر دلالة على انقلاب على الساحر.. فالعراق الذي نظرت
واشنطن اليه كساحة لاختبار»نزعتها الاحادية« وكوسيلة لاقناع العالم برمته، وبلغة
الاباشي والكروز، بأنها سيد لا منازع له على الساحة الدولية.. العراق هذا هو نفسه
يتحول اليوم الى بداية نهاية النزعة الاحادية، واداة لتنشيط المراكز الدولية
الاخرى.. وهو مرشح لاعادة الاعتبار لدور الامم المتحدة، بعد ان كان ابرز مثال على
انهيار وتراجع المنظمة الدولية.
نعم، ستظل الولايات المتحدة قوة عظمى، بل
القوة الاعظم حتى اشعار آخر.. بيد ان دروس العراق وفلسطين معا، تظهر انها قدر يمكن
رده او اللطف فيه، شريطة توفر الارادة بذلك والسياسات الكفيلة بجعل هذا الرهان
ممكنا.. فالمصائر الصعبة التي انتهى اليها المشروع الامريكي في العراق.. والمصائر
الاكثر صعوبة التي انتهت اليها خريطة الطريق وحكومتها، تؤكدان بما لا يدع مجالا
للشك بأن واشنطن ليست كلية القدرة والجبروت.