<<إنعدام الوزن>>
العربي
تربت الأجيال العربية التي ولدت في نصف القرن
المنصرم، او التي ولدت قبيل ذلك، ولكنها مارست حياتها ونشاطها طيلة نصف القرن
المنصرم، تربت هذه الأجيال العربية، على ان للعرب قضية مركزية (فلسطين) الى جانب
القضايا والمشكلات الفرعية الخاصة بكل بلد عربي. وتولد لدى نسبة غير ضئيلة من
أبناء هذه الأجيال، شعور واقتناع بوجود علاقات مباشرة، وعلاقات غيرة مباشرة، بين
القضية العربية المركزية، والقضايا الفرعية، بما يجعل للواحدة منها أثرا مباشرا
على الاخرى، والعكس بالعكس.
غير أن المشهد العربي في مطلع القرن الجديد،
لا يقدم لنا فقط مزيدا من التعقيد في القضية المركزية القديمة (فلسطين)، بل يضيف
قضية عربية مركزية اخرى اسمها العراق، تطرح هي الاخرى مثل قضية فلسطين، شبكة جديدة
من التداخل بين المشكلات العربية العامة، وتلك الخاصة بكل بلد، في إصرار تاريخي
على ان أسباب العجز العربي متداخلة ومتفاعلة، كما ان اسباب النهوض العربي متداخلة
ومتفاعلة هي الأخرى.
غير ان أول ما يلفت النظر عند التأمل في
المشكلتين العربيتين الأساسيتين، في المشهد العربي العام الراهن، هو ان عناصر كلتا
المشكلتين في حركة دائبة دائمة بين السلب والايجاب، بينما الحياة العربية العامة
(في السياسة والاقتصاد والثقافة) أقرب الى الجمود، بما يجعل العرب (حتى إشعار آخر)
عاجزين عن اقتناص الفرص السانحة والافادة منها، حتى عندما تأتيهم مجانا، وبلا اي
مقابل او جهد يبذلونه.
إن نظرة عميقة وموضوعية وشاملة الى الوضع
الاميركي في العراق، والوضع الاسرائيلي الصهيوني في فلسطين المحتلة (عام 1967 وعام
1948) سرعان ما توضح لنا ان ما يعتقده بعضنا من نجاح مطلق لاسرائيل في فلسطين
ونجاح مطلق لأميركا في العراق، ما هو إلا وضع متحرك، يتراوح بين النجاح والفشل.
ولكن ما يوهمنا بثبات النجاح في هذه الاوضاع المتحركة، هو أننا في حالة من انعدام
الوزن التاريخي، نعجز معها عن التحرك الحيوي لاقتناص الفرص الكبيرة والصغيرة
المتاحة أمامنا بكل موضوعية، لتخفيف الخسائر (في فلسطين والعراق معا) ولمراكمة
المكاسب، ولو ببطء في البداية، وبنسبة متواضعة من الايجابية.
إن تحليلا موضوعيا وواقعيا لحصيلة الوجود
الاميركي في العراق. سرعان ما يبرز تراكم عناصر العجز والفشل السياسي والاقتصادي
التي بدأت تتراكم فوق عنصر النجاح العسكري الاميركي، حتى تكاد تطمسه.
كما أن قراءة موضوعية وعقلانية لمظاهر
الشيخوخة التي بدأت تأكل جذور المشروع الصهيوني من داخله، كما نقرأ في عدد تزايد
من التحليلات المكتوبة بأقلام اسرائيلية، تؤكد ان الوضع الاسرائيلي الداخلي (بل
المشروع الصهيوني من أساسه) هو على الأقل في حالة تراكم للمصاعب البنيوية التي تضع
مصيره على المحك وقيد التساؤل، بنسبة توازي على الأقل المصاعب والمتاعب التي تنوء
بأثقالها على الوضع العربي العام، كما على الوضع الداخلي لكل بلد عربي، وربما
أكثر.
ولكن ما هي الترجمة العملية لهذه الحقائق على
صعيد الواقع العربي؟
هل يكفي ان نلوك على ألسنتنا وأقلامنا أخبار
المصاعب الاميركية في العراق والمتاعب الاسرائيلية في فلسطين المحتلة، ونحن عاجزون
عن اي حركة فعلية قادرة على تحويل سلبيات الموقف الاميركي في العراق والموقف
الصهيوني في فلسطين الى مكاسب عربية فعلية ومتراكمة؟
إن مراوحتنا الطويلة في هذا الموقف الشديد
الغرابة، ستدخلنا في حالة تشبه كثيرا حالة مدمني المخدرات، الذين يخفقون بها مؤقتا
ألم المشكلة، ولكنهم لا يفعلون شيئا ولو متدرجا لحلها. لماذا نعجب من تمادي
المحافظين الاميركيين الجدد في التطرف ضد مصالح العرب، في فلسطين والعراق وكل
منطقة عربية اخرى؟
ولماذا نعجب من تمادي غلاة اليمين الصهيوني في
مشاريعهم المتطرفة، التي تحقق في كل يوم انجازا فعليا في قضم المزيد من عروبة
الضفة الغربية، بل عروبة القدس، بل عروبة المسجد الأقصى؟
لماذا نعجب، ولا نتوقع المزيد من وقاحة
المتطرفين في واشنطن وتل أبيب، ما داموا يفعلون كل ما يفعلونه، وينجحون مع ذلك على
الساحة العربية في الضغط لاعادة العلاقات <<الطبيعية>> بين اسرائيل
المغالية في غطرستها وتطرفها، ودول عربية أساسية، دون دفع اي ثمن، يخفف ولو بعضا
من الغطرسة والعداء المتطرفين؟
لماذا نعجب لتزايد وقاحة المتطرفين في واشنطن
وتل أبيب، ما دمنا على الساحة الفلسطينية نرجح توظيف ثنائية المقاومة الهدنة في
طاحونة صراع السلطة، بدل طاحونة المصالح العليا للقضية الوطنية؟
إنه التاريخ يكرر نفسه للأسف الشديد. فعندما
كان بعض عقلاء السياسة البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يحذرون السير
ونستون تشرشل من التمادي في محاباة المصالح الصهيونية على حساب المصالح العربية،
خشية من رد فعل عربي، كان تشرشل يرد على محذريه ساخرا: سترون ان بوسعنا التمادي
الى ما لا نهاية في دعم المشروع الصهيوني، وان العرب لن يحركوا اي ساكن. (استخدم
تشرشل عبارات اكثر قسوة واحتقارا في وصف العجز العربي).
إنها مرحلة انعدام <<الوزن
العربي>>، التي لن يجدي معها اي تعثر اميركي في العراق، وأي خلل بنيوي في
المشروع الصهيوني (خسائرهم لا تتحول آليا الى أرباح لنا). وهي حالة لا خروج منها
إلا باستعادة شيء من الوزن العربي، ولو بخطوات بطيئة في بداية الأمر.