الاعلام العربي والارهاب الامريكي

 

 

 

بقلم: زهير اندراوس*

 

لا يمكننا بأي حال من الاحوال قراءة اعتقال الزميل تيسير العلوني، مراسل "الجزيرة" بمعزل عن الحملة الدولية ضد ما يسميه الرئيس الامريكي، جورج بوش، الحرب العالمية على الارهاب، وفي هذا السياق لا بد من التذكير والتوكيد ان اسبانيا، التي اعتقل العلوني على اراضيها، كانت من اشد الدول المتحمسة والمؤيدة للعدوان الامبريالي الغاشم على العراق. العلوني، الذي نعرب عن تضامننا العميق معه في محنته،اتهم بالانتماء الى تنظيم القاعدة بزعامة الشيخ اسامة بن لادن، والرد الرسمي العربي وغير الرسمي على هذا الاعتقال "المافيوزي"من اخراج راعي البقر ( الكوبوي) جورج بوش وبمساعدة ربيبه راعي الغنم, ارئيس شارون, رئيس الوزراء الاسرائيلي, لم يرتق الى مستوى الحدث، ففي الوقت الذي يحتجز فيه العلوني في السجن، تقوم الجامعة العربية باستقبال وزير خارجية العراق،  الذي عينته سلطات الاحتلال الامريكي، وتقرر انه ممثل للعراق.

ومن الخاص الى العام: مفهوم الرقابة على اجهزة الاعلام وما يذاع او يكتب فيها بدأ ينقرض كتسمية، ولكنه يتعمق كممارسة، ويلبس اثوابا جديدة، وتسميات جديدة تتناسب مع العصر "الذهبي" الامريكي. الفضائيات العربية، التي اعتقدنا انها كسرت الحواجز، واحالت الرقباء العرب الى التقاعد المبكر، باتت احدى ضحايا العصا الامريكية الغليظة، ودخلت بيت طاعة كل رموز القمع السياسي والاعلامي الامريكي الراهن الذي يبرر ادواته القمعية في تكميم الافواه بالحجة الممجوجة: مكافحة الارهاب والديكتاتورية. وكنت قد اشرت في مقال سابق الي ان هذه الفضائيات تجاهلت وما زالت تتجاهل قضية الملاحقة السياسية لقيادة الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني من قبل المخابرات الاسرائيلية, وعلي راسهم شيخ الاقصي, الشيخ رائد صلاح, الزعيم الروحي للحركة الاسلامية, الذي كرس وقته وجهده وماله من اجل الدفاع عن الاقصي الشريف ومنع غير المسلمين من تدنيسه.

فلا يمر يوم تقريبا دون ان نقرأ انباء عن اعتقال مراسلين عرب في العراق، كل هذه الممارسات القمعية تتم تحت بند منع التحريض. بريمر الحاكم الامريكي يصدر فرمانا باعتقال، وتغريم، اي اعلامي يمارس التحريض ضد الاحتلال ويطالب بمقاومته. ومن سخريات القدر ان السلطة الوطنية الفلسطينية، تصدر مرسوما يهدد بمعاقبة اي كاتب او مطبوعة تحرض ضد الاتفاقات الموقعة، وتطالب باختراقها، في محاولة منها للحاق بالركب، وارضاء الامريكيين. وينسى بوش ان وسائل الاعلام الاسرائيلية متطوعة لصالح "الاجماع القومي الصهيوني"، ولا تعترض مثلا على قيام شارون ووزراء حكومته بالادلاء بتصريحات لاذاعة المستوطنين الكولونياليين "قناة 7" غير المرخصة، والتي تحرض على الناطقين بالضاد بمنهجية وعنجهية.

العالم تغير. فالمطلوب منا ككتاب وصحافيين عرب ان نصفق للاحتلال الامريكي. بات ممنوعا علينا ان نقول بان المقاومة العراقية للاحتلال الامريكي هي مقاومة شرعية لاحتلال غير شرعي، فالمقاومة حسب المفاهيم  الامريكية، واتباعها من المتأمركين اصحبت تخريبا وارهابا.

اما اذا تمسكنا بحق العودة، فنحن في نظر امريكا  وبعض رموز الاعتدال والواقعية والبراغماتية في السلطة الفلسطينية وخارجها، محرضون ومتطرفون. هذا القمع الاعلامي لا يأتي من انظمة الاستبداد العربية، فقط، وانما من الادارة الامريكية التي تدعي انها زعيمة العالم الحر، والمدافع الاول عن الديمقراطية والحريات التعبيرية في العالم بأسره. الولايات المتحدة فرضت على الفضائيات العربية رقابة جديدة لاخفاء خسائرها البشرية والمادية نتيجة للمقاومة العراقية من ناحية، وفرضت عليها استضافة اسرائيليين بحجة تحقيق التوازن وطرح الرأي الآخر، والارتقاء الى اعلى درجات الموضوعية، من ناحية اخرى.

بدأت الفضائيات العربية بالقضايا والضيوف الذين يعبرون عن نبض الشارع ومطالبه في الديمقراطية وحقوق الانسان، ثم جرى اجبارها امريكيا على تطعيم برامجها بالاسرائيليين، وانتهت بهؤلاء وحدهم، وبعض الوجوه الاخرى من انصار الطابور الخامس الامريكي، او من اولئك الذين يتحدثون لغة اكاديمية غير مفهومة، تميِّع القضايا وتحتمل اكثر من تأويل. بالاضافة الى خبراء عسكريين احدث معلوماتهم في الحروب تعود الى الحرب العالمية الثانية، وجنرالات لم ينتصروا في اي حرب، هذا اذا خاضوا اصلا حروبا، هؤلاء كانوا وما زالوا، يحتلون مكانة الاسد على شاشات الفضائيات. هذا التحريض الامريكي على عدم التحريض يعني ان نتحول الى خدم نعمل في البيت الابيض، ونمجد احتلاله لاراضينا، ونكفر بالمقاومة، وننزع كرامتنا الوطنية والشخصية.

انه ارهاب اعلامي بكل المقاييس، يريد تحويل الاعلام العربي الى قطيع من البقر، ومن المؤسف ان هذا الارهاب حقق اهدافه، وتحولت معظم فضائياتنا وصحفنا في العالم العربي بسببه الى مؤسسات خانعة، وهي بالتالي تعتبر نموذجا للانظمة العربية المتواطئة مع محور الشر الامريكي، لا يجد من يقاومه، بل هناك من يحاول تكريسه وتبريره وتسويقه الى المشاهد والقارئ والمستمع العربي من ابناء المهنة نفسها. وعليه لا يستغربن احد ان يستمر احتجاز العلوني، وان تقدم امريكا الشريرة على اعتقال اعلاميين عرب آخرين بتهم ملفقة.

لقد احتلوا اراضينا وعاثوا فيها فسادا، وها هم اليوم يستولون على وسائل اعلامنا ونحن نمر مر الكرام على هذا الارهاب المنظم. محتي متي ستبقي امتنا العربية والاسلامية رهينة بايدي الحكام المستبدين الذين يتلقوم الاوامر من جورج امريكا وتوني بريطانيا؟

 

*محرر صحيفة "كل العرب" الصادرة في الناصرة