هل تستطيع "إسرائيل" إنقاذ مستقبل وجودها؟

 

 

 

بقلم :أحمد ناصر آل ثاني

 

"أنقذوا إسرائيل" ليس نداء جديداً تصورته وتخيلته بل هو نداء أطلقته بالفعل غولدا مائير بعد يومين من القتال أي في اليوم الثامن من أكتوبر عام 1973 عندما أدركت أنها - أي "إسرائيل" - تواجه ولأول مرة في تاريخها القصير حرباً عربية منظمة، ذات أهداف واقعية لا علاقة لها بالإذاعة والتليفزيون، ويبدو لي هذه الأيام، وعلى العكس من الصورة الظاهرة، ومن ظن الناس، أن "إسرائيل" قد وصلت إلى ذروة قوتها وتحكمها في حده وشكل التفاعلات السياسية وتوجيهها لمصلحته بالقطع عن طريق التحكم والنفوذ في أعلى مستويات صنع القرار في واشنطن، أن "إسرائيل" باتت تعيش وضعاً سياسياً مأزوما يكاد يبلغ درجة انهيار التجربة الصهيونية من الأساس.

 

والدلائل والشهود كثيرة، ولكن ولأننا أمة أضحت تعيش في ظل ثقافة الهزيمة لا تدرك كنه الأزمة الخانقة التي تعيشها "إسرائيل" وعوامل وعناصر هذه الأزمة متعددة، وأولها وأهمها يتعلق بالبعد الديمغرافي - السكاني وبدوره يتشعب ويتعدد وبداية وإجمالاً فالمشكلة الديمغرافية في "إسرائيل" تتمثل في الازدياد السريع للسكان العرب داخل "إسرائيل"، داخل الخط الأخضر، فأصبح السكان العرب في "إسرائيل" يمثلون 20% من عدد سكان دولة "إسرائيل" التي يبلغ عدد سكانها نحو 6 ملايين نسمة، وبالتالي يصير عدد السكان اليهود فيها أربعة ملايين وثمانمائة ألف نسمة.

 

يضاف إلى المليون ومائتي ألف عربي في داخل "إسرائيل" نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية.

 

إذن فـ"إسرائيل" أمام موقف سكاني بالغ الدقة حين يقترب عدد السكان العرب في أرض فلسطين التاريخية من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط، ومن النقب حتى الجليل، من عدد السكان اليهود، وهذا هو الشق الأول في المشكلة، والتساؤل هو كيف تستطيع دولة "إسرائيل" - وهي الآن تعيش في مرحلة إعادة تفكير وتقييم لنتائج التجربة الصهيونية، ولإعادة تفكير في موقفها الأخلاقي ووضعيتها وعلاقتها بالأرض المحتلة، ولم تكن زلة لسان شارون منذ عدة أشهر مستغربة عندما اعترف بأن "إسرائيل" لا يمكن أن تستمر كدولة احتلال تحتل الأراضي الفلسطينية، وكان أول اعتراف من "إسرائيل" بأن هناك أرضاً عربية محتلة، وكانت "إسرائيل" عادة ما تطلق على الأراضي المحتلة اسم (المناطقTerritories ) هكذا دون أي صفة هل هي مناطق محتلة؟! مناطق إسرائيلية؟! فإذا كانت مناطق محتلة فإنه يجب أن تنسحب منها، وإذا كانت مناطق إسرائيلية فإنها تضع نفسها في موقف داخلي حرج لأنها يجب عليها أن تفتح باب الاستيطان على مصراعيه أمام المستوطنين وهو ما سوف يصب الزيت على النار، وبالتالي توصلت العقلية الجدلية الصهيونية إلى هذه الوصفة العبقرية إلى إطلاق اسم «المناطق» مجرداً من أي صفة ترتبط أو تصف الموصوف. المهم ، أن نسبة السكان العرب كما قلنا داخل الحدود الفلسطينية تحت الانتداب تكاد تقترب إن لم تزد على نسبة السكان اليهود.

 

أما عن الوضع السكاني داخل حدود دولة "إسرائيل" ما بعد عام 1948، فإن عدد السكان العرب المليون ومائتي ألف يتزايد بنسبة تزيد على ثلاثة أضعاف معدل زيادة بين السكان اليهود، حتى بين أعلى فئات المجتمع الإسرائيلي زيادة في عدد السكان وهي الطبقة شديدة التطرف الديني وهي ما يطلق عليها «الحريديم»، وبالمناسبة هنا أود أن أذكر أن لا التطرف ولا الإرهاب صفة مرتبطة بالإسلام فقط وهي موجودة بالقطع على نطاق أوسع في الصهيونية.

 

ويتوقع علماء الجغرافيا السكانية أن يتساوى عدد السكان العرب في "إسرائيل" وعدد السكان اليهود في عام 2023 - 2025، وبذلك تصبح نسبة السكان واحداً إلى واحد، فإذا أضفنا لهذا البعد، بعداً آخر وهو فقدان الأمل الصهيوني في تهجير أي كتلة سكانية يهودية من أي بقعة من بقاع العالم إلى "إسرائيل"، خاصة بعد نفاد المخزون البشري اليهودي في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، وهجرتهم إما إلى دول أوروبية أو أميركية وهجرة بعضهم فقط إلى "إسرائيل"، فإن المرء سوف يدرك تماماً ماهية الأزمة السكانية الإسرائيلية والتي عبرت عن نفسها مرات عديدة بصورة إما سياسية على المستوى الداخلي أو على صعيد العلاقات الدولية خاصة فيما يتعلق بطبيعة إدارة الصراع مع الفلسطينيين، فعلى الصعيد الداخلي في "إسرائيل" تبنت حكومة الليكود، توجيها من «مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» «بدهستور»، تقضي بعدم السماح للرجال من عرب "إسرائيل" بالتزوج أكثر من امرأة، وهو أمر يعد من قبيل التدخل في شأن ديني لأقلية - العرب حتى الآن يعدون أقلية دينية داخل "إسرائيل"- ويمكن تصور مدى حساسية هذه القضية لو تصورنا مثلاً أن تجيز أي دولة إسلامية عربية مثل مصر أو سوريا قانوناً يبيح لمسيحييها التزوج بأكثر من امرأة على غرار الشريعة الإسلامية، لا أظن أن لجنة الحريات الدينية في الكونغرس كانت ستسكت عنها وربما توجهت لجنة منها لمراقبة أحوال تلك الطائفة ولقامت الدنيا ولم تقعد على هذه الدولة.

 

ومن ناحية أخرى، أصدرت وزارة الداخلية الإسرائيلية قراراً يقضي بمنع، تقريباً، زواج الإسرائيليات العربيات من عرب خارج "إسرائيل" وذلك عن طريق منع إصدار الإقامات لهؤلاء العرب أو منع إصدار تصاريح مرور يومية لهم، وهو ما يعني عملياً منعهم من الزواج من عربيات من داخل "إسرائيل" والهدف من ذلك هو واضح وهو تقليل أعداد عرب "إسرائيل أو إن شئنا الدقة هو العمل على تحجيم سرعة معدل زيادة السكان العرب.

 

وعلى صعيد آخر، وهو صعيد إدارة العلاقات الدولية خاصة الصراع العربي - الإسرائيلي لجأت "إسرائيل" بدعم من الولايات المتحدة في يونيو الماضي إلى طلب شديد الغرابة وهو الاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود كدولة يهودية، وهو أمر علقت عليه في حينه بأنه أمر مستحدث شديد الغرابة وله تداعيات خطيرة ليس فقط بين "إسرائيل" والعرب وإنما على مجمل العلاقات الدولية والقانون الدولي حيث أن ذلك سوف يخلق سابقة جديدة وهي إعطاء أعضاء المجتمع الدولي الحق في تجديد طبيعة الدولة عن طريق الاعتراف بطبيعة محددة للدولة وهو ما يخلق وضعاً جديداً حول نظرية الاعتراف فتصير نظرية الاعتراف الدولي إما مقررة محددة، أو كاشفة محددة، وهو أمر لم يحدث قط ويفتح الباب على مصراعيه للتدخل في شؤون الدول فيتحول المجتمع الدولي إلى فوضى بسبب عيون المدللة "إسرائيل".

 

"إسرائيل" طلبت الاعتراف بها كدولة يهودية لعدة أسباب أولها أنها تحاول تجنب أن تحدد هويتها بنفسها وهو أمر يحتاج إلى دستور، و"إسرائيل" عاجزة عن وضع دستور حتى الآن بسبب الاختلاف على نشأة الدولة هل هي نشأت نتيجة جهاد وكفاح الصهاينة أم نتيجة «رغبة الرب» في منح «أولاده» دولة، وهو صراع كما هو ظاهر بين المتدينين والعلمانيين هدد في بداية نشأة الدولة بحرب أهلية أو على الأقل خروج قطاع كبير من اليهود من الدولة إلى الشتات مرة أخرى.

 

ثاني هذه الأسباب هو وضع شروط مسبقة على السكان العرب داخل "إسرائيل" وهو أن أردتم الحياة هنا فإما أن تقبلوا أن تكونوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أن تتهودوا لتصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية وكلاهما اختيار مستحيل.

 

والثالث هي أنها تضع عائقاً آخر أمام المفاوضين الفلسطينيين الذين يؤكدون مراراً وتكراراً على حق عودة اللاجئين إلى قراهم التي خرجوا منها، وأظن أن تأكيداتهم هذه محل شك، وعودة اللاجئين إن حدثت، وهي بالمناسبة، أعقد ملفات القضية الفلسطينية، سوف تفجر القنبلة السكانية، وتقلب الطاولة على رؤوس الإسرائيليين وهو ما يدركونه وبالتالي يحاولون منعه، وللتدليل على أهمية وحساسية هذا الملف فقد كتب البروفيسور إفرايم كارش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة لندن مقالاً في جريدة «الجاروزاليم بوست» الأسبوع الماضي ساوى فيه بين دعوة العرب لمحو "إسرائيل" من الوجود وطلب الفلسطينيين عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وأضاف أن الفلسطينيين قد طوروا أسلوبهم وطرق تعبيرهم بمرور الوقت، وأن السلطة الوطنية الفلسطينية قد استعاضت عن النص في ميثاق منظمة التحرير على تدمير "إسرائيل" بالوسائل العسكرية وهو النص الذي ألغته اللجنة المركزية وحذفته من الميثاق بالإصرار على مطلب عودة اللاجئين وهذه المقالة تشير بقوة إلى المأزق السكاني الذي تعيشه "إسرائيل" وربما تشير أيضاً إلى الحيرة والعجز في التعامل مع هذا المأزق. الآن وقد أدركنا طبيعة المأزق، يكون السؤال هو: ما هي الخيارات أمام "إسرائيل" في المستقبل في ضوء هذا المتغير؟!

 

أظن أن السياسة الإسرائيلية تعمل على أن تحافظ دائماً على مرونة كبيرة أمام صناع القرار، وبالتالي فليس هناك مؤشر محدد يمكن الاعتماد عليه في استشراف خيارات المستقبل أمام "إسرائيل"، ولكن من الممكن أيضاً إدراك أن طبيعة الدولة العلمانية الديمقراطية سوف تصبح بلا شك محل تساؤل، أو أن تنقلب "إسرائيل" وترتد عن الحالة التي تتلبسها من حالات ما بعد الحداثة السياسية وتضع قيوداً ثقيلة على وحدات المجتمع المدني الإسرائيلي وعلى الحريات الهامة، وإذا كنا قد أدركنا الواقع الإسرائيلي ألا يحق لنا أن نتصور أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وحركة «الجهاد الإسلامي»، وكذلك منظمة التحرير قد أدركوا جميعاً هذا الواقع، وإذا كانت الإجابة بالإثبات، فإننا يمكن أن ندرك لماذا حاولت وقاومت حماس والجهاد الجهود التي بذلت من أجل إقرار الهدنة بين الفصائل الفلسطينية و"إسرائيل"، ويمكننا أيضاً أن نتصور حجم الضغوط التي مورست عليهما للقبول بهدنة هم أكثر الناس إدراكاً بأنها تصب في مصلحة "إسرائيل" في المقام الأول، ويأتي إدراك الجماعتين بأن الهدنة تصب في مصلحة "إسرائيل" أولاً، لأن تصورهما عن "إسرائيل"، وعن حق، هو أنها دولة استيطانية والاستيطان يتطلب الأمن لجلب مزيد من المستوطنين، ويتطلب كذلك الاستمرارية لضمان تدفق الدعم السياسي والمعنوي والاقتصادي بالقطع، وقد أدركت قيادة حماس والجهاد أنه باستمرار الهدنة فإن الوضع الداخلي الإسرائيلي خاصة على الصعيد الاقتصادي سوف يتحسن، ولا شك أنهم قد فوجئوا بالتحسن السريع في الاقتصاد الإسرائيلي بعد توقف الانتفاضة في حين بقيت الأحوال على ما هي عليه داخل الأراضي المحتلة، وأظن أن ظنهم كان أن بقاء الهدنة معناه المزيد من تكريس أولاً: التحسن في الوضع الاقتصادي، وثانياً: المزيد من تدهور الحالة الاقتصادية والسياسية داخل القطاع والضفة فكان قرارهم الاستراتيجي بإعادة تفعيل الانتفاضة واستئناف عمليات المقاومة وكانت بدأت بعملية تفجير الحافلة في القدس المحتلة في الشهر الماضي مما دعا "إسرائيل" إلى إعادة استهداف قيادات الجماعتين وهكذا انتهت الهدنة.

 

من ناحية أخرى كانت الضغوط الأميركية والإسرائيلية على محمود عباس رئيس الوزراء الفلسطيني المستقيل بهدف تفكيك البنى التحتية لما تقول عنه واشنطن وتل أبيب المنظمات الإرهابية، وهو في واقع الحال دعوة منهما للعمل على اعتقال وتدمير قيادات الجماعتين، ويبدو لي أنه لا الولايات المتحدة ولا "إسرائيل" قد تعلمتا دروس الماضي من أن العمل على ضرب الجماعات الإسلامية لا يعمل على إنهاء دورها ولكن يعمل بطريقة على زيادة رقعة انتشارها وتحويل كل خلية من خلايا هذه المنظمات إلى منظمة مستقلة بذاتها مما يصعِّب عملية السيطرة عليها.

 

وإذا كانت الولايات المتحدة قد وعت هذا الدرس و"إسرائيل" فإن دعوتهم أبو مازن لتفكيك بنى هذه المنظمات يكون دعوة لإشعال حرب أهلية فلسطينية والحمد لله بدا لي أن الجماعات وأبو مازن أكثر ذكاء من أن يقعوا في فخ الاقتتال الداخلي.

 

والظاهر أن دعاوى "إسرائيل" وأميركا لأبو مازن بمكافحة حماس والجهاد هي جزء من محاولة تصدير إحدى المشاكل للفلسطينيين الذين ظهروا في النهاية أعقل من أن يقتتلوا داخلياً، وبات من نافلة القول إنهم في موقف أفضل حتى وإن كان هناك من يقول وعن حق كيف يكون وضعاً أفضل وهم تحت الاحتلال؟

 

والإجابة باختصار إن زمن الفلسطينيين قادم وزمن الإسرائيليين راحل.