طالما داومت منذ سنوات طويلة على ملاحقة تعديل أساسي طرأ على
العناصر الدولية المتعلقة بالصراع العربي "الإسرائيلي"، يتمثل في أن
التبدلات الهائلة على المسرح الدولي فيما بين انهيار الإمبراطورية العثمانية وانهيار
الاتحاد السوفيتي، قد حولت المشروع الصهيوني (وتجسيده العملي في دولة
"إسرائيل") من امتداد مباشر للنفوذ الأوروبي، حتى بداية النصف الثاني من
القرن العشرين، (خاصة بريطانيا وفرنسا)، إلى ما بدأ يتحول ابتداءً من معركة قناة
السويس إلى امتداد للنفوذ الأمريكي.
وطالما كانت هذه الملاحظة موضوعاً لكثير من
مقالاتي السياسية التي كنت وما زلت أواظب فيها وألمح إلى ضرورة تنبه صناع
الاستراتيجية العربية (إذا كان لهذه الاستراتيجية العربية العامة وجود أصلاً)، أو
وزارات الخارجية العربية، على الأقل، إلى هذا التحول، لعلنا نبني على تلك الملاحظة
خططاً عملية للإفادة من هذا التحول الأوروبي المهم، خاصة بعد تراجع النزعة
الاستعمارية لدى الدول الأوروبية الكبرى، صاحبة التاريخ الاستعماري البشع في
العالم (وفي منطقتنا على وجه التحديد) في مقابل تزايد النزعة الاستعمارية لدى
الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد أن فتحت شهيتها الاستعمارية على آخر مداها
بعد تفكك المعسكر الاشتراكي، وزوال الاتحاد السوفييتي.
ومع كل ذلك، أعترف بأنني صدمت للقرار
الأوروبي الأخير باعتبار الجسم السياسي لحركة حماس تنظيما إرهابياً، استكمالاً
للقرار الأوروبي السابق الذي كان يلصق صفة الإرهاب بالجسم العسكري فقط لحركة حماس.
ولم تكن صدمتي عاطفية المنشأ، بل عقلانية خالصة، لأنه لم يكن في التصور بعد أن
أتيح لأوروبا أن تتخذ مواقف معقولة في الصراع العربي "الإسرائيلي"، تخفف
من غلواء التطرف الأمريكي "الإسرائيلي" وتلجم اندفاعه الذي أخذ يقترب
كثيراً في السنتين الأخيرتين بالذات من حافة التهور بل الجنون الكامل في السياسة
الدولية، ولا أن تعود أوروبا إلى عكس هذا الموقف، مما سيكون له أوخم العواقب، لأنه
ينزع عن التهور الأمريكي "الإسرائيلي" الكابح الأوروبي الذي كان يمثل
حتى الآن عنصراً ولو ضعيفاً في التوازن الدولي في موضوع الصراع العربي
"الإسرائيلي".
إن التوجس من التراجع الأوروبي قد بدأ، حتى
عندما كان الاتحاد الأوروبي يحصر تهمة الإرهاب بالجسم العسكري لحماس، ويستثني
جسمها السياسي.
ذلك بأن فرنسا بالذات (وقد ثبت أن تراجعها هو
الذي شجع أوروبا على قرارها الجديد) صاحبة تاريخ مجيد في مقاومة الاحتلال الألماني
لها في أربعينات القرن العشرين، وقد بنت فرنسا على هذه المقاومة كل قواعد دولتها
الحديثة، تماماً كما سبق أن بنت عظمة دولتها في القرن التاسع عشر (وحتى يومنا هذا)
على فلسفة الثورة الفرنسية. حتى يمكن القول بلا أي مبالغة إن عظمة الدولة الفرنسية
(منذ قرنين من الزمان، وحتى يومنا هذا) ترتكز إلى قاعدتين صلبتين: فلسفة الثورة
الفرنسية، وفلسفة مقاومة النازية.
ولا يخفى على فرنسا أن جوهر هاتين الفلسفتين
يكمن في قيمهما القانونية والأخلاقية، أكثر مما يكمن في الممارسات العملية
المنبثقة عن هذه الفلسفة أو تلك، بدليل أن كثيراً من الممارسات الدموية المشينة قد
ارتكبت تحت راية الثورة الفرنسية، وأن مقاومي الاحتلال الألماني لفرنسا، لم يكونوا
يرشقون المحتل الألماني بالورود، بل يمارسون ضده أقصى ما يمكن من أعمال العنف
المتاحة.
ومع ذلك، فقد كان من الممكن جداً تفهم ذهاب
أوروبا (بالذات فرنسا) إلى حد نكران حق الفلسطينيين بمقاومة الاحتلال
"الإسرائيلي" ولو بالعنف، وإلى حد اعتبار هذا العنف إرهاباً وليس
مقاومة. أقول إن تفهم هذا الموقف ظل ممكناً، باعتباره رضوخاً مصلحياً للابتزاز
الأمريكي والابتزاز الصهيوني الذي ينجح إلى الآن (ويا للغرابة) في إشهار سيف
"اللاسامية" في مواجهة كل من ينتقد سياسة الإبادة التي تمارسها
"إسرائيل" بحق فلسطين أرضاً وشعباً وحقوقاً سياسية وإنسانية.
وكان القرار الأوروبي الذي ظل يفرق طيلة هذا
الوقت بين الجسم العسكري والجسم السياسي لحماس، فيصم الأول بالإرهاب ولا يفعل ذلك
بالثاني، يبدو حلاً سياسياً وسطاً تراعي فيه أوروبا مواقفها المصلحية (فتمنح
أمريكا و"إسرائيل" تصنيف المقاومة الفلسطينية المسلحة إرهاباً) ومواقفها
المبدئية، التي تعرف في حقيقة الأمر أن مقاومة الاحتلال حق مشروع (في المواثيق
السياسية) وبطولة ودفاع عن الكرامة (في المواثيق الأخلاقية).
أما أن تستسهل أوروبا، بهذه الخفة وهذا
التسرع، إدانة حماس (عسكرياً وسياسياً) بالإرهاب، فإن ذلك يهدد بعواقب وخيمة ليس
في المنطقة فحسب، بل في السياسة الدولية.
فقد كانت "إسرائيل" وأمريكا، حتى
في أثناء تمسك أوروبا بمشروعية الحق الفلسطيني بمقاومة الاحتلال، لا تقيمان لهذا
الموقف الأوروبي وزناً، بل تفعل "إسرائيل" (وتشجع من أمريكا) كل ما
يخالف القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقابل الموقف الأوروبي بالازدراء
العلني المباشر، فتحدد لأوروبا بجلالة قدرها من تقابل ومن لا تقابل من المسؤولين
الفلسطينيين.
وستثبت الأيام القريبة (للأسف الشديد) أن
القرار الأوروبي لن يرفع حصانة المقاومة عن منظمة فلسطينية واحدة هي حماس، بل عن
كل منظمات المقاومة الفلسطينية، بل عن الشعب الفلسطيني بأسره، من يمارس المقاومة
منه ومن لا يمارس.
ولا أرى كيف تتحمل دول الاتحاد الأوروبي
مسؤولية منح حكومة "إسرائيلية" بهذا التهور، ومجتمع
"إسرائيلي" بهذا الجنوح المتزايد إلى ما يشبه الجنون، هذه المبررات
الإضافية في التوغل عميقاً في سياسة الإبادة "الإسرائيلية" لفلسطين
أرضاً وشعباً وحقوقاً سياسية وإنسانية.