أجندة "إسرائيل" العراقية.. تأملات في الثوابت والمستجدات

 

 

 

 

بقلم :محمد خالد الأزعر

 

الملف العراقي مفتوح على مصراعيه هذه الأيام في "إسرائيل". ولا مفاجأة في ذلك، لأن العراق شغل بنداً ثابتاً في أجندة المشروع الصهيوني ولاسيما فور إعلان الدولة اليهودية. ففي عام 1949 ناقش مسئولون في أول حكومة لهذه الدولة فكرة توطين لاجئي النكبة الفلسطينية الأوائل في الرحاب العراقية.

 

 ومما قيل في معرض تسويق الفكرة وتبريرها، أن العراق يقع على مسافة جغرافية كافية لإزاحة اللاجئين الفلسطينيين عن مواطنهم الأصلية، على نحو يطفئ حنين العودة لديهم بمرور الوقت.. وأنه يستحوذ على مقدرات وإمكانات تجعله مؤهلاً لاستيعاب معظم أولئك اللاجئين.

 

 فهناك القاعدة الزراعية والمائية المؤكدة والطاقة المالية والصناعية الواعدة. وقيل أيضاً أن النوازع العروبية القوية في العراق سوف تسهل قضية استقبال اللاجئين كعرب بين عرب.. وحينذاك، لم يتوقف المتداولون عند محاذير الواقع التعددي وتوازن الملل والغل بين العراقيين، الذي قد يحفزهم على لفظ أو رفض جماعة الوافدين الفلسطينيين ومعظمهم من أهل السنة!

 

 في خمسينيات القرن الماضي طوى ذلك المشروع. وساعدت على ذلك موجة القومية العربية الصاعدة، التي جبت وقتذاك الاطروحات الشرق أوسطية ومشاريع الحماية والدفاع والأحلاف الأميركية، والتي جاءت فكرة التوطين في ركابها.

 

نقول تم طي المشروع لكنه لم يمت مثل كل الحلول الصهيونية لقضية فلسطين ومشتقاتها.. كما لم يغلق الملف العراقي صهيونياً، فقد فتحت الصهيونية بنداً آخر محوره الوجود اليهودي في العراق ذاته، وضرورة استقطابه ضمن الاتجاه إلى لملمة يهود العالم العربي ودفعهم للهجرة إلى إسرائيل".

 

والحق أن هذا البند واجه حظوظاً أفضل وسواء تم الأمر عن أخطاء في التقدير أو تواطؤ من المتنفذين العرب، فقد نجحت "إسرائيل" في إخلاء العراق من يهوده. كذلك وجدت "إسرائيل" سبيلاً إلى التغلغل من قريب في الشئون والتفاعلات العراقية الداخلية عبر روابط أقامتها وجسور مدتها مع أطراف من الحركة الكردية.

 

 وهناك تفاصيل كثيرة بالخصوص مبثوثة في أضابير المؤسستين العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. ولأن حكومة عراقية ما في العهدين الملكي والجمهوري لم تتخل عن وضع "إسرائيل" في مقدمة الأعداء، عربياً وعراقياً.

 

ولأن العراق شارك تقريباً في كل حروب فلسطين وقاوم نظريات الاستسلام تحت عناوين السلام والتسوية ورفض إبرام أي اتفاق مع "إسرائيل" بما في ذلك هدنات العام 1949، ولأنه عرف كعمق استراتيجي لدول المواجهة مع "إسرائيل" وبخاصة على الجبهة الشرقية، وبسبب ما عرف عن مكوناته من عناصر القوة المتكاملة.

 

 بسبب ذلك كله ونحوه راقبت "إسرائيل" الدور العراقي العربي والإقليمي عن كثب، وظلت تحرض عليه حلفاءها الدوليين، ولم تتورع عن المبادرة بضرب مفاعله الذري عام 1980. وبحلول تسعينيات القرن الماضي، تعامدت محددات عراقية وإقليمية وعربية ودولية، بما أدى إلى شيء كثير من الارتياح الإسرائيلي.

 

 لقد بات التصدي لمعاملات القوة العراقية بجوانبها المقلقة لإسرائيل، من أولويات الولايات المتحدة فهي في ذات التوقيت الذي تصدرت فيه قمة النظام الدولي. ولم يعد التحول لأجل إحداث تغيير جذري يقلب معطيات الساحة العراقية رأساً على عقب، الدولة والنظام والثقافة والاقتصاد والتوجهات السياسية والنوازع الفكرية.. الخ، لم يعد ذلك هدفاً للملف الإسرائيلي وحده. صار هذا الملف جزءاً أصيلاً من سياسة أميركية أوسع، نحسب أنها الآن أشهر من أن نستطرد إليها في هذا المقام.

 

هذه المعادلة قد تفهم على النحو التالي: لقد كان لإسرائيل سياستها وأهدافها العراقية المدعومة من الحليف الأميركي (أو الأنجلو أميركي لا بأس). أما في الوقت الراهن، فقد تولى هذا الحليف معالجة القضية العراقية بنفسه.

 

 وإذا كان صحيحا أن هذه المعالجة أراحت "إسرائيل" وأزاحت عن كاهلها عبئاً أرقها مطولاً، فإنه من الصحيح تماماً أيضاً أن "إسرائيل" مازالت مهجوسة بأجندتها العراقية الخاصة، وفي هذه الأجندة نعثر على ما يؤكد التوجه لإحياء أهداف ظن الكثيرون أنها تقادمت وتم هجرانها بفعل الزمن وتوالي الأحداث. كما نعثر أيضاً على ما هو جديد يواكب المستجدات.

 

" إسرائيل" تتحدث راهناً عن احتمالات مساهمة «العراق الجديد» في استيعاب قسم من اللاجئين الفلسطينيين، وعن تعويض يهود العراق عن ممتلكاتهم قبل المغادرة. وتستطلع سبل إنهاء عداء نظام بغداد الجاري توليفه معها في أكناف «الشرق أوسطية» الخالية من دسم العروبة. ودعماً لأكاذيب الحليف الأميركي، لا تستحي "إسرائيل" من التذكير بخطر أسلحة الدمار الشامل العراقية سابقاً، تلك التي لم يثبت وجودها من الأصل!

 

 إذا لا شيء يبلى في الأجندة الصهيونية الإسرائيلية.. لكن هذه الأجندة قابلة للإضافة والتنقيح.. ندرك هذا الجديد من أخبار العراق في تل أبيب والدوائر الصهيونية ومنها مؤخراً: ما يتعلق بالبحث عن المشاركة الإسرائيلية فيما يسمى بإعادة إعمار العراق، وإعداد مشروع تشغيل أنبوب نفط كركوك - حيفا المهجور منذ 1948.

 

 وتلمس الطرق لمعاونة نظام بغداد المقبل ضد ما يدعى بالإرهاب. والتلويح بأن "إسرائيل" أقرب الدول الغربية إلى العراق، ومن ثم فهي ممر «بغداد الجديدة» إلى عالم التقدم والرفاه والديمقراطية.

 

 ومن قديم الأجندة الإسرائيلية العراقية وجديدها، يتجلى خطاب الترهيب والابتزاز بالترغيب والتودد. إثارة قضية تعويض يهود العراق بالتزامن والتوازي مع التلويح بمكاسب المشاركة في «البيزنس» العراقي عملية تنطوي على هذا المعنى!.. وفي كل الأحوال فإن "إسرائيل" ليست بوارد إهدار ما ترتب على غزو العراق واحتلاله من فرص وآفاق بالنسبة لها. لقد شاركت في مخططات مرحلة الهدم وهي تتطلع إلى حصاد ما بعد هذه المرحلة.

 

 غياب الدولة العراقية واستباحة الحليف الأميركي لأرض العراق وحالة السيولة والتيه العامة التي يعانيه العراقيون راهنا، تسمح لإسرائيل بالتفاؤل في هذا السياق. لكن هذه الحالة ذاتها تسمح لنا في الوقت ذاته بالقول بأن الأجندة الإسرائيلية العراقية قد تواجه بمفاجآت غير سارة.

 

 وليس بلا مغزى مثلاً إحجام معظم القوى العراقية، بما فيها بعض المعروفين بميولهم الأميركية الصرفة، عن أية مباركة علنية لعلاقة مستقبلية غير مشروطة مع "إسرائيل". وكذا تلميح رجالات مجلس الحكم الانتقالي بأن ما يسري على هذه العلاقة ينطلق من المواقف العربية العامة بهذا الخصوص.

 

ثم إنه لا تنبغي الاستهانة بدور قوى المقاومة العراقية وبكلمتها التي قد تقف حجراً في حلق ما تعتبره "إسرائيل" فتحاً تم لها في أرض الرافدين. وعموما فإن القطع برأيي حول سيرورة هذه الأجندة الإسرائيلية الآن ينطوي على مغامرة.