ماذا لو لم يقبلنا الآخر؟!
التطورات المتسارعة في السنوات الأخيرة على
الساحة الدولية، لم تترك مجالا للتأمل والتفكير في ما يُخرج ويُنجّي من الأزمات
المتلاحقة والأحداث المتلاطمة، فخرجت دعوات ارتجالية أو قُل غير ناضجة، تُنظّر
بسهولة لمحيط فائق الصعوبة، ومصالح متضاربة، وأهداف متباينة، فتستّر الجميع
كالعادة وراء مفاهيم وعناوين مطّاطة وقابلة لكل تأويل وتفسير.
في هذا الخضم وجدت القيادات والحركات
الاسلامية نفسها في وسط المعركة <<المفروضة>>، فبادرت لردّ التهم عنها
بتعابير مختلفة ظناً منها أنها تُنقذ رأسها أو تُبعد الشبهة عنها، فكثُر الحديث،
وبشكل لافت عن المبادرات والتراجعات ونبذ العنف وإدانة الارهاب وأن الاسلام دين
سلام ومحبة ويحترم <<الآخر>>... متجاوزين بذلك الكثير من العناوين
والمفاهيم التي كانت سائدة لعقود، والتي تعتبر حتى أمد قريب أنها ثوابت ومسلمات،
إلا أن التقية أو الدبلوماسية أو <<القراءة الجديدة>>، أملت إعلان ما
لو أُعلن بالأمس القريب لكان تهمة أو خيانة.
ومن أبرز ما طُرح، بل الدعوة إليه تتزايد، كل
ما يُعبّر عن الحوار، وقبول الآخر وحقّ الاختلاف، كبالونات اختبار، يصعب على
الناظر إليها إنكار جاذبيتها، وجمال حركتها، وصعودها وهبوطها، أما التأمل في
مسلكها وهدفها ومنتهاها ومصيرها وفعاليتها ودورها، فأمور مسكوت عنها، حتى الآن على
الأقل.
واللافت، تسليم الجميع بأن <<الشيطان
يكمن في التفاصيل>>، من هنا كانت <<سياسة التجنّب>> في الخوض
بوضوح وصراحة وشفافية، واقتصار كل المواقف والتصريحات واللقاءات على العموميات
والمسايرات والمجاملات والابتسامات والمدائح المتبادلة، الى درجة التساؤل عن سبب
هذه الاجتماعات والمبادرات والجهود، ما دام الانسجام على هذا المستوى!
وهنا نتوجه للقيادات الاسلامية على وجه
الخصوص، بصفتها معنية مباشرة وبصفتها <<الشرقية>> والعربية، وهي في
الواجهة، وأصابع <<التهمة>> تتوجه إليها، الى ضرورة بل وجوب الثقة
بالنفس، أي المبادئ التي يحملونها، دون تكلّف تفسير وتأويل وتحوير و<<ليّ
رقبة>> وإعادة <<قراءة>> الى ما هنالك من مصطلحات منثورة يكثر
تدحرجها في أوساطنا، ومنها ما يُساير أو يستفيد أو يستعير أو يُحاكي المصطلحات
اليسارية لفترة الخمسينيات والسبعينيات.
الأمر الذي لا شك فيه أن المعركة فُرضت
علينا، وأن نهضة إسلامية ولو عاطفية نزلت الى الشارع، وأن الانظمة القائمة مرتبطة
بشكل أو بآخر بالأميركيين، الى جملة مسلّمات أخرى لا يُنكرها أحد.
إلا أن الحديث العام عن مهادنة الأنظمة، لا
يُخرج من الأزمة، كذلك عن عدم التصادم، والخطوط الحمر، والمهادنة، الى ما هنالك من
تعابير لا تُعرف عن الأميركيين، ولا الأنظمة، ولا الوكلاء، ولا المسلمين أنفسهم.
إن رفع الشعارات العامة من قبل، ربما أجّل
الاستحقاق أو خدّر الأتباع والمعجبين، لكن، هل ما زالت هذه الشعارات المطاطة صالحة
للاستعمال؟
هل يكفي الحديث عن الحوار والقبول والاحترام
ليسلّم الآخرون وتنتهي المشكلة.
بل ربما ندّعي أن الأمور تتأزم أكثر مع دخول
<<جيش>> من الطامحين والمفسّرين والمتطوعين، خاصة المتأثرين بالمدارس
الغربية، والذين ركبوا الموجة الاسلامية أو الذين خدموا <<عسكريتهم>>
في الأحزاب اليسارية، ليزيدوا <<باجتهاداتهم>> الشرخ ولو عن حُسن
نيّة.
لكن حسن النية هنا لا يردّ الرصابة القاتلة.
إن التملص من بعض الثوابت أو النأي عنها
يُخسرُ الأنصار ولا يربح الأعداء، وعند الملمات، وعندما تقع الواقعة التي يبدو في
زماننا ان <<ليس لوقعتها دافعة>>، سنكون قد خسرنا من كان معنا، ولم
نربح الآخرين.
ليس المهم أن نعلن قبول الآخر، والحوار،
المهم أن يقبل هو بذلك، وأن تكون هناك أسس أقلها الاعتراف بنا وبما عندنا، حتى
يكون للنقاش موضوع، وأن يُذعن أحدُنا للحق والبرهان، فلا يكون الحوار دون هدف يصل
إليه، ولا معنى إطلاقا لحوار بشرط عدم التسليم بالنتائج، بل هو هدر للوقت والعمر.
وكيف سيكون حوار و<<الآخر>> لا
يقبلنا، فهذا المفكر الاسلامي المشهور الأستاذ فهمي هويدي ينشر في جريدة
<<السفير>> تجربته <<الطازجة>> في ألمانيا مع جملة
مفكريها عندما جالسهم فاشترطوا عليه <<للحوار>> الفصل بين الدين
والسياسة، ورفض الجهاد، وإلغاء الفتوى، وترك ذبح الحيوانات لأنه مظهر وحشي، وإلغاء
الحجاب في الشوارع والأماكن العامة لأنه تمييز عنصري(!) والسماح به في البيت فقط،
وأن يكون التعليم مختلطا، ومساواة المرأة بالرجل، والتسليم بحقوق الانسان طبقا
للاتفاقيات الدولية، وعدم تدخل <<رجال الدين>> في السياسة!
هل بقي شيء للحوار؟!