هي عقدة نقص إزاء الغرب تلك التي تعتبر أن
مربط الفرس في كل عملنا السياسي يتمثل بالعمل على كسب الرأي العام الغربي واليهودي
وضرورة إخضاع خطابنا السياسي والإعلامي لعمليات استئصال بلاغية من أجل تحقيق ذلك
الهدف.
وتنبع عقدة النقص هذه إما من حالة خنوع ثقافي
ذليل أمام «تفوق» هذا الآخر الغربي واليهودي أو من قبول سياسي مهين بأبدية ميزان
القوى السائد أو من الاثنين معاً.
وقد تسربت هذه العقدة إلى قطاعات واسعة من
الناشطين السياسيين الأنقياء داخل الوطن العربي وخارجه حتى توهموا أن سر الانتصار
للقضايا العربية يملكه الرأي العام الغربي، وأن سر الوصول للرأي العام الغربي يكمن
في امتلاك مفردات النظام الدولي الجديد للعمل من داخل هذا النظام وبقواعده.
ويذهب البعض إلى أن الحركة الصهيونية لم
تنتصر بالرصاص والقنابل إلا لأنها انتصرت بالصوت والصورة، أي بالإعلام، ولذلك فإن
علينا أن نحاكي وسائلها من أجل الوصول إلى الرأي العام الغربي، مربط الفرس، مما
يعني في معظم الأحوال تقديم تنازلات مهولة في حقوقنا الأساسية والثوابت بحجة
ممارسة نمط «جديد» من عمل سياسي «لا يستطيع أن يفهمه من لم يعش في الغرب ومن لا
يتكلم اللغات الأجنبية»، حسب زعم أنصار «الشرعية الدولية» العرب. وهكذا، يصبح
العمل السياسي «الجديد» حكراً على قلة تعتقد أنها متخصصة تصادر مبادرة الشارع وتسم
كل من لا يؤيدها بالجهل.
وكي لا يبقى الكلام في العموميات، اسرد
مثالاً على ذلك. عريضة ضد ضم القدس وزعت على الإنترنت يوم 5 أيلول/سبتمبر 2003
باللغة الإنكليزية كتبها عربي يعتقد أنه خبير إعلامي وقانوني بالغرب، لا يهم أن
نذكر اسمه. ومنطق العريضة يقول أن القانون الدولي يمنع ضم الأراضي بالقوة،
وبالتالي فإن «إسرائيل» عندما ضمت القدس أو أي جزء منها تجاوزت القانون الدولي
الذي جعل القدس مدينة دولية في قرار التقسيم 181. الطريف في الأمر طبعاً هو
الاعتراف الضمني بقرار التقسيم مجاناً وبحق دولة العدو بالوجود تحت حجة معارضة ضم
القدس بالوسائل التي يفهمها الرأي العام الغربي! وهنا تبرز «عبقرية» النوع
«الجديد» من العمل السياسي الذي يجتر النمط القديم القائم على التضحية القاطعة
بالكليات من أجل الكسب المحتمل للجزئيات في المحافل الدولية، وهو ما لم يغن أو
يسمن يوماً، وما يخالف العقل ابتداءً لأن إطاره العام هو دوماً الاعتراف بالوقائع
الاستراتيجية «الجديدة» التي يفرضها الطرف الأمريكي-الصهيوني بالقوة على الأرض.
ما نحتاجه إذن هو عمل إعلامي متمم لنهج
المقاومة الشاملة، النهج الوحيد القادر على قلب موازين القوى على الأرض بشكل يجعل
كسب المعارك الإعلامية والقانونية ممكناً. إذ إن الرأي العام في معسكر العدو لا
يجنح للانسحاب غير المشروط من جنوب لبنان أو فيتنام، ولا تدب الخلافات في صفوفه
فعلاً، ولا يتهيأ لتقبل الأصوات المنادية بالحكمة، إلا عندما ترتفع كلفة الاحتلال
إلى درجة لا تطاق ولا تمكن السيطرة عليها. وهذا ما نراه يتكرر بالنسبة للاحتلال
الأمريكي للعراق بفضل المقاومة، من جديد. فلا يجوز أن نضيع منجزات المقاومة العراقية
بالإعلام الداعي لتدويل الاحتلال تحت علم الأمم المتحدة. بل يلعب إعلامنا دوره
الحقيقي بالدعوة لخروج كل قوة محتلة أمريكية أو غيرها، ولمشروعية السلطة التي
تفرزها المقاومة العراقية.
إذن لا يكون عملنا الإعلامي ناجحاً إذا لم
يجعل هدفه الثابت الدفاع عن حقوقنا التاريخية وثوابتنا ومشروعية مقاومتنا، وعلى
رأسها المقاومة المسلحة، سواء في مخاطبة الرأي العام العربي أو الأجنبي، بغض النظر
عن الحاجة إلى تنويع الوسائل المتبعة بما لا ينتهك الثوابت.فإذا أخذنا الطريقة
السائدة في الدفاع عن حق العودة مثلاً، سنجدها تتجاوز هذا المقياس للعمل الإعلامي
المقاوم. فحق العودة الفردي الذي يفترض أن يمنع التنازل عنه إلا من صاحب العلاقة،
يمكن تجاوزه بالتعويضات الفردية بعد فرض وقائع سياسية معوقة للعودة في «العملية
السلمية». وحق العودة الجماعي الذي ينبثق من حق تقرير المصير للشعوب يمكن تجاوزه
بالتوطين. وحق العودة الإنساني الذي يقدم قضية اللاجئين كقضية مشردين يمكن تجاوزه
بحلول غير سياسية إنسانية الطابع. فقط ربط كل هذه الحقوق بالحق العربي التاريخي
بأرض فلسطين يجعلها عملاً إعلامياً حقيقياً، أي دفاعاً عن التحرير.
وللحديث بقية