بقلم : منير شفيق
امريكا مأزومة في العراق فهي في حالة استنزاف
بشري ومالي نتيجة ما تواجهه من مقاومات سلمية ومسلحة، فضلاً عن تدهور الاوضاع
الامنية والاقتصادية وسوء احوال الكهرباء والماء والخدمات.
ثم هنالك الاستنزاف الذي راح يأكل من سمعتها
وهيبتها. وقد زاد طينتها بلة ما اندلع من تظاهرات كبرى «مئات الألوف» تهتف ضد
الاحتلال الامريكي - البريطاني، وهي تودع آية الله السيد محمد باقر الحكيم الى
مثواه الاخير رحمه الله.
وأمريكا مأزومة فلسطينياً، فأين «خريطة
الطريق» التي حملها بوش شخصياً الى قمتي شرم الشيخ والعقبة. وأعلن انه مصمم على
تنفيذها. فمكان ذلك الآن تندلع حرب مواجهة بين الجيش العبري المدعوم مباشرة من
خلال الادارة الامريكية من جهة، وبين الشعب الفلسطيني من جهة أخرى. فأقل ما يقال
في الوضع الراهن ان الرياح في فلسطين لا تجري كما اشتهت سفن امريكا. فان زاد البطش
وتوسعت الاجتياحات ولو عاد الاحتلال مباشرة على كل مناطق «أ» فذلك هو الفشل الكامل
للسياسات الامريكية. واذا اضطر بوش وشارون، احدهما او كلاهما، الى التراجع؛ فذلك
هو الفشل للسياسات الامريكية.
وامريكا مأزومة عربياً وعالمياً حين فشلت في
تجنيد الجيوش لنصرتها في العراق، وهو ما اضطرها لتعود الى مجلس الامن بعد ان كانت
قد رمته وراء ظهرها عندما قررت العدوان العسكري على العراق، واعلنت بعد الاحتلال
ان هيئة الامم انتهت (ريتشارد بيرل رئيس لجنة السياسات الدفاعية في البنتاغون في
حينه قال «نشكر الله على خلاصنا من هيئة الأمم»). ولكنها لم تتحول الى عودة
المستسلم وانما المحتال الذي يحاول من خلال التراجع والمساومة ان يضحك على ذقون
الدول الكبرى الاخرى في مجلس الامن. وهذا ما لا يمكن ان يحدث لان تلك الدول تدرك
ان امريكا مأزومة وفي حالة ضعف ولولا ذلك ما رجعت الى مجلس الأمن ثانية بعد القرار
1483. ولهذا ستساوم من موقع قوي وان كان خوفها من القطيعة «وهذا وهم» سيجعلها تقبل
بمساومات يمكنها أن تأتي بأفضل منها. ولكن مهما تكن المحصلة فلابد من التراجع
الامريكي.
وامريكا مأزومة داخلياً فالموازنة في حالة
عجز متزايد ومقيم، لا يسمح لها ان تمضي على وصفها الراهن في العراق طويلاً فهي
تنفق اربعة مليارات دولار شهرياً حتى الآن. والرقم يميل الى الزيادة ان لم يكن
هنالك اخفاء للحقيقة التي تزيد عليه. والأهم ان البطالة تفاقمت ولا مؤشرات على
التخفيف منها، ثم هنالك الركود الاقتصادي الذي لم ينفع معه حتى الآن كل ما جرى من
نفخ معنوي. ثم تأتي المشكلة الاخطر وهي تدهور شعبية الرئيس الامريكي وهو يستعد
للانتخابات الرئاسية بعد سنة ونصف من الآن. فقد هبطت اكثر من 25% خلال الشهرين
الاخيرين. واذا استمر الحال، اقتصادياً وعراقياً وافغانياً، ودولياً عموماً، على
هذا المنوال فبوش مرشح للسقوط. وهذه قضية القضايا بالنسبة إليه والى الكتلة
اليهودية الصهيونية المتطرفة وحلفائها من ممثلي «المسيحية الصهيونية». أي ستحكم
السياسة من خلال تأثيرها في الناخب الامريكي. وقد يدفع هذا الى مغامرات عسكرية
جديدة كما يحدث في فلسطين أو الى تراجعات ومساومات كما يحدث في مجلس الامن. ولكن
مهما فعلوا فأزمة امريكا بنيوية وعالمية وفي العقلية المعطوبة بالتطرف الصهيوني
وغطرسة القوة.