في ذكرى أحداث 11 سبتمبر

 

 

 

بقلم : د.محمد مورو

 

إذا كانت الذكرى تنفع المؤمنين؛ فذلك لأن المؤمن هو الأقدر على فهم واستخلاص العبر والتفاعل مع الحدث سلباً وإيجاباً بدون تحذيرات مسبقة أو عقد شخصية أو هزيمة نفسية، ولكن انطلاقا من الثقة بالله ثم بالنفس وبأمته والثقة بأن الله قادر على كل شيء، وبالتالي قادر على هزيمة الاستكبار مهما كان جبروته.

الدعوة القرآنية بالسير في الأرض والنظر ومن ثم التدبر والاتعاظ؛ هي دعوة في معناها الشامل بضرورة الاستفادة من عبر الأحداث وتدارس آثارها المستقبلية (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها)، فما بالك والحدث لا يزال ساخناً ولا تزال تأثيراته قوية جداً ومتوالية وسريعة جداً، ونحن كافة تقع علينا معظم آثار هذا الحادث؟.

أحداث 11 سبتمبر والتي تمثلت في الهجوم بطائرات مدنية بعد اختطافها على عدد من رموز القوة الأمريكية في نيويورك وواشنطن وخاصة، مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومقر البنتاجون في واشنطن، أي رمز التجارة للاقتصاد الرأسمالي العالمي، ورمز القوة العسكرية الأمريكية، وهذا بالتحديد يعني الهجوم على مركز السلطة والسيطرة في أمريكا والعالم، ذلك لأن من المعروف أن الذي يحكم أمريكا بالتالي يهيمن على العالم باعتبار أن أمريكا هي القطب الأعظم حالياً (وحيد القرن) وهي المجمع الصناعي العسكري. وهل النجاح الذي حققه الهجوم يعني أن بإمكان قوة صغيرة مؤقتة بأهدافها أن تنزل أشد الألم بقوة جبارة عاتية؟ (فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون) وهذا يفتح الباب واسعاً أمام إمكانية تحدي الجبروت الأمريكي والصهيوني في عقر داره، ويثبت أن الإنسان أقوى من التكنولوجيا، وأن الأجهزة والاستخبارات والقوة العسكرية العاتية لم ولن تنجح قط في تحقيق حماية مطلقة، وبالتالي فإن الأمل لا يزال موجوداً في إمكانية المقاومة.

 

تصاعد المقاومة

 

توجهت الولايات المتحدة الأمريكية بالاتهام في أحداث 11 سبتمبر إلى تنظيم القاعدة، وتحركت على هذا الأساس على أكثر من محور ومستوى؛ منها محور الغزو العسكري لأفغانستان للقضاء على ما أسمته القاعدة الأساسية للتطرف والإرهاب الإسلامي، ونجحت في إسقاط نظام طالبان، لكنها لم تقض على الإرهاب المزعوم، ولا أوقفت فعله عبر العالم وعبر أفغانستان نفسها، فعمليات القاعدة تواصلت في أفريقيا وآسيا والعراق ولا تزال تهدد المدن الأمريكية ذاتها (حادث انقطاع الكهرباء مثلا) بل ولا تزال طالبان تهاجم القوات الأمريكية وحلفاءها في أفغانستان، وفي الإطار نفسه قامت الولايات المتحدة بغزو واحتلال العراق، ولكنها وقعت في مستنقع هائل من المقاومة العراقية والإسلامية في العراق، وأطلقت يد إسرائيل في ضرب المقاومة، و قدمت خارطة الطريق، ولكن المحصلة أن المقاومة تزداد في فلسطين والعراق وأفغانستان وكل مكان، وهكذا فشلت أمريكا فشلاً ذريعاً في هذا الشق من المسألة، واكتشفت أن القوة العسكرية مهما كان جبروتها وتقدمها غير قادرة على حسم نهائي للمسألة، وهذا بالطبع من رحمة الله تعالى.

على محور آخر كثفت الولايات المتحدة هجومها الأمني والثقافي والإعلاني على ما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي"؛ فقامت بتحديد جماعات وأفراد بأنهم إرهابيون، وجمدت أرصدة في البنوك، واعتقلت أفراداً وحظرت جماعات، وضغطت على دول لتغيير مناهج التعليم وتغيير أجواء الثقافة التي تفرز الإرهاب، ومارست أجهزة الأمن الأمريكية قدراً هائلاً من النشاط بهدف جمع المعلومات والضغط على الدول والتعدي على الحريات، وتجاوز القانون داخل أمريكا وخارجها بهدف إمساك أكبر قدر من عناصر الإرهاب الإسلامي تمهيداً للقضاء عليه، وبرغم التعاون الذي أبدته الكثير من الدول والجماعات والأفراد في هذا الصدد؛ فإن المحصلة كانت ضعيفة ولا يزال المنتسبون للإرهاب الإسلامي يعملون بنشاط، ولم تصب الممارسات الأمريكية في حقيقة الأمر إلا العمل الخيري الإنساني، ونوع من القلق والتوتر لدى حكومات صديقة، وتظل العوامل المفرخة للإرهاب تزداد خصوبة وقوة، ذلك لأنها عوامل ترتبط بإحساس عالم وأمة ودول بالظلم على يد أمريكا وحلفائها وأتباعها، وبالتالي فبدون رفع هذا الظلم؛ فإن المطاردات الأمنية وتجميد الأرصدة وتغيير مناهج التعليم لن يؤدي إلى المطلوب، ربما إلى العكس. والحقيقة أن الحاسة الاستعمارية الغبية قادت الأمريكيين إلى الظهور بمظهر المعادي للأمة الإسلامية والدين الإسلامي، واستفزت المزيد من قطاعات ما يسمى بالاعتدال الإسلامي لأن يكون ولو وجدانيا في صف ما يسمى بالتطرف الإسلامي، وفي غضون ذلك فإن التجاوزات التي قامت بها الأجهزة الأمريكية في الداخل الأمريكي أدت إلى نسف فكرة المجتمع الليبرالي وفكرة حقوق الإنسان؛ بل وفكرة الديمقراطية ذاتها، وهو أمر له مردوده الاستراتيجي على المنظومة الليبرالية الغربية برمتها وعلى الدعاية الأمريكية والغربية في هذا الصدد، ويؤكد من جديد على كذب هذه الادعاءات التي لا تصمد أمام الظروف الصعبة، بالإضافة إلى تداعيات سلبية مؤثرة على المجتمع الأمريكي نفسه.

 

استهداف العالم الإسلامي

 

يزعم البعض أن أحداث 11 سبتمبر هي التي أدت إلى ظهور ما يسمى باليمين الأمريكي، وهي التي أدت إلى ظهور مفاهيم الإمبراطورية الأمريكية، ودفعت بالإدارة الأمريكية إلى أحضان الإسرائيليين أكثر. ولاشك أن هذه رؤية قصيرة النظر لأن اليمين الأمريكي ومفاهيم الإمبراطورية والتحالف الأمريكي الصهيوني أمور سابقة على أحداث 11 سبتمبر، وموجودة في البنية السياسية والثقافية الأمريكية، وأن هناك أدبيات منشورة وحقائق معروفة، وخطط اليمين الأمريكي الإمبراطوري تتحدث عن احتلال العراق وغزو أفغانستان؛ بل وتفكيك دول المنطقة العربية، وإطلاق يد إسرائيل في المنطقة وغيرها، كل ذلك يرجع إلى أكثر من عشر سنوات قبل أحداث 11 سبتمبر، ويصل الأمر بالبعض إلى حد استنتاج أن اليمين الإمبراطوري الأمريكي المتحالف مع المجتمع الصناعي العسكري الأمريكي والموالي للصهيونية هو المدبر لأحداث 11 سبتمبر لتبرير وتنفيذ أهدافه المحددة سلفاً.

يتصور البعض في إطار نقده لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي" عموماً أن تصرفات هؤلاء هي التي أدت إلى قيام أمريكا باحتلال أفغانستان والعراق، وأدت إلى محاربة أمريكا للإسلام والمسلمين، وأنها قادت بالتالي إلى كارثة للمسلمين والعرب لأنها وضعتهم في وضع المستهدف من قوة جبارة لا قبل لهم بها.

وبصرف النظر عن الرأي في كون الإرهاب الإسلامي المزعوم هو الذي قام بأحداث 11 سبتمبر أم لا، وبصرف النظر عن الرأي في صحة ومشروعية هذا العمل من عدمه، وبصرف النظر عن الرأي في أسامة بن لادن والقاعدة وغيرها؛ فإن من المعروف أن استهداف العالم الإسلامي والمسلمين لم يكن وليد ولا رد فعل لحادث 11 سبتمبر؛ بل هو جزء من الوجدان الصليبي الأمريكي الغربي الموجود بقوة لدى هؤلاء، وأن ذلك وجد فرصة للظهور ليس بعد أحداث 11 سبتمبر؛ بل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، أي بعد انتهاء الاستقطاب الدولي والتحدي الاشتراكي، وبالتالي إحساس الغرب الرأسمالي بالحاجة إلى عدو بديل وجده في الإسلام؛ لأن ذلك يلبي رغبة ووجدان غربي موجود بالفعل، ولأسباب تتعلق برؤية الغرب الرأسمالي بضرورة القضاء على المنظومات الثقافية والدينية في العالم التي يمكن أن تشكل عائقاً أمام العولمة وتغول الرأسمالية، ولا شك أن الإسلام بما يملكه من منظومات سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية وقيمية مختلفة ومتعارضة مع الرأسمالية هو الذي شكل أهم العوائق أمام تغول الرأسمالية وسيادة نمط العولمة، بالتالي تم استهدافه كحركات ومنظومات وأفكار ونظم تعليمية وثقافية من قبل الغرب وأمريكا.

 

إيجابيات 11 سبتمبر

 

على جانب آخر؛ فإن لأحداث 11 سبتمبر جانبها الإيجابي بالنسبة للإسلام والمسلمين، فإذا كان العالم كله وتحديداً أكثر من 85% من سكان العالم يعانون من الظلم والفقر والقهر بسبب الهيمنة الرأسمالية والأمريكية؛ فإن إلحاق الأذى بأمريكا عن طريق مسلمين يعني أن المسلمين هم الأكثر رجولة في هذا العالم، وهم الذين ينتقمون لهؤلاء الضحايا من مختلف الأديان والأعراق، وبالتالي يرفع صورة الإسلام ويقدمه كأيديولوجية للفقراء والمستضعفين في مواجهة الرأسمالية والأمركة والصهيونية، وكذلك يساهم في نشر الإسلام كنوع من لفت النظر إليه، وبالتالي الاهتمام بدراسته، وقد حدث هذا في كل العالم بما فيه أمريكا والغرب ذاتهما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

وكذلك؛ فإن الإجماع الوطني في العالم العربي ينعقد حول إدانة أمريكا، وإذا كان الإسلاميون هم الذين أثبتوا رجولتهم في مواجهة أمريكا وإسرائيل؛ فإن هذا يعني سيادة الخطاب الإسلامي السياسي والثقافي على ما عداه من خطابات علمانية أو خطابات ذات مضامين أخري، وهذا أفاد الحركة الإسلامية فائدة كبرى؛ بل جعلها هي القوة الشرعية الوحيدة تقريباً، وجعل ما غيرها لقيطاً أو غير ذي موضوع أصلاً، ولاشك أن هذه آثار إيجابية ضخمة؛ إلا أن هناك أثراً إيجابياً إستراتيجياً ينتحل في أنه لو صح أن الإسلاميين هم الذين نفذوا 11 سبتمبر؛ فإن معنى ذلك أنه حدث غزو إسلامي وهجوم وليس دفاعاً، وهذا معناه التطبيق الصحيح لفكرة الجهاد، وهذا يعني إقامة فريضة، وهو ما يعني إرضاء لله تعالى، وبالتالي من المتوقع أن يكون ذلك نوع من استكمال الشروط لنزول مدد الله تعالى، وهو مدد هائل ونوعي ولا يمكن توقع آثاره الإيجابية الضخمة على كل مستوى، ويكفي أن نعرف أن القاعدة القرآنية تقول (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، أي أن الجهاد هو الطريق إلى الوعي والنهضة والتنوير والتقدم والانتصار، وبدون الجهاد ننحط حضارياً ونتأخر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتقل التقوى فينا وهكذا..