خفيف الظل

 

 

بقلم : محمود سلطان

 

شيخ الأزهر د. طنطاوي  رجل طريف و دمه خفيف ولسانه كما نعلم بـ"ينقط عسل" ، و لم نكتشف خفة دمه و طرافته ، إلا بعد استقباله في مقر المشيخة ، الفقيه العلامة و الحبر الفهامة  سعادة السفير الأمريكي بالقاهرة "ديفيد وولش" ، الذي  جاء كما يبدو ، ليلقن المصريين والأزهريين درسا في تجديد الفقه و الدين و العقيدة ، وليلفت نظر الأئمة والشيوخ و المريدين ، والمتطلعين  إلى "الدرجات العلا" ، إلى أن الدنيا تغيرت ، و أن العالم يعيش العصر الأمريكي ، و ليس العصر الإسلامي ، وان القلوب و الجيوب و العروش لم تعد تتعلق ببيت الله الحرام بمكة ، و إنما بالبيت الأبيض بواشنطن ، و أن الواقعية السياسية تقتضي تعليم أطفالنا عقيدة "التوحيد الجديدة" و تلقينهم الآيات المحكمات المنزلات من الطائرات و المعونات الأمريكية  و  شهادة "أن أمريكا لا شريك لها" ، و أن يتلوها الحكام و السلاطين العرب آناء الليل و أطراف النهار ، و ليعلقونها كالتمائم على صدورهم وعلى مداخل البرلمانات و قصور الرئاسة  والإمارة و المملكة ، لأن سرها باتع ، وببركتها تذهب الهموم و تفرج الكروب  وتستر العيوب و تسرق الشعوب تقمع الجماهير وتجعل من الطراطير  مغاوير ، ومن الديكتاتورية ديمقراطية ، وتعمل من "الفسيخ شربات" .

 

ويبدو أن شيخ الأزهر بحنكته المعروفة  و بذكائه الذي لا تخطئه عين ، اكتشف خفة عقل ديفيد وولش ، فتعامل معها بخفة ظل ، و أخذه على "قد عقله" ونفذ له كل طلباته : ألغى فتوى فضيلة الشيخ نبوي محمد العش ـ عضو لجنة الفتوى بالأزهر ـ  التي حرمت الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي بالعراق لأنه "فاقد الشرعية الدينية و الدنيوية ، و لأنه فرض على العراقيين بقوة الاحتلال ليكون مواليا لأعداء الإسلام"  ، ولم يكتف فضيلة الإمام بهذا الإلغاء ، بل إنه إمعانا في إكرام ضيفه القادم من "الأراضي الأمريكية المقدسة " ، قرر وقف صاحب الفتوى عن العمل و إحالته إلى التحقيق . وما جعلني أتوقع أن الشيخ كان يقصد "زحلقة" وولش و أخذه على "قد عقله" هو قوله للأخير " أنه شيخ لمصر و لا يصلح له أن يزايد على شيوخ العراق " و هو كلام غريب يصعب تصديقه إلا إذا كان مجرد "فض مجالس" أو "هزار" ، إذ لأول مرة ، نسمع أنه تم "خصخصة" فتاوى الأزهر ، و أنها بضاعة مصرية ، يحظر تداولها خارج القطر المصري ، و أن مشيخة الأزهر ما عاد يهمها أمر المسلمين في العالم . فضلا عن أن حكاية أنه لا يصح له المزايدة  على علماء العراق ، فهي الأشد غرابة ، إذ أن الشيخ نفسه سبق له أن أفتى بان المتورطين في تفجيرات السعودية والمغرب إرهابيون و ليسوا مسلمين. فهل تستقيم تصريحات الشيخ الأولى مع فتواه الثانية ،و هل تجوز المزايدة على علماء مكة و المدينة المنورة ، و لا يجوز المزايدة على علماء بغداد و النجف الأشرف بالعراق ؟!  . ومن ثم فإني اعتقد أن الشيخ ربما كان يمزح ، وانه تعامل مع وولش بخفة دم و ظل "هايلة" ، جعلتنا نبصم بالعشرة ، بأنه الإمام المناسب في العصر المناسب ، و حسبنا الله و نعم الوكيل .