مواسم اللعب
بقلم : ربيحة علان علان
تزامنت العطلة الصيفية هنا في فلسطين مع موسم
لعب الصغار بالطائرات الورقية ، كان
لهؤلاء الصغار المطلقي العنان لطائراتهم
سحر يخرق الشرود ويدفعنا لمراقبتهم ونحن بين مندهش أو معجب أو متألم من
تلقائية صغارنا ورغبتهم الجامحة في فرض طفولتهم برغم كلّ ظرف ..
هناك عند طريق جوال الترابي الذي نتسلل عبره
خلسة للوصول إلى رام الله وفي يوم كنا فيه ملاحقين من قبل مجنزرة صهيونية .. كان هناك العديد من
الصغار منشغلين بإرسال طائراتهم الورقية التي أصبحت على وشك اختراق أجواء مستوطنة
بيت ايل المحتلة للمكان .. كان سائق السيارة التي تقلنا يحاول جاهدا الافلات من المجنزرة التي تتعقب المارين وسياراتهم
؛ بينما وجدت نفسي أراقب هؤلاء الصغار الذين صوبون أنظارهم للأعلى نحو طائراتهم
الورقية غير آبهين بالخطر المحيط برغم كون الغبار الصادر من حوافر المجنزرة
والسيارات يملأ فضاء المكان ...
وعندما انتهت بي السيارة التي أقلتني ذلك
اليوم في طريق عودتي من رام الله
إلى أقرب مكان لمنزليّ كان ما يزال عليّ السير مسافة أخرى على الأقدام لأن
طرق المواصلات هنا عشوائية وخاضعة لظروف اغلاق الطرق .. وبينما كنت أسير كانت
مجموعة أخرى من الصغار تدفع طائراتها الورقية بعيدا بعيدا للأعلى مخترقة الصور
السلكي الطويل الذي بناه الصهاينة ليجبروا هؤلاء الصغار على البقاء في غرف المخيم
..
الآن يبدو أننا على وشك موسم ألعاب أخرى ؛
وأنا اليوم في حيرة من أمري .. كيف وجد صغيري علبة " الجلول" – التي
خبئتها منذ حوالي عام وظننت أنه لا يعرف مكانها .. تقول صديقتي هذا موسم اللعب
بالجلول على وشك البدء هنا .. أطفال فلسطين ينتقلون فسيلوجيا من لعبة إلى أخرى من
تلك الألعاب الشعبية ..
هل تعرفوا لعبة الجلول ؟؟ .. تلك الكرات الزجاجية الصغيرة .. أنا لا أتقن
اللعب بها .. فدوما كانت حكرا
لاخوتي الذكور .. كانوا يلعبونها بمهارة وجدية .. وهي لم تستهويني كثيرا لكني كنت
دوما في غاية الغيظ لأن اخوتي
الذكور لم يكونوا يشركوني في لعبها وهم يحفرون لها التجاويف الدائرية في التراب
الرطب.. بينما كانوا يطلبون مشاركتي بالحاح للعب " الطقة واجري" أو
" الغماية " لأنها بحاجة لفريق كبير .. وما كان يعزيني في ذلك أني
وصديقاتي كان لنا أكثر من لعبة حكرا
لنا نحن الاناث مثل لعبة "الكال " .. و"
اللوكس "......
هاهو صغيري يجد العلبة المليئة بالجلول ..
بدميقراطيتي الشديدة انتزعتها منه .. وبعد مفاوضات مضنية سمحت له بعشرة كرات منها
فقط على أن أعدها بالتمام والكمال كل مساء لأضمن عدم وقوعها بيد أخيه الذي لم يبلغ
الادراك فيبتلعها ..
جميل وممتع أن تجد صغارك يلعبون بتلك الألعاب
التي ورثناها جيل فجيل .. فيها ذكريات أجدادنا بأرض الصبا و
ذكرياتنا في المخيم ...
وقفت أنظر إلى صغيري وأبناء عمه وقد اتخذوا
ركنا من أرض المنزل ليلعبوا فوقه .. كم تمنيت أن أهوي بفأس فوق بلاط المنزل
فأقتلعه وأترك ليدي صغيري فرصة لمصافحة التراب .. ليعلب الصغار بالجلول فوق التراب
كما تحتاج اللعبة وكما كنا نفعل على أرض القرى السليبة وحتى فيما بقي من تراب
المخيم ... لكن ويح عجزي .. صغارنا ممنوع عليهم التجول حتى فوق تراب المخيم ..