قُصَاصَاتٌ .. في زَمَانٍ مُوحِش !!

محمد الشريف

mmfareedb@hotmail.com

 

لئن كانت تلك الوجوه التي رأيناها جميعاً وجوه إرهابيين .. فلم يخلق الله وجهاً بريئاً أبداً ..

ولئن لم يكن حُكَّامنا خونة .. فليس في الأرض خائن أبداً ً ..

( قُصَاصَةٌ على قلب جريح !! )

************

أحببتك .. غير أن عمراً طويلاً مضى .. ودهراً بعيداً يجيء ، قبل أن تشتبك اليدان .

بيني ويبنك سنوات من المهانة قضيتُها وحدي .. كانت صورتك تطوف بي كل ساعة ثم تعود لتتركني حرفاً منكسراً في كلمة مبهمة !!

لست أدري كيف انتهى بي المطاف إلى هنا .. كان كل مناي أن تجمعني وإياك غرفة واحدة ... جمعتني غرفتي هذه بأشتات الناس .. إلا أنت !!

الزمن هنا يتحرك كلما وصلتني كلمة عنك .. ثم يقف فلا يخطو خطوة .. الزمن هنا موحشٌ فارغٌ .. الزمن هنا متراكم بعضُه فوقَ بعضٍ ، لا نحتاجُ إليه ، ولا يأبهُ بنا !!

لست أدري متى ينفرج الباب فُرجَةً لأخرج مع الضوء المنسَرِب .. لم يزرني شعاع نور منذ زمن لا أحصي عددَه .. أنا هنا قابعٌ في ظلام دامس تجمعت خيوطُه حولي ثم وقفت : لا يذهب منها خيطٌ .. ولا تتوقف أشتاتُها عن المجيء .

الظلام هنا على كل وجهٍ ، وفي كل منحنى .. أراه على سحنة بواب الزنزانة حين يفتحها دقائقَ معدوداتٍ كل ثلاثة أيام .. وأصاحبه طويلاً في غرفة التعذيب ..

الظلام هنا قانونٌ حاكمٌ .

كنت أتساءل كثيراً كلما قرأت عن جسد بشري ألهبَ السوطُ جلدَه .. كنت أتساءل عن تلك اللحظة الفاصلة قبل أن يمس أولُ السوطِ أطرافَ الجسد ..

هنا ، لم يعد لهذا السؤال معنى .. الإجابات تراكمت عليَّ ، وخمَدَت الأسئلة !!

أذكرُك كلَّ لحظةٍ ، لأتوهَ بعدها في نسيانٍ ممتدٍ ، أذكر آمالاً بنيناها معاً : اتسعت حتى شمِلَت الوجود ، ثم ضاقت وضاقت حتى أصبح أملي كلُّه شعاعاً من النور ينبعث من نافذة صغيرة ، وكلمةَ حبٍ واحدةً على ورقة مهملة !!

ما الذي جنيته لتضاجعني الظلمة سنين متطاولة ؟؟ 

لا أذكر من عمري الماضي إلا أطيافاً لا تكاد تجتمع منها قصة مكتملة .. غير أن ما أذكره الآن بيقين ( ولعلك لم تنسيه بعد !!) أننا كنا على ميعادٍٍ ، فأخلفتُه وسرت في مظاهرة اجتمعت فيها عصافير مغردة لم تتفتح قلوبها على شرور الحياة بعد .. كنا أشتاتاً اجتمعت لتمنع بعض أحذية الأمريكان من أن تدوس على التراب العربي في العراق .. ثم على جزيرة رسول الله .. لتمتدَّ من بعدُ حتى تصير رؤوسنا جميعاً تراباً لها ..

كنت أسير ممسكاً حُلمَنَا الصغيرَ في مسكنٍ على رأسِ شجرة .. وأبناءٍ كالعصافير .. وأمةٍ تسير بالزمان ولا يسير بها .. كنت أسير ممسكاً حلمَنا هذا بيديَّ ، أخشى أن يتناثر مني في صحراء السراب !!

سرت طويلاً .. وكانت نهاية مسيري ظلمةً متراكمة في زنزانة .. وعمراً ممتداً لا عمل لي فيه إلا انتظار ما لا يجيء !!

..........،.............،..........

..........،.............

................

......

..

.

( قُصَاصَةٌ من رسالة مُعتَقَل !! )

************

قال لي أبي : حين تخلع ثوبَكَ القديم فاحفظ مكانَه .. قَد لا تجِدُ غيرَه .

أبي يحب ثيابه القديمة ، وعمامته الأزهرية ، ويقول لي : عمامةُ الأزهري شرفُه .

غير أني لم أكن أحب العمامة إلا على رأسه .. لم يكن يعجبني أن تكون العمامة شرفَ من لا شرفَ له سواها .

كان كل ما في أبي أصلي : لحيتُه ، عمامتُه ، ثوبُه الصعيديُ وقلبُه النبويُ .

قلت لأبي مرة : لم لا تُغَيِّرُ سيارتنا صُنِعَت سيارتُنَا بعد ولادتي بسنة واحدة فابتسم ، وقال : قيل لعمرو بن العاص : لم لا تغير دابتك ؟

قال : لا أمل دابتي ما حملتني ، فإن الملل من كواذب الأخلاق .

هكذا أبي ، أسأله عن سيارتنا ، فيكلمني عن دابة عمرو !!

( قُصَاصَةٌ من رسالة يتيم )

************

رأيته في طريق العودة إلى مصر .. في ميناء العقبة وَقَفَت سيارتُه ، على وجهه تجاعيد قديمة أخفتها آثارُ النِّعمَةِ المُحدَثَة .. غير أنها لم تستطع أن تَكُفَّ عينه عن أن تحكي تاريخها !!

كنتُ أرى في أعماقِ عينيه : فتاتَه التي أحبَّها على مقاعدِ الدِّراسة ، وقبَّلَ يدَها خِلسةً في رحلةٍ جامعية ، وحين همَّ بالمزيد : سمِع صوت أبيها يقول للمحاسب القادم من الخليج : زوَّجتُكَ ابنتي !!

كنت أراه الآن : محاسباً مكتمل الشروط .. قادماً من الخليج !!

( قُصَاصَةٌ من بؤس متكرر !! )

************

في مكتب التنسيق قُسِمَ الطُّلاب إلى مراحل :

المرحلة الأولى : من  /  /    إلى   /  /  

الرحلة الثانية : من  /  /    إلى   /  /  

المرحلة الثالثة : من  /  /    إلى   /  /  

ويصمت الراوي هنيهة .. ثم يقول :

من  /  /    إلى   /  /   شهادات معادلة

كانت درجاتي التي قدمت بها من السعودية تدفعني دفعاً إلى المرحلة الأولى .. ذهبت إلى الإدارة .. قابلني شارِبٌ مُنَمَّقٌ ، نَظَر في أوراقي :

-قلت ألف مرة : شهادات المعادلة بعد المرحلة الثالثة .

لفظ معادِل يستدعي بالضرورة نقطة أخرى يعادل بها ، والترتيب يقتضي الأفضلية ، وإذا كان ثمة مراحل ثلاثة ( لأبناء البلد ) تعقُبُهَا مرحلةٌ ( للوافدين ) فذلك يعني أنني لا أنتمي إلى مكان !!

( عند الحدود السعودية كنت أرى طوابير ثلاثة : السعوديون أبناء دول مجلس التعاون الخليجي الأجانب ، لم أكن أتردد في الوقوف في طابور الأجانب . لكنني توقفت طويلاً قبل أن آخذ مكاني المحتوم في طابور الوافدين !! )

حين تعود إلى وطنك لا تعود الا من أجل مُفرَدَةٍ واحدة : " مواطن " ، فإذا لم تسمعها فما قيمة الوطن ؟!!

( قُصَاصَةٌ من ذكرى طالب مصري وافد !! )

************

- حين لا يكون أمامك إلا أن تقتل نفسك ، فإن الفعل الإيجابي الوحيد : أن تقتل نفسك .

وحين لا يكون أمام الشعب كُلِّه إلا أن يقتل نفسه ، يكون فعل الشرف الوحيد : أن يزيل حاكمه !!

جاءني من بعيد صوت أبي ذر : " عجبتُ لمَن لا يجِدُ قوتَ يومِه ، كيفَ لا يخرجُ على الناسِ شاهراً سيفَه !!

 ( قُصَاصَةٌ من صرخة يائس !!)

************

 

ثوروا أو موتوا !!

( قصاصة أخيرة )