المستقبل السياسي للسعودية

( في ضوء احداث 11 سبتمبر 2001م)

الاصلاح في وجه الانهيار و / او التقسيم**

 

بقلم : ا. د. / متروك الفالح

استاذ السياسة المقارنة و العلاقات الدولية

قسم العلوم السياسية- كلية العلوم الادارية

جامعة الملك سعود – الرياض-السعودية

 

 

العلاقات السعودية الغربية  وبالذات  بطرفها الامريكي كانت تتسم بشكل عام بالتميّز طوال العقود الخمسة الماضية وحتي بداية الالفية الثالثة الميلادية . غير ان ذلك التميّزلم يكن ،بالضرورة علي وتيرة واحدة اذ شهدت العلاقات الغربية _السعودية ،  ومنها الامريكية تحديدا،   حالة من التوتر وعدم الاتساق وخاصة في الفترة لما بعد 1995/1996 حيث تفجيرات الرياض والخبر ضد القوات الامريكية والتي اسست و ارخات  لبداية تقلق شعبي من الوجود الامريكي وكذلك عدم ارتياح رسمي من التدخل في الشؤون الداخلية و خاصة في اطار التحقيقات في تلك الاحداث (1) . تلك الحالة العامة من العلاقات السعودية _ الامريكية والتي كانت علي ما يبدو متميّزة ،   وان لم تخلو من توتر كما اسلفنا ،   بدات تتبدد علي نحو لم يكن مسبوقا من قبل و ذلك بعد الهجمات المميتة في واشنطن ونيويورك وبنسلفاينا في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م .

 

ذلك الحدث وتوابعه في سياق ما سمي "الحملة ضد الارهاب "بما في ذلك الحرب ضد افغانستان -  ولربما مستقبلا، ضد دول عربية او اسلامية وكل ذلك يشير الي ان المسلمين ومنهم العرب تحديدا هم  المستهدفون بدرجة واضحة من كل تلك الحملة واتجاهاتها-  فتح ملف العلاقات الغربية العربية ومنها السعودية- الامريكية تحديدا علي مصراعيه باتجاه اعادة صياغتها او تغييرها وعلي نحو بدا انة يؤسس لازمة ذات مخاطر علي البلاد العربية عموما ومنها الدولة والمجتمع في السعودية تحديدا .  تلك المخاطر تبدو هذه المرة مخاطر حقيقية وجدية وبالتالي تتطلب في المقابل معالجة حقيقية وجدية ولكن علي اسس وصيغ جديدة لتتواكب وتتعامل مع مرحلة جديدة ومختلفة تماما عن سابقتها .

 

ان ما يهمنا في هذه الورقة ليس معالجة العلاقات ،  الامريكية السعودية بذاتها وانما ملاحظتها في سياق ارتباطها باحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001م والحملة الامريكية علي ما سمي "الارهاب "  وانعكاس ذلك علي او ارتباطه في المسالة الداخلية في السعودية الا وهي علاقة الدولة  بالمجتمع  وما يرتبط بذلك بما يمكن تسميته بالمستقبل السياسي للسعودية. ولكي نصل الي هذه  وتلك الغاية لابد من ملاحظة ما يمكن تسميته بالازمة في العلاقات الامريكية السعودية وعناصرها ومدي صلة ذلك كله بمعادلة الدولة والمجتمع في السعودية وما هي المعالجات لها ان وجدت ؟ وهل تلك المعالجة تمثل معالجة سليمة وشافية ؟ ام انها تحتاج الي معالجات بديلة اكثر ملائمة مع تلك التحديات والتطورات وذلك من اجل الامكانية والاستمرارية والبقاء  للدولة والمجتمع علي حد سواء .  من هنا فان المشاهد للازمة الداخلية وفي سباق الازمة الخارجية واحتمالاتها المفتوحة تحتاج الي  تحديد بما في ذلك المشاهد التي تمثل مخاطر حقيقية  وكذلك المشاهد البديلة للخروج من الازمة علي الصعيد الداخلي .

 

اولا: في الحملة الامريكية علي السعودية

واحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م .

 

هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م والتي اسست لاولي حروب القرن الواحد والعشرين ،  - وما انطوت علية من مزاعم امريكية بان منفذيها هم في اغلبهم من السعودية حيث اشير الي خمسة عشر شخصا سعوديا من بين تسعة عشر متهما بتلك العمليات الهجومية – ولدت توجهات وانتقادات حادة من قوي ونخب اعلامية وفكرية وسياسية ذات صلة قوية بمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الامريكية ضد الدولة السعودية الي  درجة التعريض بشخصيات سعودية رسمية  كانت خلال العقد المنصرم وحتي تلك الهجمات تحظي بقبول واحترام كبيرين داخل الادارة الامريكية وقواها السياسية (2) . تلك الحملة الامريكية وبصلة بعناصر قيادية رسمية وخاصة في السلطة التشريعية ،بدات متواضعة في البداية ولكنها اخذت تكسب زخما وقوة مع مرور الوقت وخاصة قبيل الحرب الامريكية علي افغانستان وما بعدها (3) .ان  تلك الحملة المناهضة للسعودية والتي اسست لازمة في العلاقة مع السعودية دولة ومجتمعا وكذلك كشفت عن تراكم ازمة بين الدولة والمجتمع في السعودية – وتلك الاخيرة حرصت القيادة السعودية وخاصة بقيادة الامير عبداللة علي محاولة احتوائها –تمحورت حول عدة عناصر ومنها:

(ا) الزعم الامريكي بتورط سعوديين في الهجمات انفة الذكر مما فتح باب اسئلة امريكية جديدة حول التفريخ السعودي للتطرف و "الارهاب" لعناصر مجتمعية ذات توجهات اسلامية تحديدا ولكن بالاشارة  الي  كونها محفوفة بسياسات حكومية رسمية .

(ب) ثم لاحقا المطالبة الامريكية بالمراقبة المالية وتجميد بعض الحسابات والارصدة التابعة لمجموعات اسلامية بما فيها بعض الجمعيات الخيرية والمطالبة بتعديل مناهج التعليم في سياقها الاسلامي والتي تزعم اطراف امريكية بانها تحض وتحرض علي التطرف  والكراهية والعداء للاخر وخاصة للغرب .

(ج) ومع اقتراب الحرب الامريكية وعدوانها علي افغانستان بحجة مكافحة "الارهاب الاسلامي"كانت الادارة تطالب بمزيد من التعاون السعودي الرسمي في السياق العسكري وخاصة استخدام قاعدة الخرج كمركز للتحكم والسيطرة والقيادة للعمليات الحربية ضد افغانستان .

(د) ترافق ذلك كله وتردد  سعودي رسمي تجاه مسالة الرقابة المالية ومسالة الزج باسماء السعوديين في الهجمات دونما تقديم  دليل وكذلك الحرج من مسالة التعاون العسكري العلني وخاصة السماح باستخدام قاعدة الخرج مما ولد ردود فعل عنيفة من قبل القوي الاعلامية والسياسة الامريكية تجاه الدولة السعودية وكذلك المصرية واتهامهما بانهما تلعبان ادوارا مزدوجة في التعامل مع حرب امريكا علي "الارهاب" (4) .

(ه) ترافق ذلك كله مع حالة شعبية في السعودية غير مسبوقة من المناهضة للسياسات الامريكية تجاه مزاعمها وكذلك مطالبها الرقابية المالية وتعديل المناهج وكذلك السخط الشعبي من الحرب الامريكية علي افغانستان باعتبار تلك الحرب كما نظر لها شعبيا ودعمت من علماء اسلاميين محليين ومن البلاد العربية الاسلامية (5) علي انها حرب صليبية ضد الاسلام والمسلمين وفي  القلب منهم العرب  .

(و) ومما زاد من السخط الشعبي ان معظم المعتقلين والمحتجزين داخل امريكا من باب الشبهة وتحت ما سمي باستراتيجية البعثرة Disruptive Strategy   (6) داخل الولايات المتحدة هم من العرب بما فيهم السعوديين وكذلك ما لحق  "بالعرب الافغان"  والمجازر التي ارتكبت ضدهم من قبل القوات الامريكية وقوي التحالف الشمالي الافغاني وتوابعها لاحقا بما في ذلك مسالة الاسري العرب والمعاملة المشينة وغير الانسانية التي تلقوها علي ايدي الامريكيين سواء  في افغانستان  او في معتقل "جوانتناما" في كوبا لاحقا .

(ز) ووصل الامر بالحملة الامريكية علي السعودية في منتصف يناير عام2002م بقيام  عناصر من الادارة الامريكية (كارل ليفن مثلا ) بالتلويح تهديدا باعادة النظر بالتواجد العسكري الامريكي في السعودية او بسحب قواتها استنادا الي تلميحات بان تلك الخطوة  مرتبطة بوجود رغبة سعودية غير محددة المصدر والتي لم تدم او تصمد طويلا امام تصريحات سعودية رسمية او امريكية علنية  بعكس  ذلك (7). اضافة الي ذلك كله وفي سياقه ومنذ البداية وحتي الان كانت هناك تصريحات عن وتلميحات الي   وتهديدات  بمسالة   الاستبداد والفساد  السياسي للنظام في السعودية والدعوات الي  الحاجة الي  ايجاد صيغ اكثر ملائمة تاخذ بحسبانها حقوق الانسان والمشاركة والحريات وان بشكل تدريجي وتلك الاشارات بدات منذ خطاب بوش امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 17/11/2001م  وفي كتابات وتعليقات وانتقادات اعلاميين ومفكرين ودبلوماسيين (8) .

 

ثانيا: الحملة الامريكية علي " الارهاب "

و السعودية  : جذور الازمة الداخلية

 

الموقف الرسمي السعودي من احداث 11-9-2001م وما بعدها ،بدا انة -  ورغم ادانتة تلك العمليات وتوظيف بعض التخريجات الدينية من بعض علماء  الدولة  (9) يميل الي  التردد وخاصة في مسالة قبول الزج باسماء سعوديين وكذلك  تجاه التعاون الامني والعسكري وكذلك المالي الرقابي (10) .  ورغم ان السعودية من الناحية الرسمية كانت تعلن تعاونها وموقفها ضد الارهاب  (11) ،  الا انها كانت تشعر بالحرج من مسالة الموافقة علنا علي استخدام قاعدة الخرج وكذلك من التوجهات الشعبية الداخلية المعادية للولايات المتحدة وخاصة بعد بداية  العمليات الحربية ضد افغانستان وحكومة طالبان مما جعلها ،وتحت ضغط اعلامي امريكي متزايد ،الي  ان تقوم بالطلب  من ائمة المساجد بوقف دعاء القنوت  فجرا ومغربا   ضد الولايات المتحدة والمساند  لحركة طالبان بالنصر (12).

 

في المقابل كانت التوجهات الشعبية تزداد حدة وعداء للولايات المتحدة الامريكية منذ بداية الاحداث (11سبتمبر2001) حيث كان الملاحظ ان هناك نوع من الابتهاج  (13) بما حدث في امريكا وضدها وذلك تشفيا بما يري للعناصر و الفئات الشعبية وشرائحها المتنوعة في السعودية بان ذلك يشكل ردا علي امريكا وسياساتها المناهضة للعرب والمسلمين وخاصة في فلسطين والعراق واماكن اخري . تلك المواقف الشعبية اخذت بالزيادة المطردة ضد الولايات المتحدة من اغلب الفئات الشعبية  بما في ذلك الشرائح اللبرالية وخاصة مع بداية العمليات الحربية ضد افغانستان واحداثها المتعاقبة وكذلك في سياق الحملة الامريكية علي السعودية وايضا في سياق التوجهات الامريكية – الداعمة لحكومة وسياسات الكيان الصهيوني  في عملياتها التدميرية ضد الشعب الفلسطيني ومقدرا ته وممتلكاته ومقدسا ته –والتي اخذت بالتزايد الي درجة ادراج حركات المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس والجهاد ضمن قائمة الارهاب الامريكي  عندما بدا لها(امريكا) انها تتجه الي حسم الامور في افغانستان مكافاة للعدو   و اذلالا  للعرب  علي وجه الخصوص . الموقف الرسمي  السعودي بدا يستفيد من الحملة الامريكية المتزايدة علي السعودية و ذلك بتوظيفها و ذلك للاحاطة بالمسالة الداخلية وفي محاولة لردم الفجوة بينها وبين التوجه الشعبي والذي بدا   ولاول مرة بانة بالفعل  يتخذ مواقف متعارضة مع التوجهات الرسمية وخاصة فيما يتعلق بالموقف من احداث سبتمبر والتعاون مع امريكا في مسالة مكافحة ما سمي "بالحملة علي الارهاب"وكذلك في سياقها  "المسالة الافغانية "  بما هي حرب علي بلد مسلم  خاصة في سياق التوجه الاسلامي المدعوم من بعض القيادات العلمية الاسلامية المحلية والعربية المناهضة للتعاون مع الاجنبي والتحالف  مع الكفار والمشركين ضد العرب والمسلمين  (14) .  القيادة السعودية وخاصة توجهات الامير / عبد الله (ولي العهد) ، بدات تتعامل مع الحملة الامريكية علي انها حملة ضد المسلمين و عقيدتهم  (15) ،   وكذلك مرتبطة بحملة صهيونية  ذات صلة بالجماعات الصهيونية الضاغطة (اللوبي الصهيوني) في واشنطن والبلاد الغربية ضد مواقف المملكة من القضية الفلسطينية والاشارة الي ان السعودية قد وصلت  الي طريق  مسدود مع الادارة الامريكية في مسالة موقفها من وتحيزها مع الكيان الصهيوني في معالجة القضية الفلسطينية .  وفي محاولة للاحاطة بالمسالة الداخلية عن طريق بوابة الحملة الامريكية والبعد الصهيوني فيها ،قام الامير عبداللة بالاجتماع ،وعلي مراحل، بعدد من الفئات والشرائح وبعض القوي السعودية من اساتذة الجامعات والمعلمين والتجار والمشايخ والعسكريين وذلك في محاولة لكسب تلك المجموعات من الحملة السعودية المناهضة للحملة الامريكية وفي محاولة للتاكيد علي الوحدة الوطنية واهميتها للتعامل مع انعكاسات تلك الازمة وتوابعها علي الاوضاع الداخلية (16).

 

وبتوافق ولربما تناغم مع تلك الحملة السعودية المناهضة للحملة الامريكية عليها بدا ان السلطات السعودية تتيح لعناصر من الشعب السعودي ذات توجهات متباينة و بعضها غير متسق مع الخط الرسمي للدولة  للتحدث علنا في اطار الازمة ورؤيتها لها وخاصة من خلال الادوات والقنوات الاعلامية العربية وبالذات الفضائية منها وبدرجة اكبر قناة الجزيرة الفضائية (قطر) (17) . في المقابل ، بدا ان السلطات السعودية وهي تواجه التحدي الامريكي وخاصة مع حسم الامور في افغانستان لصالح امريكا –تتجه الي محاولة التخفيف من الضغط الامريكي عليها وذلك من خلال التناغم معها وذلك بقبول المزاعم الامريكية بتورط سعوديين في الهجمات السبتمبرية علي امريكا (18) ،   وكذلك بالتعامل مع الساحة الامريكية مباشرة من خلال الاقلام الامريكية الزائرة او المستكتبة من خلال شركتي الاتصالات والعلاقات العامة داخل الولايات المتحدة الامريكية(19). وكذلك من خلال العناصر القيادية السعودية في سياق الوفد السعودي الكبير لاجتماعات "منتدي دافوس" في اوائل فبراير 2002 حيث راس الوفد رئيس الاستخبارات السعودية (الامير نواف بن عبد العزيز )ورافقة عدد من الامراء والذين ادلي بعضهم بتصريحات اجري مقابلات تلفزيونية داخل امريكا محاولين علي ما يبدو التاكيد علي الدور التعاوني للسعودية في الماضي وفي الحاضر المستمر وفي القادم المحتمل (20). ويلاحظ  مع ذلك كل ،  ان تلك الردود السعودية علي الحملة الامريكية انتهت الي الدفاع عن علاقات السعودية مع امريكا والتعامل مع تلك العناصر الاعلامية الامريكية الموصوفة بالمعادية للمملكة ( مثلا ،    نيويورك تايمز وال واشنطن بوست تحديدا )والمتحيّزة للصهيونية ،وصولا الي  تقديم مبادرة " التطبيع  الكامل مقابل الانسحاب الشامل لاسرائيل من الاراضي العربية المحتلة منذ 1967" رغم ما جري عليها لاحقا  من تعديلات باتجاه " السلام الشامل مقابل الانسحاب الكامل " نتيجة للردود العربية تجاهها ،  ثم اقرارها  علي صيغة اكثر توازنا  عربيا  بالاجماع في مؤتمر القمة العربية في بيروت 27-28-مارس-2002م  (21).

 

تلك المعالجة السعودية الرسمية اللازمة علي الصعيد الداخلي لا يبدو انها طرقت العناصر الاساسية للازمة وجل مافعلتة انها لامست بعض منها ملامسة غلب عليها الشكلية  والمعالجة الانية (Add-hoc)      وغلبت البعد الخارجي (الامريكي والغربي وتوابعه ) علي البعد الداخلي المجتمعي المتصل بمسالة العلاقة بين الدولة والمجتمع . وبينما بدا ان السلطات السعودية تشعر بالارتياح الي عدم تطور احداث داخلية تتسم بالعنف وبالحدية- باستثناء احداث بدا انها عارضة ( مثل التفجير الذي وقع في الخبر ، وكذلك محاولة التعرض لبعض الاجانب في الرياض ) وكذلك الادعية (القنوت)في صلوات الفجر والمغرب ضد الكفار والمشركين وتلك اوقفتها السلطات السعودية عنوة لمن لم  يتوقف طوعا ،   وكذلك بالارتياح الرسمي السعودي الي ما بدا انه نهاية للمسالة الافغانية بانهاء  حركة طالبان وتدمير القاعدة وعناصرها بدرجة كبيرة –و ان كانت هذه  و  تلك مسالتين  لازالتا  فيهما  نظر (22) ،   مما خفف من الغليان الداخلي والذي ترافق مع العمليات الحربية الامريكية ضد افغانستان والذي انعكس بدرجة واضحة علي احاديث ومناقشات كثير من الفئات والشرائح الشعبية وما اتصل بتقلقل الراي العام المحلي بما في ذلك التوجه نحو الدعاء غير المحدد (الدعاء بالنصر للمجاهدين من كل مكان دون تحديد افغانستان ) عندما اصبح الدعاء الصريح ممنوعا . و   بالقدر  الذي بدا  للسلطات السعودية انها تحسم امرها بمزيد من التعاون والاتساق مع الغرب وامريكا تحديدا بما في ذلك ما يبدو ان له صلة  بطرح المبادرة "التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل " ،  رغم ما جري عليه من تعديل اقرته قمة و بيان بيروت لاحقا ،   مضطرة او مقتنعة بذلك ،  فقد بدا للمجتمع و فئاته  ان ذلك الخيار تم علي حساب مشاعره وتوجهاته ود ونما ان يكون له الصوت المسموع في تلك السياسات والتوجهات مما زاد في سعة الفجوة بين  الدولة والمجتمع وعكس بدورة تراكم جذور ازمة في العلاقة كانت تتشكل منذ عقد ونيف ولكن تلك الاحداث افصحت عن مظاهرها . و بالقدر الذي اخطات فيه الولايات المتحدة الامريكية في معالجتها لاحداث 11 سبتمبر باتباع استراتيجية " ارهابية "  خارجية ودون الالتفاف( مراجعة) حول سياساتها الخارجية والداخلية التي ولدتها ،   فان السعودية هي الاخري ،   و بمراهنتها علي الخارج وعلي الوقت لتجاوز المسالة الداخلية  ،   جازفت  في عدم التنبه الي مسالة الازمة الداخلية وجذورها ومعالجتها معالجة حقيقية تنطلق من رؤية صحيحة للخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع ومن ثم تصويبها بشكل صلب يؤسس لمرحلة قادمة  .

 

رغم ان تفاعلات الدولة والمجتمع في السعودية وفي سياق الازمة ،   من حيث كونها تفاعلات كانت تميل الي ان تكون غير متسقة وغير متوازنة ومتوازية وانما بدرجة واضحة تبدو اكثر متعارضة او متفارقة ،   بدات تخف مع مرور الوقت وما بدا  انه يتوافق مع  حسم الامور عسكريا في افغانستان ، الا  ان الازمة الداخلية والعلاقة بين الدولة والمجتمع لا يبدو انها طرقت علي الاطلاق  وما تم فيها كان معالجة وقتية ظرفية ذات اتجاه واحد يركز علي التعبئة الاعلامية الرسمية  ولكن بالنهاية التوافق مع الخارج . ليس هناك علي ،   ما يبدو ،  رغبة او رؤية  في   النظر بان تلك الاحداث و توابعها ذات " منبع و مكّون   داخلي  " بحيث تحلل  علي مستوي العلاقة بين الدولة والمجتمع وبالبحث مع القوي الاجتماعية علي حلول لها. وكما كانت ازمة الخليج الثانية ، فان المعالجة للازمة الداخلية المتصلة باحداث 11سبتمبر كانت المراهنة علي الوقف مرة اخري وان الداخل ليس هو المشكلة وانما الخارج والخارج فقط.

 

وحيث الامر كذلك من حيث ان  جذور الازمة في العلاقة بين الدولة والمجتمع وكونها لم تعالج البتة ، فان المسالة لازالت مفتوحة الاحتمالات والبدائل والتي قد تحمل معها نذر غير محمودة . ويبدو ان المشكلة في التحليل النهائي ترتبط بدرجة اكثر تحديدا   بان هناك اولا سوء تقدير او تصور خاطئ لاهداف الحملة الامريكية علي السعودية وحصرها ببعدها الصهيوني –او هكذا قيل – والمسالة الدينية او التعليمية .  وثانيا ان هناك تجاوزا  للمسالة الداخلية ذاتها والتركيز علي البعد الخارجي لها وذلك  في سياق التصور الخاطئ  وعدم معالجة الشان الداخلي معالجة تبدو فعلية وجدية وذات جراة بما يعني ويتضمن الملائمة مع متطلبات التكيّف للنظام السياسي  في اطار المحافظة علي  استمراره واستقراره  ولكن  بصيغ اخري  مستحدثة.

 

 

ثالثا: الدولة والمجتمع والغرب : في البدائل والاحتمالات

 

1-    في الحملة الامريكية علي السعودية

 ومشروع التقسيم

 

بداية يمكن التساؤل هل يمكن حصر الحملة الامريكية علي السعودية في مسالة اللوبي الصهيوني والموقف العدائي من المواقف السعودية تجاه المسالة الفلسطينية ؟ للاجابة علي ذلك يمكن القول بداية  ان ذلك قد يكون جزئيا صحيحا ولكنة ليس الاهم  والابرز في الرؤية الامريكية من وراء تلك الحملة وعناصرها . ما هو مطلوب امريكيا  هو اولا ، ان الدولة والسلطة السعودية علي مستوي القرار السياسي يجب ان لا تتردد بل ويجب ان لاتفكر بذلك طالما ان الولايات المتحدة  تري انها هي التي توفر الحماية والامن للدولة والنظام وبالتالي  فان التردد او الحرج بذاته لم يكن مقبولا علي الاطلاق خاصة وان ذلك قد يعني ان التحالف في الحرب ضد    "الارهاب "  سيتعرض للتشكيك والاهتزاز وهو ما لم تكن الادارة الامريكية ترغب فيه ولا العناصر التي

تقود تلك الحملة – ومن هنا كان التردد الظاهري للسعودية يمثل جراة غير مقبولة من دولة – هي مدينة ،  في الرؤية الامريكية ،  في وضعها الامني تحديدا (23) وتوابعه بما في ذلك الاقتصادي والنفطي للدولة والقوة الامريكية . وثانيا وهذا يمثل النقطة الاهم والابرز ،ان المخطط الامريكي اصلا في الحرب التي اعلنتها ضد افغانستان وفي سياق ما اسمتة الحرب ضد "الارهاب" يتجاوز افغانستان الي  الاحاطة الكونية وبنقاط مركزية منها ذات صلة بالابعاد الاستراتيجية للنفط والغاز في دائرة  محورها  يمتد من اسيا الوسطي شرقا وحتي منطقة الخليج العربي غربا .  ومن هنا فان الحاجة ستكون لاحقة باتجاه اعادة صياغة الخرائط للمنطقة العربية تحديدا وبالتالي فان العودة لها ستكون امر قائما تتطلبه تلك المهمة خاصة وان المشروع الامريكي هذا للمنطقة وبتوافق مع المشروع الصهيوني لها لم يتم بعد . واضافة الي ذلك  ثالثا  ،   فان صورة الشعب السعودي وفئاته بدات تتهاوي في الرؤية الامريكية وخاصة في سياق ما سمي بالتفريخ "للارهاب " بشرا وعقيدة (الوهابية ) وتمويلا خاصة اذا ما قبلنا فكرة ان الذين قاموا بعمليات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م هم في غالبيتهم من السعوديين .  اضافة الي  ذلك وفي  صلبة  فان النظام السياسي السعودي  بما هو الحاضن   لتلك التوجهات اصبح هو الاخر يمثل ،   في الرؤية الامريكية ،   عبئا  لا  رصيدا   وبالتالي فان السعودية (دولة ومجتمعا) اصبحت مستهدفة في اطار المشروع الامريكي للاحاطة الكونية و  المتلاقي مع المشروع الصهيوني بالمنطقة والذي لم ينجز يعد وبالتالي يحتاج الي تعويم ضمن اتمام المشروع الامريكي ذاته .  هذا الاستهداف للمنطقة العربية وبما هو تلاقي بين المشروعين الامريكي والصهيوني  يؤكده  وزير الخارجيةالامريكي كولن باول اذ ،  يقول ،  في خطابه امام جامعة لويزفيل في 19-11-2001م،   ان  "  الرؤية الامريكية لمنطقة الشرق الاوسط  ستكون بعيدة المنال  ما لم تكن اسرائيل  و جيرانها في حالة سلام  ....   " (24)  .

 

 ان   الوصول الي  هذه النقطة من تعويم المشروع الصهيوني في المنطقة باقامة  المشروع الشرق الاوسطي في اطاره  الاقتصادي والمتداخل مع المشروع الامريكي للسيطرة علي منطقة الغاز والنفط (السيطرة هنا قد تكون للاحتياج الذاتي او للتحكم بالعالم من خلال التحكم بالموارد النفطية ) والممتدة من شرق افغانستان وبحر قز وين وحتي منطقة الخليج العربي (25) يتطلب بشكل اساسي ان تتواصل الحرب الامريكية علي " الارهاب" بما في ذلك ازالة المعوقات القائمة في المنطقة  وهي الحالة العراقية  ومن ثم السورية . ولكن قبل الوصول الي هذه الغاية لا بد من البدء من " الحلقات الا ضعف " في المنطقة العربية ( والتي قبلها او معها قد تكون الادراة الامريكية مشغولة  في احتواء او تصفية ما تسميه " الارهاب " و "ارهاب القاعدة "  في حلقاته الا ضعف علي المستوي العالمي من الفلبين الي جو رجيا وهكذا ....) لتنفيذ المخطط الاستراتيجي للمنطقة والعالم .  وبالتالي ستكون البداية الصومال واليمن بدرجة احتمالية كبيرة ( والتي بوادرها بالفعل قد بدات في الصومال حيث تضيق الخناق علي السواحل الصومالية بالاساطيل الغربية الامريكية والالمانية تحديدا بحجة منع عناصر القاعدة وكذلك محاصرة المؤسسات الاتصالية والمصرفية لشركة البركات  بحجة علاقتها بالتحويلات المالية للقاعدة ، وكذلك ما يجري في اليمن منذ  يناير2002م  حيث القوات اليمنية وبدعم امريكي تطارد ما تسمية عناصر ذات صلة بالقاعدة مع تاكيد امريكي بلسان بوش بان امريكا تعمل علي منع ان يتحول اليمن الي افغانستان اخري للقاعدة وهو ما رحبت به القيادة اليمنية  (26) و    ذلك كله للاحاطة  الجيوبوليتكية  بالصومال  و/ او بالنفط اليمني  في تلك المعادلة الامريكية الكونية وان تشكلا  ( الصومال و اليمن )   خلفية لمنطقة الجزيرة العربية -  بما  فيها و بدرجة اساسية منها  منطقة الخليج العربي -  وكذلك لمحورها في اسيا الوسطي (بحر قز وين وافغانستان حاليا).

 

 

 ومع اخضاع تلك الحلقات الا ضعف ،  فعندها  ولربما  معها او بعدها سيكون العراق هو المستهدف لالحاقه هو الاخر  بالمنظومة الامريكية في اطار مشروعها الكوني وذلك من خلال اقامة نظام حكم موالي لها كما هي الحالة الافغانية وتحت ذرائع ومسوغات تتراوح بين التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان ....الخ . ان الدائرة النفطية وعناصر الطاقة الممتدة من روسيا ومرورا ببحر قز وين وافغانستان وايران والخليج العربي بما في ذلك العراق تمثل الدائرة الاكبر والاهم للحياة الاقتصادية العالمية المستقبلية . و العراق ،  اضافة الي  كونه مع الحالة السورية والفلسطينية يمثل عائقا للمشروع الصهيوني اصلا ،  يمتلك  بذاته احتياطيا هائلا من تلك الموارد ،   لذلك يبدو ان الهدف الامريكي ، هو اختطاف هذا البلد ووضع اليد علي موارده النفطية والحاقة تماما  بالدائرة النفطية للنفوذ الامريكي (27). علية فان الولايات الامريكية  كانت  منذ البداية ومع مرور الوقت  تخطط للوصول الي استهداف العراق تحت ذرائع " محور  الشر" و"اسلحة الدمار الشامل" و بتنسيق متناغم بين كل من"  بوش  " و  " بلير "  و رغم ما يتعرض له الاخير من ضغوط داخلية -بما في ذلك عناصر متزايدة من حزبه -  بعدم الانسياق التلقائي  وراء مخطط الاول  لضرب العراق   (28).

 

 من هنا فان المطلوب ان تكون السعودية وقرارها السياسي في نفس الاتجاه ، بداية ، وكذلك فان الخوف كل الخوف هو ان الحملة الامريكية علي السعودية ليست فقط حملة صهيونية كما تراها السعودية وقياداتها وبعض من عناصرها الاعلامية ،   وانما هي ايضا وبدرجة اكبر واخطر الضغط علي السعودية لكي تحصل  منها امريكا علي ما يمكن تسميته "الاسترضاء" Appeasement السعودي تجاه العملية القادمة بضرب العراق . تلك المسالة "مسالة استرضاء" السعودية نحو المسالة العراقية بدا  انها في مراحلها  التحضيرية الاولي تقترب من  تحقيق بعض من ثمارها حيث ؛  اولا ان تصريحات رئيس الاستخبارات السعودي السابق (الامير تركي الفيصل ) ومقابلته مع  وسائل الاعلام الامريكي تشير الي ان السعودية سوف تتعاون مع امريكا تجاه اسقاط النظام العراقي وان شدد علي ان يكون ذلك من الداخل (29).  وثانيا ان طرح المبادرة السعودية -   في اطار " التطبيع الكامل  مقابل الانسحاب الكامل " ورغم ما جري عليها من ردود فعل واتجاهات بتعديلها وهو حدث  بالفعل  في مؤتمر القمة العربية في بيروت  (27-28-مارس 2002، بيروت ) وكذلك رغم احتمال ربطها بالمسالة السياسية الداخلية من حيث محاولة التاكيد علي تراتب  السلطة و النفوذ  – في هذا الوقت وعلي مابدات اول مرة علية  فانها تمثل لربما محاولة من قبل بعض القوي  والتي قد تقف وراء الدفع بها الي التعامل مع البعد الخارجي في سياق الحملة الامريكية او الصهيونية او انها تمهد للتطبيع القادم المحتمل  . ومهما يكن من امر حول مستهدفات و نوايا  تلك المبادرة وضر وفها  و منابعها    الداخلية او الخارجية  ، فان قبول ضرب العراق-  او اي بلد عربي اخر-   والمساهمة في تغيير النظام بغض النظر عن طبيعة النظام و الموقف منه  ، سيكون بذاته سابقة خطيرة وورقة ترفعها الدول الغربية وبالذات الامريكية في وجهة اي نظام عربي بما في ذلك حلفاءها في المستقبل ومنهم السعودية تحديدا .  و من هنا فان المصالحة العربية التي تمت في اثناء مؤتمر القمة العربية في بيروت ( 27-28-مارس-2002م )   و خاصة بين السعودية و العراق و الي حد ما بين العراق و الكويت   والاجماع العربي  في القمة و قراراته علي  الرفض القاطع  لضرب العراق  او اي بلد عربي  اخر ،  يشكل احد المداخل  الاساسية  لسد تلك الثغرة ( ضرب العراق  و الملف العراقي  و الحالة العراقية الكويتية ) في وجه المخطط الامريكي المحتمل للمشرق العربي  ومنه ما يتصل باحتمال التعرض للسعودية لاحقا . و لذلك فان الخطوة التي اقدم عليها كل من  الامير عبد الله  و عزت ابراهيم تستحق الاشادة  ،  اذ انها تمثل  الخطوة الاهم و الاساس في  الطريق  الصحيح و الذي يحتاج الي  مزيد من تلك الخطوات للبناء عليها  للوصول الي  تطبيع العلاقات العربية – العربية و منها و  بدرجة اساسية السعودية- العراقية و كذلك الكويتية- العراقية .

 

اذا تمت تلك  العملية – عملية  ضرب العراق  -  ( وهو ما نتمني ان تكون القمة العربية و قراراتها في بيان بيروت  وفي اطارها المصالحة  السعودية – العراقية  و كذلك الكويتية ،   قد اسست لارضية  تحول دون حدوثه  و ان  لازال هناك بعض المخاطر و كذلك البدائل التي قد تستغلها امريكا  لتنفيذ العملية  مستقبلا ) و في سياقه او   (  معه او قبله الصومال و الذي لا يبدو يثير شجون و هموم العرب علي نحو كاف )  واسقاط النظام العراقي تحت اي حجة وهي ستكون سابقة خطيرة ،   كما اشرنا انفا ،    وقد تكون السلاح الذي  يشهر بوجه الحلفاء الحاليين مستقبلا ، -  فان النقطة القادمة والابرز في اتمام المشروع الامريكي من الهيمنة علي المنطقة وبما يتضمن تعويم المشروع الصهيوني ثم العودة الي استهداف الخليج والسعودية تحديدا  ستكون سوريا هي المستهدفة ثانيا (بعد العراق )اذ ستكون محاصرة من جميع الجهات بقوي اما معادية كما هي اسرائيل وتركيا او انها تقع في النفوذ الامريكي كما هي الاردن والعراق –البديل اذا تم    او ضعيفة وهي الحالة اللبنانية .  عندها سيمكن اخضاع سوريا طوعا او كرها ؛  اما طوعا فيتم الضغط عليها بتوقيع اتفاقية تسوية مع اسرائيل كما هي اتفاقيات  التسوية مع الاردن 1994ومصر 1979. واما كرها فان الامر ليس هو الاخر مستبعدا  وما لائحة  الخيار النووي الا تمهيدا  لذلك الخيار واحتمالاتة رغم ان الامر سيكون اسهل من ذلك بكثير اذا ما تم تحييد المسالة العراقية اصلا (في حالة ضرب العراق وتغيير النظام واقامة نظام موالي ). ان خيار اللائحة النووية الامريكية  والذي سربته صحيفة "لوس انجلوس تايمز "قبل فترة و  رغم انه فيما ورد اصلا في التقرير   يستهدف سبعة دول هي الصين وروسيا وكوريا الشمالية والعراق وسوريا وايران وليبيا الا انه من الواضح فان استهداف الصين وروسيا بقنابل نووية صغيرة  امر لا يمكن القبول او  التصديق به  ذلك ان اللعب بنار نووية وان كانت صغيرة مع دولة نووية امر لا يمكن التحكم به وبالتالي فانه خيارا  لا يمكن الا ان يكون لدول غير نووية اصلا  وخاصة الدول العربية المعنية ومنها تحديدا سوريا كما هي العراق ولربما ليبيا ثم لاحقا المسالة الايرانية وحتي باكستان والتي عدم ادراجها اسمها في تلك القائمة  يثير علامات استفهام واستغراب في الوقت ذاته (30). فوق هذا و ذاك  فان ذلك التلويح  باللائحة  النووية والخيار النووي المحدود وهو يستهدف دول عربية (سوريا العراق ليبيا ) ،   قد يراد به  دول عربية اخري كما هي مصر والسعودية تحديدا للحصول علي الاسترضاء لكي يتم اخضاع تلك الدول العربية ومنها سوريا –هنا- عنوة ان لم يكن طوعا .

 واذا ما تم اخضاع سوريا عنوة او طوعا وفي اطار الاحاطة الكونية الامريكية والمشروع الامريكي الصهيوني للمنطقة فان تسوية القضية الفلسطينية او  تصفية    لها سيكون امرا  ممكنا و ان كان لا يخلو من صعوبات ليست بالامر السهل . وفي سياق محاولة  تصفية  القضية الفلسطينية  يلاحظ ان الادارة الامريكية   و في ضوء عدم رضاها علي نتائج القمة العربية    و بيان بيروت  و خاصة فيما يخص  الاجماع العربي  ،  بما فيه الموقف السعودي و الكويتي  ،   الرافض  لضرب العراق  وبدرجة اكبر المصالحة السعودية  و الكويتية مع العراق  جعلها ( الادارة الامريكية )   تتامر مع شار ون  للاطاحة بعرفات  وتدمير السلطة الفلسطينية  بعدوانها  الهمجي  منذ  صباح اليوم التالي لانتهاء مؤتمر القمة العربية في بيروت  و ذلك  للحصول منه علي تنازلات تحت الضغط  وكذلك معاقبة للعرب الاخرين  و تعويضا لربما  لتلك الخسارة الامريكية  في المسالة  العراقية  . لذلك ليس مستغربا ان توجه الادارة الامريكية و علي لسان وزير خارجيتها "  كولن باول " في تصريحاته الصحفية ( 29-3-2002م) ،  و بشكل اكثر وضوحا وفجاجة علي لسان  الرئيس الامريكي " بوش " نفسه ،  في تصريحاته ( 31-3-2002م )،   الاتهام لعرفات و تحميلة  مسؤولية   العدوان الصهيوني  الذي يجري منذ 29-3-2002م ،   وتبدي في المقابل تعاطفها مع شار ون  و اسرائيل  وان من حقها الدفاع عن نفسها .

 

 غير ان  النقطة الاهم انه وفي سياق ذلك المشهد  الاخضاعي  ( اذا تم  اخضاع سوريا  بعد  اخضاع العراق و هي حالات و اوضاع نتمني ان تكون  القمة العربية الاخيرة في بيروت ،  مارس 2002م،   و قياداتها  قد وضعت قيدا قويا و مسافة بعيدة للوصول اليها و تحقيقها  ) اوفي ثناياه ستكون المهمة الامريكية التالية هي اعادة ادماج العناصر مع بعضها البعض وخاصة ادماج منطقة الخليج العربي ودولة بما فيه السعودية تحديدا  في ذلك التوجه وتلك الصياغة .  واذا ما تمت تلك المشاهد اعتمادا علي فكرة تكسير " الحلقات  الا ضعف " اولا ،   فعندها ستكون مصر والاردن ولربما لبنان وكذلك العراق خارج المعادلة وبالتالي ستكون السعودية هي المستهدفة  وفي وضع لا تستطيع فيه ان تقاوم ذلك الادماج .  ان ذلك الاستهداف الامريكي للسعودية وبتناغم مع  الرؤية الصهيونية يعني ببساطة شديدة  ان تقبل دول الخليج العربي  وعلي راسها وفي المقدمة منها السعودية مسالة التطبيع مع الكيان الصهيوني  ( والذي يبدو ان السعودية في طرحها مبادرتها الاخيرة تحاول لربما اما التمهيد له ان لم تكن تحاول التخفيف من الحملة الامريكية "استرضاء " والنتيجة النهائية في الحالتين في حالة عدم التحصين الداخلي  و العربي  علي اية حال واحدة )  واحياء فكرة الشرق اوسطية وبالتالي تعويم المشروع الصهيوني مندمجا مع المشروع الامريكي .  اننا امام عودة الي الاصول والاساسيات للحملة الامريكية علي " الارهاب  "  والسعودية  باعتبار ان  الاخيرة ( السعودية في الرؤية الغربية و الامريكية تحديدا )  هي " المركز للارهاب  " وهي " المشكلة "   وهي " الخطر "  علي الغرب عموما وعلي الولايات المتحدة خصوصا وبالتالي فان اعادة هيكلة السعودية او تفكيكها هي المهمة الاساس المؤجلة في  بداية الحملة لضرورات اتمام المشروع الامريكي في سياق الاحاطة الكونية وضمن تكتيك انجاز المهام مرحليا  طبقا " للحلقات الا ضعف " ولكنها المهمة الاساس الناجزة في نهاية مطاف " الحلقات الاضعف " .

 

 

 في حالة ممانعة السعودية لذلك التوجه في حلقاته النهائية وهو التطبيع ، فان الامر سيكون بالتلويح بامر اخر اكبر واكثر خطورة مما يتوقعه الكثيرون ؛  انه مشهد التقسيم والتفتيت للدولة والمجتمع في السعودية ولربما  في منطقة الجزيرة العربية كلها واعادة رسم خرائطها علي نحو اخر  .

 

 ان فكرة مشهد التقسيم والتي لابدو في عناصرها جديدة (31) ،    تقوم في توجهاتها ومرتكزاتها الجديدة ، والتي حاولنا منذ عدة  سنوات خلت  الاشارة لها ولفت انظار المعنيين من صناع قرار و مثقفين     في البلاد العربية (32) ، علي امكانية استغلال  معطيين اساسيين هما:  النفط والاسلام (الاماكن المقدسة) .ان النفط موجود بدرجة اساسية بالمشرق العربي  من العراق شمالا و مرورا  بالسعودية ومنطقة الخليج العربي جنوبا  . واما الاماكن المقدسة (الاسلام) فانه في الجزء الغربي من المشرق العربي من الحجاز (المنطقة الغربية) في غرب السعودية  بدرجة كبيرة و حتي فلسطين ( القدس ) شمالا  . و بقدر ما يتعلق الامر بالخليج العربي عموما  و السعودية بدرجة  اكبر خصوصا ،     فان مشروع التقسيم سيكون في مشهده الاحتمالي علي النحو التالي: اقامة مناطق او دويلات عازلة اولا: في المنطقة الشرقية وما يتصل بها من مناطق بترولية خاصة بامتداد الربع الخالي (  و لربما تربط بالشرق العربي من جنوب شرق الجزيرة و حتي العراق  شمالا  في مرحلة من المراحل   )   وحتي مشارف وادي الد واسر، . ثانيا: في الحجاز دولة اسلامية مفتوحة للجميع لاداء المشاعر الاسلامية وهذا الخيار الاخير و بما قد تفعله امريكا لاقناع او اكراه بعض من المسلمين و / او دولهم  لربما قد  يجد صدي عند  بعض المسلمين من الناحية الاسلامية ولربما سيكون مرحب به من قبل بعض الدول علي الاقل . و قد تسند تلك التوجهات بمدينة " القدس " مدّولة لكل الاديان بما في ذلك الاسلام  و  بحلول مفروضة  علي العرب و الفلسطينيين  ان امكن ذلك  . ثالثا: اما المناطق الشمالية والوسطي والجنوبية فانها تترك لقدرها تتطاير او تتذرذر وبالشكل الذي تريده او يراد لها اما علي شكل امارات او محميات او علي شكل ملاحق لكيانات اخري . عندها سيكون الجميع خاسر دولة ومجتمع ومناطق بما في ذلك الوضعية العربية وتلك حالة لا احد يرغب بحدوثها ولكن الرغبة شيء والعمل علي تفعيلها بممانعة جادة شيء اخر .

 

 ولعل السؤال الاكثر اهمية في ذلك السياق ، هو هل هذا المشهد التقسيمي  واحتمال حدوثه امر ممكن ام لا؟ ان الاجابة عليه باليقين امرا ليس ممكنا ولكن الاقتراب منه امرا قد لا يكون عسيرا . ان ذلك احتمال قد يحدث و قد لا  يحدث و لكن  كل المؤشرات والدلائل تشدد علي ان الولايات المتحدة الامريكية لن تترك السعودية في مرحلة ما قادمة  علي ما  كانت عليه وان اعادة هيكلة السعودية سيكون امرا قادما لا محالة وان كان مؤجلا للمرحلة الانية وهي الانتهاء من "  الحلقات الاضعف " ) .  وبينما كان   هناك من يصرح بان هناك توافق امني استخباراتي  امريكي – روسي  للتخلص من الحالة العراقية و الايرانية اولا ثم   التفرغ للمهمة الاهم  في النهاية   في  الجزيرة العربية و تحديدا   في  السعودية و" الارهاب السعودي  " حتي و ان تطلب ذلك التخلص من  انظمة الحكم القائمة و هو ما اشير الي  ضرورته في النهاية ،  فان هناك من طرح فكرة  اقامة سياج حول المنطقة الشرقية من السعودية Fencing Eastern Province    (33) .

 

 و في سياق تلك الامكانية و ذلك المشهد   علي اية حال  ،   ليتركز الامر علي  بعض من تصورها في سياق مشروطياتها : انطلاقا من تلك التلميحات و التصريحات  ،    ماذا لو  قررت الولايات المتحدة واعلنت خطوط الطول واجزاء من العرض - ( بدلا من خطوط العرض كما هي الحالة العراقية )- لشرق الد هناء وغرب الحجاز ، فمن الذي سيمنع الولايات المتحدة الامريكية من تنفيذ ذلك؟ هناك من لا يصدق او لربما لا يريد ان يصدق بان ذلك قد يكون ممكنا باعتبار ان ذلك وفي سياق المسالة النفطية السعودية والاستقرار السياسي في المنطقة لن يكون في مصلحة هذا الخيار .  ولكن في المقابل يمكن القول انه ورغم ان مصلحة الولايات المتحدة الامريكية هي في  الاستقرار السياسي للمنطقة في اطار المسالة البترولية و هي ما تراهن عليها عناصر و اطرافا عربية و غربية واهمة او متوهمة ان امريكا سوف تتركها و شانها  علي ما كانت علية   ،   فان هناك  ايضا من يري و من عناصر متنفذة  في الغرب وفي الولايات المتحدة الامريكية تحديدا -  (و خاصة في سياق الفكرة المهيمنة  بان ترك " الحالة السعودية  "علي ما كانت علية  امر لا يمكن القبول به  و  يجب معالجتها معالجة جذرية و الي الابد   ) -  انه من  الممكن و في المصلحة الامريكية تنفيذ ذلك المشروع التقسيمي وان ذلك امر ممكنا وفي اطار صياغة التقسيمات الصغيرة والضامنة للمسالة البترولية . او ليس  الولايات المتحدة الامريكية هي القوة- علي الارض  الضامنة حاليا لتلك المسالة البترولية ؟  

 

 يجب ان نقول ان المسالة ليست في تهويلها ولا في تضخيمها ولا في القول بان تلك الامكانيات لن تلقي مقاومة او ممانعة محلية او اقليمية او حتي دولية ولكن ايضا نشدد علي ان القول بان ذلك اولا :احتمال ومشهد مستقبلي ويمكن اذا ما تمت لحظة الحسم باتجاه السعودية والخليج العربي وفي سياق الادماج في المشروع الامريكي والمتناغم مع المشروع الصهيوني عندها لن تكون المسالة تخيّلية وعند هذه اللحظة لربما تلتقي الرؤية الصهيونية بالحملة الامريكية علي السعودية تحديدا كما يتصورها  الرسميون  السعوديون حاليا . اما لماذا الامكانية لتحقيق مشروع التقسيم فالامر يرتبط اساسا بعدة عناصر منها ما هو خارجي مرتبط بدوافع القوي الكبري وحلفاءها بالسيطرة علي المنطقة وكذلك بالقوي الاقليمية وخاصة في سياق العلاقات العربية العربية و طبيعة   عناصر و مكونات  القوة العربية و فاعليتها  وعدم متانتها او تمتينها ،  ومنها ما هو داخلي يرتبط بالاوضاع الداخلية تحديدا.

 

 ورغم اهمية العناصر الخارجية والتي قد نتعرض لبعض منها  لاحقا ، فان ما يهمنا هو البعد والعناصر الداخلية في امكانية تحقيق مشروع التقسيم . و نود التاكيد  بداية علي  ان ذلك المشهد وعوامله العربية و  الداخلية تحديدا  بالقدر الذي  يمس  و يفسر الحالة  السعودية و مستقبلها   فانه  لربما يقترب زيادة او نقصا من  ذلك القدر الذي يمس و يفسر الحالة العربية  لمعظم الدول العربية ان لم يكن كلها  و خاصة تلك الدول التي  تتعرض لتحديات داخلية مترافقة مع ضغوطا خارجية .

 

   بناء عليه فان ما هو داخلي  يتصل و يمس مسا جوهريا   مسالة ازمة الدولة والمجتمع او العلاقة بين الدولة والمجتمع علي ضوء عدم قدرة او رغبة تكيّف النظام السياسي او القائمين عليه وما يرتبط بذلك من مقومات لا نجاح المشروع التقسيمي وخاصة في سياق ضعف او هشاشة ما يتصل بمسالة " الاندماج  "  وغموض فكرة المواطنة وغياب الشعور بالمسؤوليات لدي الافراد والجماعات في البلد وذلك لان سياسات الدولة اتسمت بعدم التوازن من حيث التنمية وتوزيع مخرجاتها وذلك لغياب اصلا  الاشراك المتوازن في المسؤوليات  في انتاج   تلك السياسات  المتوازنة المطلوبة . وتتداخل تلك الامور مع تزايد تلك المشاكل الاقتصادية والفساد المالي والاداري في سياق  استشراء المصلحة الخاصة وعلي حساب المصلحة العامة او بفقدانها اصلا ، وكذلك مترافقة والبطالة وتزايد السكان مع عدم وجود قوانين ومؤسسات لمواجهة تلك التحديات (34).

 

 ان  كانت تلك تحديات حقيقية ، فمن الذي يمنع الولايات المتحدة اذا ما اعلنت ان شرق الد هناء من شمال الخليج الي جنوبه  ، علي سبيل المثال منطقة محظورة علي التجاوز ؟من الذي سوف يحارب الولايات المتحدة الامريكية ؟ هل ابناء تلك  الدول لديهم الاحساس  بتلك المسؤولية و يتوافرون علي القدرة والتعبئة المطلوبة ؟ ان المواطنين  في بلدان الخليج العربي و منهم  ابناء  السعودية ، لربما لا يقلون  عن اقرانهم  الاخرين  في العالم في رغبتهم في الدفاع عن بلادهم .  ولكن لكي يحصل ذلك فلابد من مقومات وتلك المقومات لا يبدو متوفرة ؛  اذ ان المواطن العادي لا يعرف بشكل عام استخدام المسدس فكيف بمقاتلة دولة كبري وتحدي قرارها ؟ الم تستطيع امريكا ان تفرض مناطق عازلة في شمال وجنوب العراق وعلي بلد هو العراق وهو يعتبر اقوي بكثير من السعودية مثلا ؟ وفوق هذا وذاك اننا امام مناطق ومجموعات لم تتولد لديها فكرة " الدمج " و "المواطنة " وبسبب من  سياسات التنموية غير المتوازنة والقائمين  عليها .  انها مناطق ومجموعات تبدو معزولة اكثر عن بعضها البعض و لدرجة ان كثيرا من الاهالي ،  افرادا و جماعات  لا يعرفون و لم يزوروا تلك المناطق او مدنها علي الاطلاق ،  بل ان هناك من لاحظ و باستغراب و تساؤل عن  ان ابناء البلد يعرفون مدنا عربية و اجنبية اكثر بكثير  من معرفتهم لمدن و مناطق بلدهم و بالتالي  فهو يري الحاجة ماسة الي  التواصل الاجتماعي و الثقافي (35) .   واذا ما تم تواصل بينها فان ذلك لبعض ضرورات العمل او المرور . وحتي المدن الرئيسية والتي تستقطب معظم سكان البلد (  وهي الرياض ومكة وجدة والدمام والخبر ) ،  فانها  ورغم انها تستقطب  مجموعات من مناطق مختلفة وتبدو ظاهريا اكثر اندماجا او دمجا  من الناحية الشكلية  ،  الا ان واقعها الاجتماعي يشير الي انها مجتمعات مسكونة بتقاسمات مجموعات غير مندمجة .  ورغم ان الموروثات الاجتماعية قد تكون مسؤولة الي حد ما عن تلك الوضعية الا ان سياسات التنموية غير المتوازنة بين المناطق والمجموعات وحتي في المدن واطرافها والرؤية الاستراتيجية للقائمين عليها بما هي منظومة  ناظمة  ضاغطة قد تكون بدرجة اكبر مسؤولة عن تواصلها وبالتالي بالتعاضد مع عوامل سالبة  لبيئة و بنية نظام  تتسم بالجمود ،  تقفان  وراء   تكّون البنية – التحتية الانقسامية ومن ثم البذرة التي قد تسهل عملية مشروع التقسيم في حالة الاصرار علي تنفيذه وفي غياب مشروع الاصلاح واستمرار مشهد الانهيار وهو ما  نعالجه و نفصل فيه تاليا  .

 

 

 

ثالثا-2:  في طبيعة  الازمة الداخلية

 ومشهد (بديل) الانهيار

 

 

ان طبيعة الازمة الداخلية ليست عارضة كما بدات وتبدو للوهلة الاولي اوانها متصلة فقط في سياق الموقف من السياسات الامريكية ذات الصلة بالحملة علي الارهاب والمشكلة الافغانية في سياقها .  ان تلك الاحداث منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001م وصاعدا وحتي هذه اللحظة --  ولربما تتصاعد مستقبلا علي ضوء التقدم علي  مسار المشروع  الامريكي في اطار " الحلقات الاضعف  " وبالذات ما يخص  المنطقة العربية –  هي بعض منها او مظاهرها وقواها المحفزة . ان طبيعة الازمة تتصل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع علي خلفية عدة محاور منها محور " الشرعية ومصادرها " ومحور "  التنمية والعدالة " و "الادماج " ومسالة  "الفساد " المالي  و الاداري  ومحور " الامن والعلاقة بالاجنبي "  ومحور " المشاركة السياسية " و ما يتصل بالتكوينات     الجديدة وصناعة القرار والميدان السياسي  و نطاقه عموما . كل هذه المحاور تتصل اساسا وبدرجة كبيرة  بمسالة " بناء الدولة " وما يتصل بذلك من مسالة   قدرة الدول والانظمة السياسية ونخبها علي التحول او التكيّف مع التحديات الداخلية والخارجية . ان واقع الدولة السعودية من حيث النظام وقدراته  وامكانياتة الحالية هو الذي يقبع وراء الازمة الداخلية او انعكاسات الازمة الخارجية (العلاقات السعودية – الغربية ومنها الامريكية وحملتها تحديدا) .

ان  العلاقة بين الدولة والمجتمع في السعودية كانت بداية وفي بداية التاسيس علاقة تقوم علي فكرة " المساهمة والمشاركة " بين الفاعليات والتكوينات الاجتماعية انذاك سواء كانت حضرية / قروية او قبلية او مناطقية من جهة وبين السلطة السياسية ممثلة بالملك عبد العزيز انذاك والذي مثل  الزعامة التاريخية ونال شرعيتها . تلك المعادلة وصياغتها كانت ترتكز علي عملية التوازن بين السلطة وتلك القوي وكانها عقد اجتماعي غير مكتوب يترك القرار السياسي وصناعته للملك والاسرة الحاكمة (المحدودة انذاك) ولكنة في نفس الوقت يترك مجالا للتوازن مع تلك القوي من حيث فكرة " المساهمة والمشاركة " علي الطريقة الخلد ونية   (36).

 

 تلك الصيغة يبدو انها وخلال العقود الخمسة الماضية عبرت عن تلك المرحلة وقواها الاجتماعية ، غير ان التحولات في طبيعة القوي الاجتماعية والمتصلة بالتحولات المادية والتحديثية ذات الصلة باثار مدا خيل  النفط بدات وكانها تتغير من طرف واحد الا وهو تشكل  و تّكون قوي جديدة بتطلعاتها ورغباتها (  رغم ما لحقها هي الاخري من تاكل او فساد او انحرافات نتيجة تعطل قدراتها او تعطيلها بسبب جمود الطرف المقابل والابعاد الاجتماعية المتداخلة معه )  ، بينما الطرف الاخر وهو المجال السياسي ولمن  الحق في  المشاركة فيه بقي كما هو دون تغير يذكر عدا لمسات تجميلية شكلية ( النظام السياسي –ومجلس الشوري –والمناطق ) وهذه الاخيرة لم تكن تتوافق وتغيرات العلاقة الجديدة المتكّونة . وخلال تلك الفترة السابقة بدا ان المعالجة المالية للامور تاخذ الحيز الاكبر من عملية تعديل  الاختلال في العلاقة علما بان ذلك ايضا تركز علي فكرة الاحتواء التوظيفي وبعض المشاريع والبني الاساسية غير المتكاملة اصلا وبشكل عام  وغير المتوازنة تحديدا وبشكل خاص علي مستوي او بين المناطق والمجموعات .

 

ومع ازمة الخليج التالية 1990/1991 وتوابعها بدات الاسئلة المجتمعية في البروز ، وخاصة من قبل القوي و الفئات و العناصر  الجديدة وسواء  كانت لبرالية او اسلامية وحتي التقليدية ، عن الامن والعلاقة مع الاجنبي وكذلك ادارة موارد الدولة وتوازنها والحاجة الي مؤسسات سياسية وقانونية عصرية .  ومع ان  تلك الازمة كانت فرصة  ثمينة لتكيّف النظام السياسي بصياغة اكثر استجابة مع تطلعات القوي الجديدة واستمرار تقدم المجتمع ككل واستقراره ، الا ان المراهنة علي الوقت كانت لها الاولوية . ومع تزايد الانكشاف الامني المتصل في العلاقة مع الولايات المتحدة وفي سياق المسالة العراقية وتواصلها وخاصة منذ 1995 فصاعدا ، بدا ان هناك توجه لتقلقل من فئات اجتماعية  وصل بها الامر الي قضية التفجيرات في 1995/1996 م .  تلك التفجيرات ورغم اعدام بعض مرتكبيها وخاصة منفذي عملية 1995، بدات تؤسس لموقف شعبي معاد للوجود الامريكي في الخليج وفي السعودية تحديدا .  ورغم ان السلطة  السعودية نفسها بدات هي الاخري تتقلقل من  تاثيرات ذلك الوجود ومسالة التدخلات في الشؤون الداخلية ( مسالة التحقيقات في التفجيرات وخاصة تفجير الخبر1996م و الذي لم تكن التحقيقات في اطاره قد انتهت حتي احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م )  وكذلك رغم  الاتفاق الناتج عن تلك التفجيرات بين السعودية والولايات المتحدة الامريكية علي اعادة نشر القوات الامريكية وتجميعها في منطقة الخرج تحديدا الا ان تلك المعالجات لم تكن لتكفي ردم الفجوة الداخلية بين رغبات وتطلعات الفئات والقوي الشعبية وبين رؤية النظام وضروراته او خياراته للتعامل مع تلك القضية  .

 

ان الحل الامني لتلك المسائل وخاصة الاعدامات للعناصر المعارضة والمتصلة بالتفجيرات لم يحل المشكلة بل ان المسالة اخذت بالتطور وخاصة بعد 1996 ثم لاحقا بعد احداث 1998 بضرب العراق والسودان وافغانستان ثم انفجار الانتفاضة ضد الاحتلال الصهيوني منذ 28 سبتمبر 2000م وما رافق ذلك كله من بعض التقلقلات علي صعيد بعض الاحداث الاجتماعية كا لمظاهرات التي حدثت في الجوف والي حد ما في جدة والرياض والدمام ( وان كانت الاخيرات قليلة في حجمها )  وكذلك اختطاف الطائرة الي بغداد . كل ذلك  -  مع استمرار الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال و الحملة الوحشية الصهيونية المتواصلة ، وصلة ذلك كله   بالسياسات الامريكية الداعمة للكيان الصهيوني بدون حدود    ، -  ادي ،  بالتعاضد مع التراجع الاقتصادي و قلة فرص العمل و تزايد البطالة وصلة ذلك بموارد الدولة و ادارتها   ،  الي تكوّن و تعزز  بيئة  تتنامي  فيها اسئلة مجتمعية مفتوحة عن تلك الاوضاع وكذلك الي  تزايد  العناصر المعارضة للوجود الامريكي ولسياساتها في المنطقة والمنحازة للكيان الصهيوني . ثم وفي اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر واتهام السعوديين بالهجمات ، بدا ان الامر يتعلق بمسالة اساسية لم يفكر فيها كثيرا الا وهي ان هناك مجموعات سعودية تجاوزت مجموعة ال1995 عددا وعدة وتخطيطا ومتجاوزة ، فوق ذلك الدولة السعودية من حيث اعطاء  الانتماء والولاء السياسي لمجموعة ومركز غير الدولة وهذه الاخيرة لا تعترف بها بل  بل و تناصبها العداء . واذا افترضنا ان هؤلاء الخمسة عشر مهاجما  بالفعل  سعوديون  – كما يبدو ان السلطات السعودية اقرت به مؤخرا   كما سبق الاشارة اليه – وكذلك ما بدا من تفاقم الازمة الافغانية و ما بعدها من اعداد متزايدة متعاطفة مع تلك المجموعة من تنظيم القاعدة وزعيمها اسامة بن لادن فان الامر يعني فيما يعنيه ، ولا يقتصر فقط علية ، ان الدولة السعودية من حيث هي "  سلطة ومركز  " سياسي تعاني بالفعل من ما يمكن تسميته ب" ازمة الشرعية " . ان الافتراق الشعبي مع الحكومة السعودية في اطار سياساتها الخارجية والمستند علي اختلالات في السياسة الداخلية خاصة في سياق انغلاق الافق  السياسي واختلالات في التنمية  وعدم توازنها خاصة بين المناطق اضافة الي مشاكل اقتصادية عامة ذات صلة بادارة الموارد بشكل عام ، قد اصبح واضحا جدا في ثنايا ازمة احداث سبتمبر 2001ومابعدها .

 

 ان الشرعية لاي نظام سياسي غالبا ما تاتي من رضاء وقبول الناس لذلك النظام وسياساته ومخرجاته . ومصادر الشرعية عادة ما ترتكز الي عدة عناصر منها الزعامة التاريخية العقيدة الدين (الايديولوجيا) والهوية وكذلك الانجازات التنموية وتوفير الحماية والامن وبشكل عام قدرة النظام علي التعامل والتكيّف مع الاحتياجات الشعبية والتحديات بكافة تجلياتها .  وحيث ان الزعامة التاريخية ( الملك عبد العزيز ) للدولة السعودية لم تعد هي الماثلة و القائمة في   المرحلة الحالية و ذلك  بانقضاء مهامها اصلا مع بداية تكوين الدولة ، وكذلك مع تغليب المصالح السياسية علي مسالة العقيدة والدين والهوية وخاصة بالانسياق وراء العلاقات الدولية وبالذات الغربية والامريكية تحديدا ، وكذلك حيث ان الدولة منذ 1990 فصاعدا بدات وبشكل مكثف تعتمد علي الحماية الاجنبية والامريكية تحديدا وبالتالي عدم قدرتها او لربما رغبتها في توفير الحماية الذاتية ، ومع تنامي عجز الدولة في اداء  متطلبات التنمية وتوازنها بين كافة المناطق والمجموعات وعلي اسس تحقق العدالة والكرامة والرفاهية للجميع وبشكل متوازن ، وكذلك مع تزايد البطالة والتي سوف تتفاقم مع تزايد السكان ، ومع انعدام الشفافية والمكاشفة تجاه تلك القضايا والمسائل ، فان ازمة الشرعية للدولة السعودية لم تعد منطقة غير واضحة . وبغياب الانظمة والقوانين المؤسساتية والتي توازن بين تلك الحاجات وتحقق الرضا والتوازن والاستقرار ، ومع سيطرة قوي ونخب مغلقة ذات امدادات عائلية (عدد من العائلات والاسر )ومناطقية بعينها (وعدد  من قري او مدن من تلك المناطق وليس بالضرورة كلها )  علي صياغة السياسيات التنموية وتوزيعات مخرجاتها وعلي نحو ياخذ في حسبانها   مصالحها هي بدرجة اساسية او امتداداتها المناطقية الي حد ما  ، فان الفساد والمحسوبية اصبحت هي الاخري مستشرية في الدولة والمجتمع علي حد سواء .  وبموازاة ذلك كله ، اصبحت المصلحة الخاصة والخاصة جدا هي معيار العمل وعلي حساب المصلحة العامة وخاصة في مرافق الدولة ومؤسساتها  . كل ذلك ادي الي انحرافات من قبل فئات اجتماعية متنامية سواء علي مستوي الافراد او المجموعات او المناطق وتلك الانحرافات بدات تاخذ اشكال متعددة  بما في ذلك الانحرافات الاخلاقية والمادية وكذلك الانحرافات في الولاءات  السياسية وتجاوز الدولة .  وحيث ان الافراد والمجموعات الشعبية ليست مشركة في العملية السياسية علي نحو واضح ومحدود بحيث  تدخل في عملية صناعة القرار وانتاج السياسات المطلوبة وتتحمل مسؤولياتها ،فانها لن تكون بمناي عن تلك الانحرافات وبالذات السياسية منها بما في ذلك  التطرف والنزوع للعنف ضد الدولة وسلطتها وسياساتها وارتباطاتها الخارجية ومنابعها الداخلية .  وبالتالي فان الازمة الداخلية ،  ان لم يتم تداركها علي نحو يقترب  مما سوف  نفصل  فيه تاليا ،  سوف   تتفاقم مع الوقت ولربما تعجل بنمو بذرة الانهيار وبروز مشهدة .

 

 

ثالثا-3: الاحاطة بالازمة
 الداخلية و الخارجية:
 بديل الاصلاح
 

 

ان جوهر الازمة بين الدولة والمجتمع يرتبط كما اسلفنا بانغلاق الافق والنطاق السياسي للنظام في وجه القوي والفئات الاجتماعية والشعبية وما ولدته تلك الحالة من افتراق بين الطرفين  . ان معالجة الازمة الداخلية لا تتم من خلال المعالجة لبعدها الخارجي مع الغرب بمزيد من الاتساق معه وهو ما يعمق ذلك الافتراق و  يزيد ازمة الشرعية للنظام تعقيدا، وليس عن طريق الحلول الامنية والقسرية ومحاولة المراهنة علي الوقت بمعالجات وقتية وظرفية . ان معالجة الازمة الخارجية وكذلك الازمة الداخلية تتجه جوهريا الي  الاحاطة بمسالة ذلك الافتراق و ما يتطلبه   بالفعل من الاتجاه  الي اصلاح الدولة واعادة بنائها بصياغة جديدة للابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية.

 

ان  نظريات التنمية السياسية بكافة تياراتها وتشعباتها (مدخل بناء الدولة القومية، ومدخل معضلة الخيارات ومسالة التحديث والاستقرار السياسي ومدخل قوة وضعف الدولة) تؤكد جميعها ،  و برغم الملاحظات عليها ،   ان قدرة النظام السياسي لاي دولة علي الاستمرار والبقاء والارتقاء بالمجتمع ومقدرا ته ، تقوم علي قدرة ذلك النظام والدولة علي التكيّف مع التحديات الداخلية والخارجية  وضروراتها .  كل ذلك مرهون بمرحلة من المراحل بقدرة ورغبة النخب الحاكمة علي المضي في ذلك الاتجاه وليس الوقوف عند فكرة اللحظة التاريخية لتولد ذلك النظام باعتبار انها وصياغاتها فكرة خالدة او يجب ان تستمر كذلك .

 

ان  ادارة البلد وعلي الطريقة التقليدية حتي وان استندت الي  تكنوقراطية و  بيروقراطية  تبدو حديثة- لم تعد تناسب والتغيرات المجتمعية المحلية وكذلك المعطيات الدولية والاقليمية المحيطة . كانت تلك الادارة مناسبة لربما  لفترة ما قبل نهاية الثمانينيات من القرن الماضي اما ومنذ العقد الاخير للقرن الماضي وبدرجة اكبر منذ دخولنا الالفية الثالثة فان تلك الادارة ليست فقط غير مناسبة بل ان استمرارها يشكل عبئا وتكلفة باهظة ليس علي القائمين عليها فقط وانما علي البلد دولة ومجتمع . ورغم ما يقال عن ديموقراطية الصحراء لتلك الادارة ومجالسها فان تلك لم تعد تمثل الاطار المناسب و كذلك  فان مرتادوها هم في الغالب من كبار السن وليس من الاجيال الجديدة والذين قد لا يجدون فيها الخلاص . ورغم الجانب الانساني في تلك المجالس بان يقابل اعلي قيادي في البلد مواطنيه (وبعض منهم بشكل دوري كما هي الحال مع سمو ولي العهد الامير عبد الله) فان الامر لا يخلو من اثار سلبية في الوقت ذاته ، ذلك ان عدد من الذين يرتادون تلك المجالس غالبا هم من كبار السن والشيوخ والذين ياتون من اماكن بعيدة للبحث عن حلول لمشاكلهم والتي لو وجدت الاليات والاجراءات والمؤسسات المركزية والمحلية ذات الصلاحيات والاطر القانونية، لما كان لهذه المعاناة ان تحدث وتستمر . اضف الي ذلك حقيقة بشرية و هي  عدم امكانية و قدرة  ان تستطيع القيادة ،  اي قيادة مهما اوتيت  من قدرات و رغبات في ذلك الاتجاه (رغم احتمال وجود مستوي عال من  الرغبة  في ذلك)ان تحل مشاكل افراد المجتمع وفئاته بهذه الطريقة والتي ايضا ،   ان وجدت  ،   قد تبقي اسيرة للحاجب والوسيط والذي يتحكم بمن يدخل ومن لا يدخل ثم بعد ذلك للشارح والمنفذ والمتابع وكلها حلقات يصعب التحكم بكفاءاتها وبالتالي اضعاف تلك الاخير عموما لدرجة انها تولد نقيضها من حيث عدم قدرتها علي الاستجابة لتلك الحاجة الاجتماعية العامة و بالتالي  تصبح     فعليا غير ملائمة .

 

 ولحل الازمة الداخلية في السعودية -  و لربما في البلدان العربية الاخري المماثلة قياسا -  وبما هي علاقة بين الدولة والمجتمع فان المخرج هو بديل الاصلاح  والذي يتطلب التفهم و امعان النظر فيه من قبل المعنيين ببقاء الدولة والمجتمع علي حد سواء . وحيث ان بديل الاصلاح يتطلب اصلاح بنية الدولة واعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع علي اساس تكيّف قدرات النظام في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، فان الاليات يحتاج الي  تحديد الخطوط العامة  للاصلاحات المطلوبة في تلك المجالات .

 

ثالثا-3-1: في المجال السياسي

 

يجب الانطلاق من فكرة جوهرية وهي الانطلاق من المواطن نفسه و اعادة الاعتبار اليه  و الثقة فيه بحيث يكون الاساس  و الجوهر هو  اشراك المواطن في الحكم بمعني ادخال المواطن الي دائرة الحكم وصناعة القرار بدلا من يكون خارجها كما هو حاليا. تلك تقتضي معالجة مسالة المشاركة السياسية وهذا يتطلب ايجاد صياغة حقيقية لفصل السلطات (التشريعية،والتنفيذية،والقضائية) منطلقة من قيام نظام دولة ملكية دستورية بحكومة رئاسية وهذا يعني وبما يضمن بقاء و استمرار  الملك علي قمة هرم الدولة وهو ما يعني او لربما التاكيد علي بقاء الاسرة السعودية باعتبارها القوة الاعلي في هرم قيادة وادارة هذه الدولة .  وهذا يعني او لربما امكانية كون  الملك ستكون له سلطات سياسية اصيلة واضحة تعطيه الحق الدستوري عن طريق"الارادة الملكية"في تكليف تشكيل الحكومة او  اقالتها اذا  لم تنسجم مع السلطة التشريعية والقيام بمهامها  "اي برنامجها الحكومي"   بحيث تكون الحكومة اصلا مسؤولة امام السلطة التشريعية بحيث يمكن للاخيرة من التصويت علي الحكومة بالثقة من عدمها وبمحاسبة الوزراء وكذلك المساءلة القانونية ومناقشة الميزانية والمصادقة عليها انها رفضها . واما من يكون الملك وهو رئيس هذه الدولة فهذا امر يترك " للاسرة السعودية " وقد يكون من المناسب ان يقوم" مجلس الاسرة  " -  والذي يفترض ان يتشكل بّالية ترضي الاغلبية منها او انها تتوافق عليها-  بعملية اختيار الملك. وتلك العناصر السابقة واللاحقة يجب ان ينص عليها دستور محدد النصوص وبموافقة  شعبية عليه"استفتاء شعبي  "  ثم يربط ذلك الدستور للمراجعة سواء   بالتعديل او  الاضافة او الحذف  فيه  بالسلطة التشريعية باعتبارها صاحبة الصلاحية في تلك الامور  .

 

 وتلك السلطة التشريعية والتي تاتي عن طريق الية الانتخابات هي المؤسسة التي يتم من خلالها اشراك المواطن في الحكم وصناعة القرار . والسلطة التشريعية تلك يمكن ان تتكون من مجلسين بحيث يمكن ادخال القوي الاجتماعية الجديدة والشعبية وكذلك ايجاد التوازن مع القوي الاجتماعية التقليدية والاعيان والمشايخ وبعض الاقليات والعلماء . ولاتمام تلك العملية فان مجلس الشوري الحالي يتطلب التطوير الي سلطة تشريعية اصيلة وتحويلة الي مجلسين ؛  ، مجلس شوري منتخب للشعب  و اخر  للاعيان . ويمكن للاخير ان يتم اختيار اعضاءه بالتعيين بحيث يضمن دخول تلك القوي التقليدية ومن في حكمها من اجل الموازنة وكذلك للاحاطة بالمسالة الاجتماعية  .

 

وفي سياق تطوير مجلس شوري منتخب لربما هناك من يثير مسالة التخوف او التخويف من الابعاد القبلية والطائفية وكذلك الاشارة الي عدم وعي الشعب في تلك الاتجاهات . وتلك حجة ليست قوية اذ ان بعض البلدان العربية (لبنان – الاردن- الكويت- اليمن-) وكذلك الافريقية وحتي في الهند ومناطق اخري اتاحت المجال للانتخابات رغم التنوع القبلي او الطائفي والعرقي ولم تتعطل العملية السياسية . فوق هذا ، فاننا نزعم ان القبيلة  ،  كمؤسسة ناضمة مهيمنة علي و  محركة لمن ينتمون اليها ،    في السعودية  قد ضعفت وضعفت بدرجة كبيرة .  وهذه الوضعية تنسحب علي   كافة القبائل في السعودية وان كانت بنسب متفاوتة اذ هي بالشمال اضعف منها في الجنوب والوسطي. و بغض النظر عن الفوارق تلك و اسبابها  (ولعل هذه النقطة الاخيرة  بما هي ظاهرة تحتاج الي  اعمال النظر و الدراسة المعمقة لها )  فان فاعلية القبيلة في السعودية لم تعد واضحة الا في مسالة الانتساب الاجتماعي وحل بعض المشاكل مثل الديات وتلك الاخيرة ليست اساسا مسالة سلبية بل انها قد تكون اضافة في اطار بعض التكوينات  للمجتمع الاهلي .

 

ومهما يكن من امر فان فاعلية  القبيلة من حيث حركتها السياسية ومدي تحكم شيخها في تلك الحركة لم تعد محسوسة تماما . كذلك فان القبيلة من حيث هي بنية ذات نظام سياسي واجتماعي وقانوني "عرف" و ديناميكية  في اطار الحمي "الاقليم" والغزو باعتبار الاخير احد وسائل الحياة والعيش لم تعد قائمة ابدا ذلك ان الدولة اصبحت ليست فقط المنافسة بل المهيمنة خاصة وان الاخيرة هي المتحكمة بالموارد بكافة عناصرها .  اضافة الي ذلك فان الانتخابات ومسالة البعد الاجتماعي منها انما تحتاج الي مزيد من الولوج  باعتبار ان تلك  تجربة تحتاج الي المساهمة في انضاجها . ان ذلك  يتطلب البدء فيها وليس الانتظار لانه ليس هناك نقطة نهائية للقول بالوصول عندها . اضف الي ذلك كله ان تلك المخاوف يمكن تحييدها عن طريق اليه ايجاد المجلسين  لكي تعطي  الفرص المتوازنة لتلك القوي التقليدية مع القوي الاخري  وذلك من خلال مجلس "شوري" الاعيان وعن طريق التعيين لنسبة ما من اعضاء  ان كان ذلك ضروريا و خاصة في المراحل الاولي من العملية السياسية بصيغتها  الاصلاحية  .  اضافة الي ذلك كله فان هناك من يري وبناء علي ملاحظة التجارب العالمية تاريخيا وحاضرا بان التركيب القبلي او الطائفي لم  يكن  عائقا تجاه التحول الي المشاركة السياسية الانتخابية ذلك ان التوازنات القبلية بحد ذاتها و هي في سياق الندية  والمساواة ستعمل علي موازنة بعضها البعض وبالتالي قد تكون دعامة قوية ضد الطغيان والاستبداد ذاته (37) .

 

 

اضافة الي السلطة التشريعية بشقيها (شوري الشعب والاخر للاعيان) فان الحكومة (السلطة التنفيذية ) يجب ان تشكل دائما بناء علي اتجاهات الانتخابات في السلطة التشريعية ويكلف الملك الشخصية سواء احد الامراء او احد ابناء الشعب ويفضل الاخير وذلك بما يعفي الاسرة من مسؤوليات وتبعات اخفاق الحكومة وادائها التي تشكل الحكومة من المجموعات او القوي او الكتل الاكثر وزنا (عدد المقاعد ) داخل السلطة التشريعية لمجلس الشوري         المنتخب .  ويغض النظر عن من يراس الحكومة فان تشكيل الحكومة يجب ان يربط ببرنامج محدد ومسؤولية قانونية امام مجلس شوري الشعب و الاعيان  بحيث يمكن التصويت علي الحكومة وبرنامجها بالثقة او سحبها ومساءلة الوزراء ومحاسبتهم وكذلك مناقشة الميزانية والموافقة عليها او رفضها. وفي حالة تشكيل اي حكومة سواء في اعقاب الانتخابات التشريعية او في حالة احلال حكومة بدل اخري نتيجة التصويت  والاخيرة يجب ان تقدم استقالتها  امام الملك فان ذلك يستند الي صدور ارادة  ملكية  وبخطوط عامة للبرنامج الحكومي والذي يتحدد لاحقا بشكل تفصيلي لاقراره من السلطة التشريعية .  ويمكن التاكيد علي ان يحتل بعض المناصب الوزارية عدد من افراد الاسرة السعودية وخاصة بعض الوزارات السيادية ( مثل الداخلية والدفاع والخارجية )  وعلي نحو متعارف عليه والي فترة تشعر فيها الاسرة بنوع من الاطمئنان بان الاصلاح لا يستهدف الاقصاء وانما يستهدف التطوير وتمتين العلاقة بين الدولة والمجتمع بحيث يكون الاخير جزء ومركب اساسي من اساسيات النطاق السياسي واتخاذ القرارات ومصدر مشروعيتها .  وفي حالة التوجه الي هذا البديل الاصلاحي فانه علي مستوي برنامج الحكومة، فان مكافحة الفساد بكافة اشكاله وتجليا ته  ، --  باعتبار ان الفساد اصبح سرطانا يشمل الجميع ولا يستثني احدا  تقريبا  وخاصة في الابعاد  المالية والادارية والمحسوبية وكذلك  التاكيد علي تغليب المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة -- ،   يجب ان تحظي باولوية قصوي لاي حكومة بهذا الاتجاه .

 

ارتباطا  ببديل الاصلاح في بعدة السياسي والذي يرتكز علي فكرة قيام نظام ملكي دستوري رئاسي وهو ما يعني تنمية سياسية مطلوبة للتكيّف مع التحديات الخارجية والداخلية فان قيام نظام وسلطة قضائية مستقلة يعتبر من مكونات ذلك البديل واركانه الاساسية .

ان هذا يعني فيما يعنيه  قيام وايجاد نظام قانوني دستوري يحدد تلك السلطات والاختصاصات وعلاقاتها وبما يؤكد علي سيادة القانون والذي يتمحور حول الانسان وكرامته وحقوق الافراد وحرياتهم الاساسية في مقابل الواجبات الملقاة عليهم . ولكي يصار الي هذا النظام القضائي فيمكن الدمج بين المصادر التشريعية الاسلامية باعتبارها المصادر الاساسية ولها الاولوية  وبين المصادر القانونية الانسانية و تلك الاخيرة اصبحت ضرورات الحياة تحتاجها ولا تقوم بدونها ولا تتعارض بالمطلق مع الاولي .

 

 وفي سياق تلك المسالة وتحقيقها فان هناك حاجة ماسة الي اعادة هيكلية وتاهيل الطاقم القضائي كاملا بحيث يجمع بين متطلبات الشريعة وضرورات القوانين العالمية وان يكون لدي القاضي المام قانوني فقهي اسلامي وعالمي مقارن . وفي هذا السياق يؤكد علي مساهمة كافة العلماء والمشايخ من كافة المدارس والمذاهب الاسلامية في تلك المؤسسات القضائية وبما يعني الانفتاح علي المذاهب الفقهية الاخري وان لا يكون حكرا علي فئة او مدرسة فقهية بعينه .

 

 وينطبق هذا علي التوجه بالانفتاح الديني علي كافة الاتجاهات العامة بحيث يمكن للمواطنين من مختلف المدارس والمذاهب الفقهية المساهمة في المسالة الدينية وشعائرها بما في ذلك مهام الدعوة والارشاد وكذلك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك في امامة الصلوات و خاصة في  قائمة  ائمة وخطباء المساجد وبالذات الجمع . ان تلك الاصلاحات القضائية و الدينية ذات الصلة  في سياق بديل الاصلاح وخاصة وجود نظام قضائي دستوري متطور ومنفتح هو  ايضا اصبح  من متطلبات التوجهات العالمية وخاصة فيما يتعلق بتسهيل انظمام المملكة الي منظمة التجارة العالمية والتي تشترط اساسا حدوث اصلاحات جوهرية في تلك الابعاد وبما يضمن الحقوق والممتلكات للمستثمرين ويسهل من مهمتهم ، قبل قبول  الانظمام  .

 

 

 

 

 

ثالثا-3-2: في المجال الاقتصادي

 

ورغم ان هذا مرهون بعمل الحكومة وبرنامجها الحكومي لفترة عملها فان التاكيد هنا يكون علي التشديد علي مسالة التعامل مع قضية التنمية الاقتصادية وابعادها كافة بما يحقق العدالة الاجتماعية والرفاهية والتقدم والكرامة للجميع افرادا وجماعات ومناطق وهذا يتطلب ان تعاد صياغة اولويات التنمية والخدمات المتصلة بها(تعليميا-اجتماعيا-صحيا-مائيا-زراعيا..........الخ)  بحيث يكون هناك توزيع عادل ومتوازن للموارد وان تتاح الفرصة الكاملة والمتساوية لابناء البلد ومناطقها للحصول علي تلك  الخدمات والحاجات من خلال ؛ اولا، توزيعها علي المناطق وليس حصرها في مناطق او مدن منها بعينها والذي يعني ،  في حالة استمرار انحرافها كما هي عليه  الان  ،   هو مزيد من التشوهات الاقتصادية والاجتماعية وبما يزيد من الهجرات من مدن ومناطق بعينها وبما يراكم مشاكل ومتطلبات لا تستطيع معها تلك المدن اصلا ولا اجهزتها سواء خدماتية او امنية علي  السيطرة عليها .وثانيا اشراك المواطن علي مستوي الدولة المركزية و علي مستوي المناطق والمحافظات والمراكز بعملية صياغة السياسات التنموية ومخرجاتها وتقويمها .  وفي هذا السياق فان وجود لامركزية في مسائل المالية والصلاحيات في اتخاذ القرارات علي مستوي المناطق قد يكون هو الخيار الافضل مع توفير قدر كاف من الموارد المالية للمناطق حسب احتياجاتها التنموية حتي تصل الي درجة معقولة من التوازن مع المناطق الاخري ثم تصبح المسالة لاحقا حسب الاحتياجات النسبية لكل منطقة .

ان الاختلالات التنموية بين المناطق وخاصة التدني  في مستوياتها  في المناطق الجنوبية والشمالية هو الذي يفسر الي حد ما نزوع بعض الافراد والجماعات من تلك المناطق الي العنف او تجاوز الدولة وهذا الربط بدات تلحظه حتي المصادر الغربية .  ورغم ان الدولة وقياداتها وخاصة بتوجيهات الامير عبداللة تحاول منذ اكثر من سنتين توجيه الاهتمام الي تلك المناطق وبالذات الجنوبية علي اثر انتشار حمي الوادي المتصدع (38) ،   وبدرجة اقل الشمالية ، فان الامور لازالت تسير ببطء . ان حالة نزوع الافراد الي العنف نتيجة الفقر والافقار والاختلالات الاقتصادية لا يجب ان ينظر اليها في بعد التظلم الفردي للفقر والافقاروتلك حالة وان كانت عامة (39)،   الا انها وفي سياق الربط بالتظلم الجماعي او المناطقي –قد تكون هي المحرك لذلك النزوع العنفي حتي وان كان بعض الافراد المنخرطين فيه من  موسري الحال .  وفي سياق المعالجة الاقتصادية فان معالجة البطالة والتوظيف والديون وتطوير ادارة موارد الدولة يجب ان تحظي باولوية قصوي لحكومة الاصلاح   .

 

 

 

ثالثا-3-3 : في المجال الاجتماعي :

 

وفي المجال الاجتماعي هناك حاجة ماسة لتطوير قوي ومكونات المجتمع الاهلي في كافة الفضاءات والاشغالات الاجتماعية وان لاتربط بتشكيلات رسمية  او قيود  وبما يعني ويضمن انهاء الوصاية الفوقية علي تلك التكوينات (الجمعيات) الاجتماعية بحيث يمكنها القيام بمهام واد وار اصبحت الحاجة اليها في هذا العصر وفي سياق تقديم خدماتها في كافة المجالات التنموية المعنوية والمادية لكثير من الافراد والمجموعات –ضرورة من ضرورات الحياة والعيش المشترك خاصة مع تراجع قدرات الدولة في تقديم تلك الخدمات ومع تزايد الادوار والمهام للقطاعات الخاصة الاهلية في كافة الدول وبما يتماشي  واتجاهات العولمة وتحدياتها . ان ذلك التطوير والتفعيل لمكونات المجتمع الاهلي في كافة الفضاءات والاشغالات الاجتماعية يعني فيما يعنيه وبدرجة جوهرية تفعيل جمعيات اهلية مستقلة للانسان في مجال الحقوق والحريات وكذلك البيئة والصحة والاستهلاك الي جانب  وجود جمعيات رسمية او حكومية  .ان اعلان الحكومة السعودية منذ اكثر من سنتين  عن تشكيل جمعيات حقوق انسان اهلية ورسمية خطوة في الطريق الصحيح والتي يجب ان يؤكد عليها مرة اخري ولكن بشكل يتطلب فكرة اكتساب المشروعية الاهلية والقانونية وذلك بان يشرع لها ،   من قبل " السلطة التشريعية "  المتكونة في سياق بديل الاصلاح ،  وبما يحدد مهامها  او ضوابط عملها انطلاقا من صدور "تشريع" او قانون لتلك الجمعيات وقوي المجتمع الاهلي . وفي سياق الاصلاح الاجتماعي،   يجب التاكيد علي مراجعة جدية و حقيقية  لا وضاع  و ادوار  المراة   في العملية  التنموية بكافة ابعادها وكذلك في الابعاد الاخري ذات الصلة من العملية الاصلاحية

 

 

ثالثا-3-4 : في المجال التعليمي

 والثقافي والاعلامي

 

اضافة الي ما تقدم من عناصر " بديل اعلان " فان علي الحكومة وبرنامجها الحكومي ، اعادة هيكلة التعليم والانفتاح علي التعليم الحديث ووسائطه وتقنياته والاطر الفكرية من الاسلامية الي العالمية ذات الوجوه الانسانية مع التاكيد علي الهوية العربية الاسلامية في هذا التوجه.  وفي سبيل المضي قدما في تحقيق هذا التوجه ، فان الامر ايضا يتطلب ويحتاج الي اعادة تاهيل شبه شامل لكافة الكوادر التعليمية وخاصة في مستويات التعليم مادون الجامعي وحتي الابتدائي بحيث تكون الكفاءة والالتزام باخلاقيات العمل والعلم هي الاساس للعمل في المجال التعليمي والتربوي . ان علي الحكومة في سياق برنامجها الحكومي المتصل بالعملية الاصلاحية التربوية  العمل علي  تفعيل كافة  القطاعات الانتاجية  بما يتوافق  مع ان   تكون الدورة التعليمية  ذات مخرجات  متنوعة وعصرية  تدخل في كافة العمليات  الانتاجية و ليس كما هي الان  دورة مقفلة يعاد انتاجها لامتصاص بعض من البطالة  و التي تدور في حلقة مفرغة بتركيزها علي استيعاب مخرجات الدورة التعليمية في القطاع التعليمي نفسه ( العمل كمدرسين او مدرسات )  او في الوظائف الحكومية و التي يبدو انها تجاوزت  درجة التشبع   الي التخمة المفرطة و التي وصلت الي عدم القدرة علي المضي في تلك العملية الاستيعابية  و التي ستنعكس سلبا  باعادة انتاج البطالة مرة اخري  . طبعا هناك مخرجات متنوعة بعض الشيء في الدورة التعليمية في حلقاتها العليا ،  و لكن يلاحظ انه و باستثناء بعض من التخصصات  ،  خاصة العلوم الطبية ،  فان معظم الخرجين و الخريجات من كافة التخصصات   من الجامعات يبحثون عن عمل في القطاع التعليمي ( التدريس ) او في الاجهزة الحكومية  .  اضافة الي ذلك هناك حاجة ماسة للتوسع في القطاع التعليمي الجامعي و التطبيقي  الرسمي  و  الاصلاح مع التاكيد علي رفع القيود علي مثل تلك التوجهات و التركيز بدرجة اكبر علي المناطق  الاخري  والتي لازالت تعاني من نقص في المجال التعليمي و خاصة الجامعي منه .

 

 ولعل الخطوة الاخيرة  ( الامر الملكي في 24-3-2002م )  التي اقدمت عليها القيادة السعودية بدمج الرئاسة العامة لتعليم البنات  بوزارة المعارف خطوة تمثل  محاولة للتعامل مع معضلة التعليم و اعادة هيكلته  في سياق الانفصام الذي كان قائما  بين المؤسسات التعليمية للبنين و للبنات  و ما يتصل بالازدواجية غير المبررة في المجالات الادارية و المالية و المنهجية . ان كانت تلك الخطوة تستهدف اعادة هيكلة التعليم بحيث يحقق قدرا عاليا من  تمتين مستويات التعليم  وجودة عالية  لا دارة  الموارد في تلك المجالات ،  فان ذلك يعتبر خطوة في الطريق الصحيح  لكنها تحتاج الي التعزيز في السياقات التعليمية الاصلاحية الاخري . و ان كانت تلك  الخطوة تستهدف  التمهيد لتعديلات في المنهجيات  للتعامل مع الضغوط الخارجية الغربية و الامريكية تحيدا  فان ذلك لا يبدو ينظر الي اعادة هيكلة  التعليم باعتبارها  احد متطلبات  بديل الاصلاح    لمعالجة الازمة الداخلية  . 

 

 

   وفي السياق الثقافي العام فيجب ان يكون هناك انفتاح ومكاشفة وشفافية  مع النخب الفكرية والمثقفة والمتعلمة في البلد بحيث تكون الاخيرة قادرة علي المساهمة في بناء الدولة والمجتمع والامة وان تتجاوز القيود المفروضة عليها في سبيل تلك المساهمات سواء علي مستوي الداخل ام الخارج وفية وفي درجة هامة النطاق العربي . وفي سياق المسالة الثقافية  ومساهمة المثقفين فانه من المثير للملاحظة ان هناك شبة انعدام للمؤتمرات والندوات عن القضايا الملحة داخليا (40). واذا وجدت فانها وفي سياقها الرسمي  ،  غالبا ما  تفتقر الي الهامش المطلوب للراي الاخر . واما بالنسبة لمشاركات المثقفين والمفكرين في النشاطات الخارجية وخاصة في المنطقة العربية فانها تخضع لقيود صارمة وتتطلب الحصول علي موافقات رسمية والتي غالبا ما تتاخر او تاتي بالرفض . ولعلة من المفارقات العجيبة ان هذا البلد يحتضن  طاقات وكوادر متعلمة مثقفة لربما قل نظيرها في كثير من البلدان العربية وذلك في كافة التخصصات ولكنها ولعدم قيامها بمهامها وتعطيل فاعلتها ادي بها الي غيابها بل الي تراجع في امكاناتها ومخزونها المعرفي والثقافي مع مرور الوقت .  ولعلة من المثير للملاحظة وغريب الامور ان تجد عناصر في البلد  ممن يشيرون الي مواقف  المثقفين والمفكرين الاخرين وهم عادة من العرب اوالاجانب باعتبارها مواقف سلبية تجاه السعودية وان تلك المواقف تمثل نوع من الحسد او الحقد ...الخ . ان تلك المسالة وان صحت جزئيا ليست صحيحة علي الجملة وان ما فيها من صحة مردها ، ايضا ، عدم اتاحة الفرصة للمثقفين من البلد للقيام بمسؤولياتهم من حيث المساهمة والمشاركة والحوار مع اولئك المثقفين وبالتالي تبديد الصورة  النمطية  عن الانسان والدولة والمجتمع في السعودية ان وجدت .

 

 وفي الجانب الثقافي الاعلامي ، فيجب ان تكون هناك مكاشفة وشفافية تجاه الراي العام وبالتالي انفتاح الصحافة وتوسيع ان لم يكن اطلاق هامش الحرية لديها بحيث تتسع للراي والراي الاخر وان تكون احد وسائل وادوات اطر اتاحة المعلومات وطرح ومناقشة القضايا الملحة محليا وعربيا ودوليا في كافة المجالات ، خاصة وان الامر لم يعد يحتمل في ضوء وجود بدائل وقنوات ومساحات وساحات للمناقشات والحوار وتبادل المعلومات وايصالها للمواطنين من الاعلام العالمي والاقليمي والعربي ووسائل الاتصال الحديث المتصل بشبكة المعلومات العالمية الانترنت وفضائياتها غير المحدودة وكذلك القنوات الفضائية ...الخ .

 

ان القاء نظرة علي الاعلام المحلي سواء المرئي او المكتوب وخاصة واقع الصحافة السعودية يبين انها تعيد انتاج نفسها في كل منطقة بحيث انك لاتحد من الفوارق الا ما تعلق بمحليات  المناطق تحديدا ، اما الخطوط العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمتصلة بالشان العام المحلي فان قراءة صحيفة واحدة تكفيك عناء الاطلاع علي البقية.

 

  ولعل الاكثر وضوحا في كل ذلك هو انعدام الراي الاخر انعداما يكاد يكون كاملا – رغم وجود اقلام ومواهب وكوادر تمتلك مقومات التحليل والنقد والتقويم والتعامل مع الافكار الجديدة والمستجدة – وذلك بسبب من معوقات العمل وخاصة انعدام او الضيق الشديد لهامش الحريات .  ان ذلك  يؤدي الي حجب او تغييب تلك الامكانات والعناصر الثقافية والمعرفية واصحابها ويضطر بعض منها الي النفاق السياسي والرؤية الاحاديه شديدة – الانغلاق وبالتالي يفسح المجال فقط و فقط  لاؤلئك من الكتاب والذين لا يرون غضاضة في التماهي مع تلك التوجهات والمساهمة في استدامتها علي نحو قد يساهم جهلا او عمدا في تواصل امكانية بروز مشهد الانهيار.

 

ان الراي الاخر سواء علي مستوي الثقافة والمثقفين والمفكرين في نطاق الندوات والمؤتمرات والمساهمة فيها ام علي مستوي الاعلام المقروء والمكتوب وفي المسموع يجب ان يعطي الفرصة والضمانات المشروعة بان يؤدي دوره منظور اليه ليس علي انه هدام او معارضه هدامة كما هو شائع في عقول من هم ينتسبون الي الحقول  والقوالب والحقب الماضية ،  وانما يجب ان  ينظر اليه علي انه راي مختلف يقدم قراءة مختلفة ولربما يشكل علي هذا النحو ،  وحسب مقولة وليم زارتمان دعامة للحكم(41) اكثر من اولئك الذين لا يستطيعون الا ان يقدموا القالب والرؤية الا حادية و والواحدة  والتي تتماشي مع ما يعتقدون انه الخط العام المقبول . ان الاختلاف في الراي والنقد هو الذي يبين السلبيات ويطرح والخيارات ؛  واما الراي الواحد المماشي (الذي لا يستطيع طرح مناقشة الا قضايا ومشاكل الخارج بما فيها مشاكل البلدان العربية من حيث حقوق الانسان ومشاكل الاقليات والاستبداد السياسي والاخفاق والاقتصادي ،  ولكنه  لايريد او لايقدر ان يتعامل مع تلك القضايا علي مستوي الداخل ) ،   فانه وان كان يري بام عينيه المخاطر والحفر والمزالق فانه اما لايستطيع او لايريد ان يقول ذلك ، انه دائما راكبا للسفينه العمومية  وزاعما الولاء لها محرضا علي استعداء الراي الاخر علي طريقه كسب مزيد من الود والترقي .

 

لعل من المثير للملاحظة والاستغراب ان فالراي فلاخر في مستواه فالاقصي  محارب كما تمثلها  بشكل صارخ حالة ما تعرض له مؤخرا الشاعر عبدالمحسن المسلم من مساءلة واعتقال في السجن بسبب قصيدة " المفسدون في الا رض "  و التي ينتقد فيها بعض القضاة و نشرها في صحيفة " المدينة " في 10-3-2002م ،    و كذلك اقالة رئيس تحريرالصحيفة نفسها ( محمد مختار الفال ) بسبب نشرة لتك القصيدة( 42). ان تلك المعالجات القاسية للراي الا خر ،  و هي ليست حالات معزولة علي اية حال ،   تعيد دوامة السياسات الامنية و التي لا  تزيد الامور الا تعقيدا ،   بل  انها تساهم  بانتاج  دوامة التطرف  و تزيد من اتساع  دائرة المعترضين  علي الدولة و سياساتها  و بما ينعكس سلبا علي علاقة الدولة بالمجتمع و يفاقم من ازمتها بدلا من حلها  . ان مثل تلك الحادثة  و مثيلاتها  و التي لا تبدو معزولة و محدودة ،    تثير الاستغراب حقا ،  ذلك ان هناك عناصر في اجهزة الدولة تساهم  بجهل ام بوعي  في خلق الا عداء  للدولة  و تلك مفارقة يجب ان يعاد النظر فيها  لانها لا تزيد الازمة الداخلية الا تفاقما .

 

       و لعل الا كثر غرابة و اثارة للملاحظة في سياق التعامل مع الراي الا خر انه ليس فقط محارب و  مغيب بل و انما   فوق هذا و ذاك  منكر عليه صمته و  ابتعاده عن  الساحة الاعلامية والثقافية في اطار قياساتها وقوالبها وحدودها القائمة ، وقد يصل الامرالي ابعد من ذلك بان يثار صراحة او تلميحا الي  فكرة  تخوين اولئك الصامتين واثارة الشكوك حول وطنيتهم . ان تلك الحالة والوضعية الثقافية سواء علي مستوي الثقافة العامة ام علي مستوي الا علام وبما هي وضعية متدنية او مفقرة وشديدة الضيق بالراي الا خر عكست هي الاخري جانب من ازمة الدولة والمجتمع في السعودية علي محور الثقافة والمثقفين .

 

  و مع تلك الازمة الثقافية بانسداد الا فق الثقافي  امام المثقفين والمفكرين – ( اذ لا ند وات ولامناقشات ولاحوارات وقليل جدا من معارض الكتب والفعاليات الثقافية حتي في الجامعات  ومؤسسات التعليم العالي والتي وصلت الي حالة يمكن توصيفها بانها تمثل مدارس ثانوية كبيرة لااكثر ولا اقل) -  فقد افضي ذلك كله الي  ان تري اعداد متزايدة من المثقفين والمفكرين من  السعودية يطرقون الساحات العربية ( بيروت والقاهرة والبحرين ،ودبي والدار البيضاء ) بحثا عن الفكرة والكتاب ومعارضها وندواتها والكتابة في وسائلها والثقافية والاعلامية وحتي العيش فيها لما تتيحة بعض منها من بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية ذات هوامش للحريات او سع وار حب من تلك البيئة التي ترعرعوا فيها والتي بداوا يشعرون بالاغتراب  معها  . و مع تلك البئية الطاردة ،   فانك امام موسم دائم "لهجرة الطيب صالح للشمال " ،   ونضيف عليها بعض من  حلقاتها الجديدة الخليجية والمغربية .

 

 وحتي تلك الهجرة و طرق  ساحاتها الثقافبة العربية محفوفة ببعض المخاطر اذ  لاتخلو من توترات ازمة الدولة والمجتمع في سياقها الثقافي ، ذلك ان اعداد من المثقفين يتعرضون بين الحين والاخر لمضايقات لاتخلو من غرابة ومفارقة في نفس الوقت . فاما الغرابة فيها فان من يمارسها هم عناصر واطر لاعلاقة لهم بالثقافة ولربما يتجاوزون بها حتي الانظمة واطرها واصحاب الشان بها ؛  واما المفارقة فيها فان تلك المضايقات بما هي  تجاوزات تصادر الحقوق والابداع تساهم بقصد اوبجهالة بتعميق الازمة بين الدولة والمثقفين وذلك من خلال ممارسة الكبت والحرمان والقهر وبما يعني التفنن  بخلق وتزايد العناصر المعادية و المعارضة  للدولة .

 

  ان استمرار تلك الوضعية  الجامدة و المجمدة علي ما يبدو في وجه اصحاب القلم و الراي  في سياق المعلومة و الا علام و الثقافة و الراي الا خر داخليا   من جهة   و بين انفتاح افاق غير محدودة للمعلومة و اطرها  من اطراف خارجية من جهة اخري  لا يؤدي الا الي  مزيد من  ابتعاد كثير من المواطنين ،   و خاصة المثقفين  و المفكرين و اصحاب الراي و القلم  ،  عن الدولة  و اطرها و سياساتها  باعتبارها متفارقة  معهم علي نحو  يخلق و يعمق و يعزز  الفصام و القطيعة بلا رجعة  بين الطرفين   . ان تفعيل الاطر الثقافية ومكوناتها سواء علي مستوي الثقافة العامة و المنتديات  والجامعات ام علي مستوي الاعلام وبما يضمن هامش قانوني واسع لتفاعل الاراء دون مضايقة علي بعض منها ودونما تجريم او منع سيكون احد الدعامات الاساسية لمشروع وبديل الاصلاح.

 

 

ثالثا-3-5 : بديل الاصلاح

 والمجال الخارجي

 

ان السياسات في المجال الخارجي وخاصة في اطار المجالات الامنية والعسكرية والعلاقات مع الخارج الغربي منها والعربي تحتاج الي مراجعة واعادة نظر . وفي السياق الدفاعي والامني والعسكري للدولة فان المسالة ببساطة تحتاج الي الاعتماد علي القوة الذاتية من ابناء البلد والذين لا تنقصهم الرغبة في  القيام بمهام حفظ الدولة والمجتمع اذا  ما اتيحت لهم الارضية الملائمة  .

 وتاسيسا علي ذلك فان الحاجة اصبحت ماسة الي اعادة النظر بتواجد القوات الاجنبية الغربية والامريكية تحديدا ويجب ان يكون الهدف هو التخلص منها وان  بشكل تدريجي  و مرحلي .  ان احدي ازمات الدولة – المجتمع هي ازمة الشرعية المتصلة بالاعتماد علي الحماية الاجنبية وتلك مسائل تقلق ابناء البلد اذ يشعرون بفقدان الكرامة الانسانية ، اضافة الي فقدان سيادة  الدولة او تقييدها بدرجة كبيرة . وفي هذا السياق فانه وف&#