ثمـرات الأوراق

إعداد : محمد الشريف

mmfareedb@hotmail.com

 

من رأى منكم منكراً

في عيادة المريض

استعلاء الإيمان

شيخ الإسلام ابن تيمية والعمل الجماعي

المرأة المسلمة

نحـــن !

 

من رأى منكم منكراً

أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ بن الحكم ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ .

فَقَالَ : قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ .

فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخدري : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ .

 

في عيادة المريض

من العقد الفريد لابن عبد ربه

كتب رجلٌ من أهل الأدب إلى عَليل‏:‏

نُبِّئت أنّكَ مُعْتَلّ فقلتُ لهم          نَفسي الفِداء لهُ من كلّ مَحْذورِ

يا ليتَ عِلّته بي ثَمَّ كان له         أجرُ العَليل وأنِّي غيرُ مأجورِ

وكتب آخر إلى عليل‏:‏

وَقَيْنَاك لو نُعْطَى الهوى فيك والمُنَى              لكان بنا الشَّكْوى وكان لك الأجْرُ

ومَرِض يحيى بن خالد فكان إسماعيل بن صُبيح الكاتب إذا دَخَل عليه يَعوده وقف عند رأسه ودَعا له ، ثم يَخْرُج فيسأل الحاجبَ عن مَنامه وشرابه وطعامه ، فلمّا أفاق قال يحيى بنُ خالد‏:‏ ما عادني في مرضي هذا إلا إسماعيلُ ابن صُبيح‏.‏

وقال الشاعر‏:‏

عِيادة المَرْء يومٌ بين يَوْمين       وجَلسةٌ لك مِثْل اللَّحظ بالعين

لا تُبْرِمَنَّ مَريضاً في مُساءلة       يكفيك من ذاكَ تَسْآل بحرفين

وقال بكر بنُ عبد الله لقوم عادوه في مرضه فأطالوا الجلوسَ عنده‏:‏ المريض يُعاد ، والصحيح يُزار‏.‏

وقال سفُيان الثّوْريّ‏:‏ حُمْق العُوّاد أشدُّ على المَرضى من أمراضهم يجيئون في غير وقت ، ويطيلون الجلوس‏.‏

ودخل رجلٌ على عمر بن عبد العزيز يَعوده في مرضه فسأله عن علّته فلمّا أخبره قال‏:‏ من هذه العلة مات فلان ومات فلان‏.‏

فقال له عمر‏:‏ إذا عُدت المَرْضى فلا تَنْعَ إليهم الموْتى وإذا خرجتَ عَنَّا فلا تَعُد إلينا‏.‏

ومَرِض الأعمش فأبرمه الناس بالسُّؤال عن حاله فكَتب قصَّته في كِتاب وجعله عند رأسه فإذا سأله أحدٌ قال‏:‏ عندك القِصَّة في الكتاب فاقرأها‏.‏

ولبعضهم‏:‏

مَرِض الحبيبُ فعُدْتُه        فمَرِضتُ من حَذَري عليه

وأَتىَ إليَّ يَعُودني           فبرِئْتُ من نظري إليه

 

استعلاء الإيمان

سيد قطب

{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }  [آل عمران : 6]

أول ما يتبادر إلى الذهن من هذا التوجيه أنه ينصب على حالة الجهاد الممثلة في القتال . . ولكن حقيقة هذا التوجيه ومداه أكبر وأبعد من هذه الحالة المفردة ، بكل ملابساتها الكثيرة .

إنه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء .

إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل شيء ، وكل وضع ، وكل قيمة ، وكل أحد ، الاستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان .

الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان . وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان .وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان ، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان ، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان .

الاستعلاء . . مع ضعف القوة ، وقلة العدد ، وفقر المال ، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء .

الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية ، ولا عرف اجتماعي ولا تشريع باطل ، ولا وضع مقبول عند الناس ولا سند له من الإيمان .

وليست حالة التماسك والثبات في الجهاد إلا حالة واحدة من حالات الاستعلاء التي يشملها هذا التوجيه الإلهي العظيم .

 

***

 

والاستعلاء بالإيمان ليس مجرد عزمة مفردة ، ولا نخوة دافعة ، ولا حماسة فائرة ، إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت المركوز في طبيعة الوجود . الحق الباقي وراء منطق القوة ، وتصور البيئة ، واصطلاح المجتمع ، وتعارف الناس ، لأنه موصول بالله الحي الذي لا يموت .

إن للمجتمع منطقه السائد وعرفه العام وضغطه الساحق ووزنه الثقيل . . على من ليس يحتمي منه بركن ركين ، وعلى من يواجهه بلا سند متين . . . وللتصورات السائدة والأفكار الشائعة إيحاؤهما الذي يصعب التخلص منه بغير الاستقرار على حقيقة تصغر في ظلها تلك التصورات والأفكار ، والاستمداد من مصدر أعلى وأكبر وأقوى .

والذي يقف في وجه المجتمع ، ومنطقه السائد ، وعرفه العام ، وقيمه واعتباراته ، وأفكاره وتصوراته ، وانحرافاته ونزواته . . يشعر بالغربة كما يشعر بالوهن ، ما لم يكن يستند إلى سند أقوى من الناس ، وأثبت من الأرض ، وأكرم من الحياة .

والله لا يترك المؤمن وحيدا يواجه الضغط ، وينوء به الثقل ، ويهدها الوهن والحزن ، ومن ثم يجيء هذا التوجيه :

{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }   [ آل عمران : 139]

 

يجيء هذا التوجيه . ليواجه الوهن كما يواجه الحزن . هما الشعوران المباشران اللذان يساوران النفس في هذا المقام . . يواجههما بالاستعلاء لا بمجرد الصبر والثبات ، والاستعلاء الذي ينظر من عل إلى القوة الطاغية ، والقيم السائدة ، والتصورات الشائعة ، والاعتبارات والأوضاع والتقاليد والعادات ، والجماهير المتجمعة على الضلال .

إن المؤمن هو الأعلى . . الأعلى سندا ومصدرا . . فما تكون الأرض كلها ؟ وما يكون الناس ؟ وما تكون القيم السائدة في الأرض ؟ والاعتبارات الشائعة عند الناس ؟ وهو من الله يتلقى ، وإلى الله يرجع ، وعلى منهجه يسير ؟

وهو الأعلى إدراكا وتصورا لحقيقة الوجود . . فالإيمان بالله الواحد في هذه الصورة التي جاء بها الإسلام هو أكمل صورة للمعرفة بالحقيقة الكبرى . وحين تقاس هذه الصورة إلى ذلك الركام من التصورات والعقائد والمذاهب ، سواء ما جاءت به الفلسفات الكبرى قديما ، وما انتهت إليه العقائد الوثنية والكتابية المحرفة ، وما اعتفسته المذاهب المادية الكالحة . . حين تقاس هذه الصورة المشرقة الواضحة الجميلة المتناسقة ، إلى ذلك الركام وهذه التعسفات ، تتجلى عظمة العقيدة الإسلامية كما لم تتجلى قط . وما من شك ان الذين يعرفون هذه المعرفة هم الأعلون على كل من هناك ([1]) .

وهو الأعلى تصورا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث والأشياء والأشخاص . فالعقيدة المنبثقة عن المعرفة بالله ، بصفاته كما جاء بها الإسلام ، ومن المعرفة بحقائق القيم في الوجود الكبير لا في ميدان الأرض الصغير . هذه العقيدة من شانها أن تمنح المؤمن تصورا للقيم أعلى وأضبط من تلك الموازين المختلفة في أيدي البشر ، الذين لا يدركون إلا ما تحت أقدامهم . ولا يثبتون على ميزان واحد في الجيل الواحد . بل في الأمة الواحدة . بل في النفس الواحدة من حين إلى حين .

وهو الأعلى ضميرا وشعورا ، وخلقا وسلوكا . . فإن عقيدته في الله ذي الأسماء الحسنى والصفات المثلى ، هي بذاتها موحية بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى ، والعمل الصالح والخلافة الراشدة . فضلا على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة . الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها جميعا .
ويطمئن إليه ضمير المؤمن . ولو خرج من الدنيا بغير نصيب .

وهو الأعلى شريعة ونظاما . وحين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية قديما وحديثا ، ويقيسه إلى شريعته ونظامه ، فسيراه كله أشبه شيء بمحاولات الأطفال وخبط العميان ، إلى جانب الشريعة الناضجة والنظام الكامل . وسينظر إلى البشرية الضالة من عل في عطف وإشفاق على بؤسها وشقوتها ، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوة والضلال .  

***

 

وهكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء ، والقوى المنتفخة ، والاعتبارات التي كانت تتعبد الناس في الجاهلية . . والجاهلية ليست فترة من الزمان ، وإنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام ، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء . .

وهكذا وقف المغيرة ابن شعبة أمام صور الجاهلية وأوضاعها وقيمها وتصوراتها في معسكر رستم قائد الفرس المشهور :

(( عن أبي عثمان النهدي قال : لما جاء المغيرة إلى القنطرة ، فعبرها إلى أهل فارس أجلسوه ، واستأذنوا رستم في إجازته ، ولم يغيروا من شارتهم تقوية لتهاونهم ، فأقبل المغيرة ابن شعبة والقوم في زيهم ، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب ، وبسطهم على غلوة - والغلوة مسافة رمية سهم وتقدر بثلاثمائة أو أربعمائة خطوة - لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي على غلوة ، وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى يجلس على سريره ووسادته ، فوثبوا عليه فترتروه وأنزاوه ومغثوه ([2]) ، فقال : كانت تبلغنا عنكم الأحلام ، ولا أرى قوما اسفه منكم ، انا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا ، إلا أن يكون محاربا لصاحبه ، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى . وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني ان بعضكم أرباب بعض ، وان هذا الأمر لا يستقيم فيكم ، فلا تصنعه ، ولم آتكم ولكن دعوتموني . اليوم علمت ان أمركم مضمحل ، وأنكم مغلوبون ، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول )) .

كذلك وقف ربعي بن عامر مع رستم هذا وحاشيته قبل وقعة القادسية :

(( أرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية ربعي بن عامر رسولا إلى رستم ، قائد الجيوش الفارسية وأميرهم ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير [3] وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة ، وعليه تاجه ، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب ، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة . ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد . وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه . فقالوا له : ضع سلاحك . فقال : اني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : ائذنوا له . فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها . فقال رستم : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام )) .

وتتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية ، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى . وينظر إلى غالبه من عل ما دام مؤمنا . ويستيقن أنها فترة وتمضي ، وإن للإيمان كرة لا مفر منها . وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسا . إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد . وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة ، وغالبه يغادرها إلى النار . وشتان شتان . وهو يسمع نداء ربه الكريم :

 

{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد * لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار }     [ آل عمران : 196-198]

 

وتسود المجتمع عقائد وتصورات وقيم وأوضاع كلها مغاير لعقيدته وتصوره وقيمه وموازينه ، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى ، وبأن هؤلاء كلهم في الموقف الدون . وينظر إليهم من عل في كرامة واعتزاز ، وفي رحمة كذلك وعطف ، ورغبة في هدايتهم إلى الخير الذي معه ، ورفعهم إلى الأفق الذي يعيش فيه .

ويضج الباطل ويصخب ، ويرفع صوته وينفش ريشه ، وتحيط به الهالات المصطنعة التي تغشي على الأبصار والبصائر ، فلا ترى ما وراء الهالات من قبح شائه دميم ، وفجر كالح لئيم . . وينظر المؤمن من عل إلى الباطل المنتفش ، وإلى الجموع المخدوعة ، فلا يهن ولا يحزن ، ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه ، وثباته على المنهج الذي يتبعه ، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين .

ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة ، ويمضي مع نزواته الخليعة ويلصق بالوحل والطين ، حاسبا انه يستمتع وينطلق من الأغلال والقيود . وتعز في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة وكل طيبة حلال ، ولا يبقى إلا المشروع الآسن ، وإلا الوحل والطين . . وينظر المؤمن من عل إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين . . وهو مفرد وحيد ، فلا يهن ولا يحزن ، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر ، وينغمس في الحمأة ، وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين .

ويقف المؤمن قابضا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد عن الدين ، وعن الفضيلة ، وعن القيم العليا ، وعن الاهتمامات النبيلة ، وعن كل ما هو طاهر نظيف جميل . . ويقف الآخرون هازئين بوقفته ، ساخرين من تصوراته ، ضاحكين من قيمه . . فما يهن المؤمن وهو ينظر من عل إلى الساخرين والهازئين والضاحكين ، وهو يقول كما قال واحد من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان العريق الوضئ ، في الطريق اللاحب الطويل . . نوح عليه السلام . .

{ إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون }   [ هود : 38]

 

وهو يرى نهاية الموكب الوضئ . ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى :

{ الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . . وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . . وإذا رأوهم قالوا : إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين . . فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون . . على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ! }      [ المطففين : 29-36 ]

وقديما قص القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين :

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ؟} ..    [ مريم : 73]

 

أي الفريقين ؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ أم الفقراء الذين يلتفون حوله ؟ أي الفريقين ؟ النضر بن الحارث وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب ؟ أم بلال وعمار وصهيب وخباب ؟ أفلوا كان ما يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - خيرا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر ، الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر ، وهم يجتمعون في بيت متواضع كذار الأرقم ، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة ، والمجد والجاه والسلطان ؟!

إنه منطق الأرض ، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان . وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء عاطلة من عوامل الإغراء ، لا قربى من حاكم ، ولا اعتزاز بسلطان ، ولا هتاف بلذة ، ولا دغدغة لغريزة ، وإنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد . . ليقبل عليها من يقبل ، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس ، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات ، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع ، ومن يشتهي الزينة والابهة ، ومن يطلب المال والمتاع ، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزنا حين تخف في ميزان الله .

إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس ، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه . .

إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق ، وإنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل . . إنه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود ، وإنما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود . . فأنى يجد في نفسه وهنا أو يجد في قلبه حزنا . وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود ؟

إنه على الحق . . فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وليكن للضلال سلطانه ، وليكن له هيله وهيلمانه ، ولتكن معه جموعه وجماهيره . . إن هذا لا يغير من الحق شيئا ، إنه على الحق وليس بعد الحق إلا الضلال ، ولن يختار مؤمن الضلال على الحق - وهو مؤمن - ولم يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال . .

{ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد }.     [ آل عمران : 8-9]

 

***

شيخ الإسلام ابن تيمية والعمل الجماعي

عبد الرحمن عبد الخالق

تقديــــم

الحمد لله الذي بنوره تتم الصالحات، والصلاة والسلام على النبي الجامع لكل خصال المكرمات، قائد الأمة، وإمام المتقين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن سار على سنته إلى يوم الدين. وبعد.

فقد كتبت رسالة بعنوان (مشروعية العمل الجماعي) أرد بها على من زعم أنه لا يجوز أن يجتمع جماعة من المسلمين على عمل من أعمال الدين كمساعدة المحتاجين، ورد عدوان من الكافرين، وأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو نشر لرسالة الإسلام، أو نحو ذلك من فروض الكفايات التي أوجبها الله سبحانه على الأمة..

وقد كانت رسالة نافعة شافية بحمد الله لبيان مشروعية العمل الجماعي.. ولكن بعض الأخوة لما اطلع عليها طلب مني إضافة بعض الوقائع من سيرة السلف الصالح. وبعضهم أيضاً طلب تأصيل وبيان منهج العمل الجماعي وبيان كيفياته، وخاصة أن هناك من الجماعات الإسلامية الدعوية من تتبنى أسساً وقواعد في الدعوة لا سند لها من الكتاب والسنة بل قد تكون معارضة لما جاء في الكتاب والسنة..

وقد رأيت أن هذا من واجبي، ولكنه يحتاج إلى كتابة فصول كثيرة، ولما كان الوقت لا يتسع لمثل هذا دفعة واحدة فإني سأحاول إن شاء الله إنزاله على حلقات في شكل رسائل صغيرة حتى إذا اكتملت كانت كتاباً كاملاً شافياً في الموضوع إن شاء الله تعالى.

وبينما أنا بصدد كتابة بعض هذه الفصول إذ سمعت شريطاً مسجلاً لبعض طلاب العلم يرد فيه بطريقة الغوغاء والدهماء على رسالتي المذكورة، ويذكر في جملة ما يذكره أن علماء الإسلام لم يكن أحد منهم يعمل في جماعة، ونص بالخصوص على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ولما كان هذا القول ينم عن جهل كبير بتاريخ أمة الإسلام، وأعلام السلف، وجهادهم جيلاً بعد جيل؛ فإنني شرعت أوضح جانباً من الحياة العملية لأعلام السلف الذين جاهدوا في إطار الجماعة العامة (جماعة الإسلام)، وكذلك في إطار الجماعة الخاصة (جماعة الدعوة) وقد رأيت أن أبسط هذا الموضوع من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، فهذان الشيخان يعطيان المثل والنموذج الأوفى لمفهوم العمل الجماعي في الإطار العام، والإطار الخاص، ثم لأن هذين الرجلين يمثلان القدوة المثالية عند عامة الشباب المسلم في وقتنا المعاصر.

وهذه الرسالة التي بين يديك أيها القارئ الكريم توضح الجانب العملي الجهادي (الحركي) من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكيفية عمله  في إطار الجماعة الإسلامية (جماعة المسلمين) وكذلك في إطار جماعته الخاصة من أصحابه وأتباعه ومؤيديه.

ولعل الله أن يكشف بهذه الرسالة الغشاوة التي ما زالت تغطي عيون كثير من طلاب العلم الشرعي، وتنير السبيل للدعاة إلى الله ليأتسوا بإمام جليل عاش عصراً مليئاً بالفتن والأحداث يشابه إلى حد كبير عصرنا الذي نعيش فيه، واستطاع -رحمه الله- أن يجنب أمة الإسلام    -بفضل الله- كثيراً من الشرور وأن يضع لأهل الإسلام الضوابط والقواعد والأصول الشرعية للجهاد الإسلامي في مثل هذه الفتن والأحداث.

هذا والله المسئول أن يجعل هذا في سبيله ومن أجله إنه هو السميع العليم.

 

أولاً: الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية

كان قائد جماعة خاصة

كل من يدرس بإمعان سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية سيجد أنه كان قائد جماعة تلتزم بأمره، وتعمل بمشورته وتصدر عن رأيه وتعيش معه سراءه وضراءه، ويأخذها الظلمة بما ينقمون على الشيخ، وتحارب تحت لوائه، وتتواصل معه بكل أنواع الصلات. وإليك البيان لكل ذلك:


1- الشيخ يرسل رسالة إلى جماعة من داخل السجن:

1- كتب شيخ الإسلام وهو في سجن الإسكندرية رسالة إلى (جماعته) هذه يقول فيها:

"{وأما بنعمة ربك فحدث} والذي أعرف به الجماعة - أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة فإني -والله العظيم الذي لا إله إلا هو- في نعم من الله ما رأيت مثلها قط في عمري كله، وقد فتح الله سبحانه وتعالى أبواب فضله، ونعمته وخزائن جوده، ورحمته ما لم يكن بالبال ولا يدور في الخيال.." الخ، وبعد أن يسترسل الشيخ في بيان نعم الله على العبد المؤمن إذا ابتلاه يقول: "وأنا في هذا المكان (يعني سجن الإسكندرية) أعظم قدراً وأكثر عدداً ما لا يمكن حصره وأكثر ما ينقص عليّ الجماعة!! فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم.." الخ.

ويسترسل الشيخ -رحمه الله- في رسالة من أعظم رسائله في بيان عذوبة البلاء في سبيل الله وما فيه من الخير لعباده. يسترسل قائلاً لجماعته:

"والمقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير، ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله وإن لم يكن خدمة الجماعة باللقاء، فأنا داع لهم بالليل والنهار قياماً ببعض الواجب من حقهم وتقربا إلى الله تعالى في معاملته فيهم.." الخ.

ثم يوجه إليهم -رحمه الله- لا أقول موعظته بل (أوامره) على حد تعبيره:

"والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقي الله ويعمل لله مستعينا بالله مجاهدا في سبيل الله ويقصد بذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله" أ.هـ - (الفتاوي ج28 ص30-46).

2- رسالة أخرى للشيخ من السجن يوضح فيها سبب استعماله الخشونة مع بعضهم أحياناً:

وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة أخرى من السجن أيضاً يعتذر فيها لبعض أفراد جماعته من أنه قد يستخدم (الخشونة) والشدة مع بعضهم أحياناً من أجل تقويمه (وتنعيمه) -على حد تعبيره-، ويبين منهجه -رضي الله عنه- في التربية والقيادة، ومثل هذه الرسالة لا تصدر إلا من قائد ومرشد لأتباعه. وهاك بعض المقتطفات من هذه الرسالة: "وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلق بي، فتعلمون -رضي الله عنكم- أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين -فضلاً عن أصحابنا- بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة، والإجلال والمحبة، والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحبسه، ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهداً مصيباً أو مخطئاً، أو مذنباً. فالأول: مأجور مشكور. والثاني مع أجره على الاجتهاد: فمعفو عنه مغفور له. والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين.

فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان. ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والأخوان. فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. بل مثل هذا يعود على قائله بالملام، إلا أن يكون له من حسنة وممن يغفر الله له إن شاء الله. وقد عفا الله عما سلف.

وتعلمون أيضاً: أن ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والأخوان: ما كان يجري بدمشق ومما جرى الآن بمصر فليس ذلك عضاضة ولا نقصا في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بغض. بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدراً وأنبه ذكراً وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم بعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى. وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما يحمد معه ذلك التخشين.

وتعلمون: أننا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا بعضاً أعظم ما كان وأشد. فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب أو الأخوان، لما قد يظنه من نوع تخشين     -عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك- فهو الغالط. كذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون والتناصر، فقد ظن ظنّ سوء {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} وما غاب عنا أحد من الجماعة، أو قدم إلينا الساعة أو قبل الساعة إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت عليه وأجل وأرفع). أ.هـ - (الفتاوي ج28 ص52-56).

فهل بعد ذلك يظن ظان أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كان مجرد عالم يلقي درساً ويمضي، حاشا وكلا. بل كان قائداً وإماماً لجماعة عاملة قائمة للدعوة والجهاد في سبيل الله متآلفة ومتعاونة ينصر بعضها بعضاً ويوالي بعضها بعضا.

وكان شيخ الإسلام رحمه الله يقوم بما تقتضيه الأمانة والولاية الدينية نحو هذه الجماعة من الرعاية والتقويم والنصح لله وفي الله. وانظر قوله "وتعلمون أنّا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصرة بعضنا بعضاً أعظم مما كان وأشد" وقوله "وما غاب عنا أحد من الجماعة أو قدم إلينا الساعة أو قبل الساعة إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كان وأشد" وقوله "إن ما يجري من نوع تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والأخوان.. فليس ذلك غضاضة ولا نقصاً في حق صاحبه".. الخ.

3- جماعة الشيخ تغيّر المنكر باليد أحيانا:

يقول ابن كثير أيضاً: -في أحداث سنة 699هـ- "وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بدمشق لصاحب مصر ففرح الناس بذلك، وكان يخطب لقازان بدمشق وغيرها من بلاد الشام مائة يوم سواء. وفي بكرة يوم الجمعة المذكور دار الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله وأصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف وأراقوا الخمور وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش، وفرح الناس بذلك" أ.هـ.

وهذا نص واضح أن الشيخ رحمه الله كان يخرج هو وأصحابه فيكسرون آنية الخمور ويشققوا الظروف (وهي القرب وأمثالها التي فيها الخمر) ويريقونها، وأنهم كانوا يعزرون أصحابها والتعزير هنا يقتضي الضرب ونحوه. فأي مثال أبلغ من هذا أنه كان للشيخ جماعة وأنصار وأصحاب وأعوان يقتدرون بفعله ويأتمرون بأمره.

ولا شك أنه لم يكن كل الناس موافقين لما يقوم به شيخ الإسلام والحال أنه مجرد عالم محتسب ليس موظفاً عند الدولة ولا هو تابع لأحد الأمراء فكيف يمارس هذه السلطات، ولذلك حسده الكثير من المشايخ العاطلين عن العلم والفضل والعمل، وكذلك الأوباش من أهل الفسق ثاروا عليه كما يروي ابن كثير (في أحداث عام 701هـ) "وفي هذا الشهر (شهر شوال من عام 701هـ) ثار جماعة من الحسدة على الشيخ تقي الدين وشكوا منه أنه يقيم الحدود ويعزر ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلم هو أيضاً فيمن يشكو منه ذلك وبين خطأهم ثم سكنت الأمور" أ.هـ (البداية ص19 ج14).

وفي هذا النص دليل على أن الشيخ رحمه الله كان يرى مشروعية إقامة الحدود، وتعزير الخارجين على حكم الكتاب والسنة ولا شك أن الشيخ رحمه الله كان يفعل ذلك مستنداً إلى قبوله لدى عامة الناس، وإلى جماعته وكثرة أتباعه، وكذلك إلى هيبته عند بعض ذوي السلطان ممن كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة أو يميلون إلى ذلك وأما الحلولية والصوفية والمقلدة من أعداء الدليل والحق فإنهم حسدوا الشيخ وثاروا عليه مراراً، وألّبوا عليه بعض جهلة الأمراء والسلاطين ممن ينفرون من مذهب أهل السنة والجماعة، وكان على رأس هؤلاء نصر بن المنبجي الذي كان على معتقد ابن عربي الإلحادي الاتحادي القائل بوحدة الوجود وكذلك بعض القضاة مقلدة المذاهب من أمثال ابن مخلوف قاضي المالكية، فإن هؤلاء وغيرهم كثيرون جداً حسدوا الشيخ، وبالغوا في أذاه والوشاية به، وأقاموا في وجهه عاصفة إثر عاصفة وزوبعة بعد أخرى، ولكن الشيخ ما كان ينحني لعاصفة أو زوبعة قط.

 

4- علماء السوء يحسدون الشيخ من أجل كثرة أتباعه وجماعته:

يقول ابن كثير رحمه الله: "وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس ومحبتهم له وكثرة أتباعه وقيامه في الحق، وعلمه وعمله، ثم وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة وطلب القاضي جماعة من أصحاب الشيخ وعزر بعضهم ثم اتفق أن الشيخ جمال الدين المزي الحافظ قرأ فصلاً بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري، تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه القاضي الشافعي بن صصري وكان عدو الشيخ فسجن المزيّ، فبلغ الشيخ تقي الدين، فتألم لذلك وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، وراح إلى القصر فوجد القاضي هناك فتقاولا بسبب الشيخ جمال الدين المزي فحلف ابن صصري لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزل نفسه فأمر النائب بإعادته تطيباً لقلب القاضي فحبسه عنده في القوصية أياماً ثم أطلقه. ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشيخ تقي الدين ما جرى في حقه وحق أصحابه في غيبته فتألم النائب لذلك، ونادى في البلد أن لا يتكلم أحد في العقائد ومن عاد إلى تلك حل ماله ودمه ورتبت (أي صودرت) داره وحانوته، فسكتت الأمور. وقد رأيت فصلاً من كلام الشيخ تقي الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات" (البداية ص37 ج14).

5- اتباع الشيخ يسجنون من أجل قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

والشواهد في هذا النص كثيرة على أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يعيش في كثرة من الأتباع والأنصار والأصحاب، وأنهم قاموا معه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان، وأنهم عزّروا وسجنوا، وأن الشيخ رحمه الله كان له من الهيبة والقوة والسلطان ما يستطيع به أن يذهب بنفسه ليخرج أصحابه من السجن!!، ولا شك أن الشيخ رحمه الله وجماعته كانوا يلاقون العنت والقوى المناوئة الكثيرة، وكانت الأيام معهم دول، فقد يفلحون في إزالة منكر الآن ثم يعيده أهل القوى المضادة أنصار البدع والمنكرات، كما ذكر ابن كثير في (أحداث عام 706هـ) أن صلاة الرغائب المبتدعة التي كانت تصلى في النصف من شعبان رجع الناس إليها مرة ثانية بعد أن كان شيخ الإسلام قد أبطلها لمدة أربع سنين (البداية ص41 ج14).

وكذلك يروي الإمام ابن كثير رحمه الله في أحداث (سنة 726هـ) قال: "وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ ابن تيمية في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم(!!) وعزر جماعة منهم على دواب (والمعنى يطاف بهم في الأسواق على دواب ليشهر بهم أمام الناس جميعا)، ونودي عليهم ثم أطلقوا سوى شمس الدين بن محمد بن قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة) (البداية ص123 ج14).

فهذه من الأيام التي كانت عليهم وأما من الأيام التي كانت لهم فيروي ابن كثير أيضاً (في أحداث سنة 702هـ): "وفي يوم الاثنين رابع الشهر (من رمضان) رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر (في موقعة شقحب التي كانت مع التتار) وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد". (البداية ص25 ج14).

ولكن عادت الشدة عليهم ثانية في أواخر حياة شيخ الإسلام فيروي ابن كثير (في أحداث سنة 726هـ): "وفي يوم الأربعاء عشر القعدة درّس بالحنبلية برهان الدين أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي بدلاً من شيخ الإسلام ابن تيمية وحضر عنده القاضي الشافعي وجماعة من الفقهاء وشق ذلك على كثير من أصحاب الشيخ تقي الدين"!! (البداية ص124 ج14).

والخلاصة أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان إمام أمة، يطبق الحدود الشرعية فيما يستطيعه ويغير المنكر باليد واللسان ويبث أنصاره ودعاته في كل مكان، وكانت الأيام معه ومع أعدائه دول: مرة يتغلب عليهم ومرة يغلبونه ويقهرون أصحابه وجماعته {وتلك الأيام نداولها بين الناس} لكن لا شك أن العاقبة كانت له فقد أحيا أمة وسنة، وأمات باطلاً وبدعة، ورد أعظم عدوان على أمة الإسلام من التتار والصليبيين والملاحدة والباطنيين، وكما هزمهم في سوح المعارك هزمهم كذلك في ميادين الحجة والبيان {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون}.

وقد بارك الله في أثره وقطع دابر أعدائه ومحا ذكرهم من الأرض وأبقى ذكره الحسن إلى آخر الدهر.

وكان شيخ الإسلام في كل ذلك قائد جماعة، ومرشد أمة، وفارس معركة، ومربياً لجيل عظيم من الدعاة والعلماء، والعباد المخلصين، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان للجيل المثالي الذي رباه هذا العالم الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه.


ثانياً: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

يتصرف تصرف الإمام العام ويعلن الجهاد على التتار ويستنفر الأمة

الأمر الثاني الذي يدلك على أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لم يكن مجرد عالم له تلاميذ يتلقون عنه العلم، ويقبع في مسجد من مساجد المسلمين أنه قام بدور الإمام العام في غيبة الإمام العام الراشد، وأعلن الحرب على التتار وأفتى بكفرهم وإن اعتنقوا الإسلام وتظاهروا به، واستنفر الشعوب الإسلامية لملاقاتهم وحربهم، وقام يحث أمراء المسلمين المتفرقين، وأفتى بوجوب التصدي للتتار الذين يدعون الإسلام. وتصرف شيخ الإسلام في كل ذلك تصرف مرشد أمة، وقائد جماعة من الأنصار، وإمام عامة وإليك ما يدل على ذلك.

1- بيان عام من الشيخ يستنفر فيه الأمة لقتال التتار:

هذه أولا رسالة عامة يرسل بها الشيخ إلى كل مؤمن ومسلم تصل إليه يقول فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

"إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين -أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة، وأسبغ عليهم نعمه باطنه وظاهره، ونصرهم نصراً عزيزاً، وفتح عليهم فتحاً كبيراً، وجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً، وجعلهم معتصمين بحبله المتين، مهتدين إلى صراطه المستقيم- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خليقته، وخيرته من بريته، محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً".

وبعد أن بين لهم -رحمه الله- ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، وما منّ الله به على أمة الإسلام من الخيرية ويأمرهم بشكر الله على نعمة الإسلام ويخبرهم أن الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم انقسمت إلى عامل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعمل الصالح والجهاد في سبيله ومنقلبين على أعقابهم، مرتدين عن الإسلام.

أ- أقسام الناس بحب الدين:

أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يفصل الواقع ويقسم الناس الموجودين في عهده بحسب التزامهم بالإسلام وارتدادهم عنه ومن من الفرق هكذا ومن من الفرق كذلك، وما الواجب نحو كل طائفة.

فقال رحمه الله:

"وما أنزل الله في القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم، وسيعمل بها آخرون. فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين، الذين يحبهم الله عز وجل ورسوله؛ فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم، الذين يخرجون عن الدين، ويأخذون بعضه ويدعون بعضه، كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين، الذين خرجوا على أهل الإسلام، وتكلم بعضهم بالشهادتين، وتسمى بالإسلام من غير التزام شريعته؛ فإن عسكرهم مشتمل على أربع طوائف:

كافرة باقية على كفرها: من الكرج، والأرمن، والمغل.

وطائفة مسلمة ارتدت عن الإسلام، وانقلبت على عقبيها: من العرب، والفرس، والروم، وغيرهم. وهؤلاء أعظم جرماً عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يجب قتلهم حتماً ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه، لا يجوز أن يعقد لهم ذمة، ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم، ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، ولا يسترقون مع بقائهم على الردة بالاتفاق. ويقتل من قاتل منهم، ومن لم يقاتل؛ كالشيخ الهرم، والأعمى، والزّمن، باتفاق العلماء. وكذا نساؤهم عند الجمهور.

والكافر الأصلي يجوز أن يعقد له أمان وهدنة، ويجوز المنّ عليه والمفاداة به إذا كان أسيراً عند الجمهور، ويجوز إذا كان كتابياً أن يعقد له ذمة، ويؤكل طعامهم، وتنكح نساؤهم، ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل، باتفاق العلماء. وكذلك لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء، كما دلت عليه السنة.

فالكافر المرتد أسوأ حالاً في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره. وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة ما لا يحصي عددهم إلا الله فهذان صنفان.

وفيهم أيضاً من كان كافراً فانتسب إلى الإسلام ولم يلتزم شرائعه؛ من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والكف عن دماء المسلمين وأموالهم، والتزام الجهاد في سبيل الله وضرب الجزية على اليهود والنصارى، وغير ذلك.

وهؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين، كما قاتل الصديق مانعي الزكاة؛ بل هؤلاء شر منهم من وجوه، وكما قاتل الصحابة أيضاً مع أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه- الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: [تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة] وقال: [لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل] وقال: [هم شر الخلق والخليقة، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتيل من قتلوه]. فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، وقاتلهم أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه-، وسائر الصحابة الذين معه، ولم يختلف أحد في قتالهم، كما اختلفوا في قتال أهل البصرة والشام؛ لأنهم كانوا يقاتلون المسلمين. فإن هؤلاء شر من أولئك من غير وجه، وإن لم يكونوا مثلهم في الاعتقاد؛ فإن معهم من يوافق رأيه في المسلمين رأي الخوارج. فهذه ثلاثة أصناف.

وفيهم صنف رابع شر من هؤلاء. وهم قوم ارتدوا عن شرائع الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه. فهؤلاء الكفار المرتدون، والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه، والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته: كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين، حتى يلتزموا شرائع الإسلام، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله -التي هي كتابه وما فيه من أمره ونهيه وخبره- هي العليا. هذا إذا كانوا قاطنين في أرضهم، فكيف إذا استولوا على أراضي الإسلام: من العراق؛ وخراسان، والجزيرة، والروم، فكيف إذا قصدوكم وصالوا عليكم بغياً وعدواناً {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة. أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء. والله عليم حكيم}.

وبعد أن قرر -رحمه الله- حقيقة التتار وأنهم كفار يجب قتالهم لأنهم دخلوا في الإسلام ظاهراً دون الالتزام بشعائره، وأنهم مقاتلون محاربون لأهل الإسلام، استولوا على أراضيه، وكذلك حال الفرق الباطنية الكافرة المرتدة، الموالية للتتار شرع -رحمه الله- يبين للمسلمين أن الواجب الشرعي هو قتال هذه الفرق فقال:

ب- الجهاد في سبيل الله أفضل العمل وهو ماض إلى يوم القيامة:

واعلموا -أصلحكم الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه قال: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، إلى قيام الساعة] وثبت أنهم بالشام.

فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة، وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين. والطائفة المخالفة، وهم هؤلاء قال: أخبرني به؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر، وتقوم لا تفتر؟ قال: لا. قال: فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله. وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.

وكذلك اتفق العلماء -فيما أعلم- على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من صوم التطوع، وأفضل من صلاة التطوع.

والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود". فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة؛ لمعان منها أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو، ويخيف العدو فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل] رواه أهل السنن وصححوه. وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتّان] يعني منكر ونكير. فهذا في الرباط فكيف في الجهاد.

وقال صلى الله عليه وسلم: [لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد أبداً] وقال: [من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار] فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل، فكيف بما هو أشق منه؛ كالثلج، والبرد، والوحل.

ولهذا عاب الله عز وجل المنافقين الذين يتعللون بالعوائق، كالحر والبرد. فقال سبحانه وتعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون}. وهكذا الذين يقولون: لا تنفروا في البرد، فيقال: نار جهنم أشد برداً. كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربي أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو من زمهرير جهنم] فالمؤمن يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل الله حر جهنم وبردها، والمنافق يفر من حر الدنيا وبردها حتى يقع في حر جهنم وزمهريرها.

ج- النصر حتم لأهل الإسلام:

واعلموا -أصلحكم الله- أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون. والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فابشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه، والحمد لله رب العالمين. {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين. يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، فآمنت طائفة من بني إسرائيل، وكفرت طائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين}.

د- من عاش ليجاهد التتار فقد منّ الله عليه:

واعلموا -أصلحكم الله- أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيراً أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين، ويحيي فيه شعار المسلمين، وأحوال المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيهاً بالسابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، فمن قام في هذا الوقت بذلك، كان من التابعين لهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم. فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة، حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار -كأبي بكر ، وعمر وعثمان، وعلي، وغيرهم- حاضرين في هذا الزمان، لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين.

ولا يفوت مثل هذا الغزاة إلا من خسرت تجارته، وسفه نفسه، وحرم حظاً عظيماً من الدنيا والآخرة؛ إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى، كالمريض، والفقير، والأعمى وغيرهم، وإلا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز بماله. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا]، ومن كان قادراً ببدنه وهو فقير فليأخذ من أموال المسلمين ما يتجهز به سواء كان المأخوذ زكاة، أو صلة، أو من بيت المال، أو غير ذلك؛ حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع أو رهوناً أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينفقها في سبيل الله، فإن ذلك مصرفها (وأرجو أن يستفاد بهذه الفتوى في تجهيز المجاهدين في سبيل الله في أفغانستان وفلسطين وأي بقعة من بقاع الإسلام يقوم فيها جهاد مسلم مع الكفار).

ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد؛ فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: {يغفر لكم ذنوبكم}. ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى خلاصه، مع ما يحصل له من أجر الجهاد (تابع الفتوى السابقة).

وكذلك من أراد أن يكفر الله عنه سيئاته في دعوى الجاهلية وحميتها فعليه بالجهاد؛ فإن الذين يتعصبون للقبائل وغير القبائل –مثل قيس ويمن، وهلال وأسد ونحو ذلك- كل هؤلاء إذا قتلوا فإن القاتل والمقتول في النار، كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل أخيه] أخرجاه في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: [من قتل تحت رابة عمية: يغضب لعصبية، ويدعو لعصبية فهو في النار] رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: [من تعزى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه هَنَ (الهَنُ: الذكر، وهو الأير) أبيه ولا تكنوا] فسمع أبي بن كعب رجلاً يقول: يا لفلان! فقال: اعضض أير أبيك!! فقال: يا أبا المنذر! ما كنت فاحشاً. فقال: بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد في مسنده.

ومعنى قوله: [من تعزى بعزاء الجاهلية] يعني يعتزي بعزواتهم، وهي الانتساب إليهم في الدعوة، مثل قوله: يالقيس! ياليمن! ويالهلال! ويالأسد، فمن تعصب لأهل بلدته، أو مذهبه، أو طريقته، أو قرابته، أو لأصدقائه دون غيرهم، كانت فيه شعبة من الجاهلية، حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله. فإن كتابهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وربهم إله واحد، لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، وإليه ترجعون. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والبدعة.

هـ- عليكم بالجماعة والطاعة والجهاد:

فالله! الله! عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله، والجهاد في سبيله؛ يجمع الله قلوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة. أعاننا الله وإياكم على طاعته وعبادته، وصرف عنا وعنكم سبيل معصيته، وأتانا وإياكم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقانا عذاب النار، وجعلنا وإياكم ممن رضي الله عنه وأعد له جنات النعيم، إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أ.هـ. الفتاوي (ج28 ص410،431).

لقد نقلت هذه الرسالة لشيخ الإسلام كلها تقريباً لأنها أشبه (بالبيان العام) في وقتنا، ولأن فيها من الفوائد الجليلة والبصيرة العظيمة أشياء تفوق الوصف، والشاهد فيها بيان موقف هذا العالم العامل الجليل، وكيف كان يجيش الأمة، ويستنفرها للجهاد، ويبصرها بمن يجب قتالهم ومن يجب الكف عنهم ومن يجب نصرتهم، ثم هو بعد ذلك مقدم صفوفهم ومثل هذه الرسائل التي يخاطب شيخ الإسلام ابن تيمية فيها الأمة مباشرة كثيرة جداً وهي ليست مجرد رسائل إرشادية تعليمية بيانية بل هي رسائل عملية أشبه بالمراسيم التي يصدرها الخلفاء والأمراء. فهو يقول للناس افعلوا كذا، واخرجوا إلى المكان الفلاني، وقاتلوا هؤلاء، وكفوا عن هؤلاء، وهكذا.. (وبهذا أستطيع أن أقول بأن شيخ الإسلام ابن تيمية مارس الجهاد الجماعي بأوسع مظاهره وأعلى صوره.. وكانت الجماعة عنده أحياناً هي جمهور الأمة الإسلامية من أهل السنة وأحياناً أخرى إخوانه وخاصته ممن كان يطلقهم بمهمات محددة).

2- رسالة أخرى لعموم الناس يوضح فيها الشيخ آثار جهاد التتار:

وهذه رسالة أخرى لشيخ الإسلام يوضح المقصود. يقول (انظر الفتاوي ج28 من ص424 إلى ص466):

"بسم الله الرحمن الرحيم.. إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. (كانت هذه الرسالة (البيان) من الشيخ بعد أحداث سنة 700هـ عندما غزا التتار دمشق وحاولوا دخولها وهرب الناس منها فقام شيخ الإسلام يخطب فيهم وثبتهم، وكان من فضل الله أن رجع التتر على أعقابهم بعد أن أهلكهم الثلج والبرد الشديد الذي نزل في هذه السنة).

أما بعد.. فقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده.. فإن هذه الفتنة (يعني فتنة التتار) التي ابتلي بها المسلمون مع هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الإسلام قد جرى فيها شبيه بما يجري للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".

أ- مقارنة للشيخ بين غزوة الخندق، وصمود أهل دمشق للتتار عام 700هـ:

وبعد أن يبين بالتفصيل والوقائع كيف شابهت غزوة المسلمين في عهده مع التتر غزوة الخندق من معظم الوجوه كاليأس من النصر، وتعاظم أمر النفاق والمنافقين، والحصار مع البرد والجوع، وفرار الناس واعتذارهم بأعذار واهية أن بيوتهم عورة وأنهم يخافون على أهلهم ونسائهم.. وتجريد المنافقين ألسنتهم الحداد على المسلمين من أهل الحمية والدين والغيرة والشجاعة.. يقول:

"وكان مختصر القصة: أن المسلمين تحزّب عليهم عامة المشركين الذين حولهم، وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بني أسد، وأشجع، وفزارة، وغيرهم من قبائل نجد، واجتمعت أيضاً اليهود: من قريظة، والنضير، فإن بني النضير كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل ذلك، كما ذكره الله تعالى في "سورة الحشر". فجاءوا في الأحزاب إلى قريظة وهم معاهدون للنبي صلى الله عليه وسلم، ومجارون له، قريباً من المدينة - فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد، ودخلوا في الأحزاب. فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة، وهم بقدر المسلمين مرات متعددة فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة، وهي مثل الجواسق، ولم ينقلهم إلى مواضع أخر. وجعل ظهرهم إلى سلع -وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشام- وجعل بينه وبين العدو خندقاً. والعدو قد أحاط بهم من العالية والسافلة. وكان عدواً شديد العداوة، لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايتهم فيهم أعظم النكايات.

ب- النصارى، والفرس، وبعض المستعربه، يخربون مع التتار.

وفي هذه الحادثة (يعني غزو التتار لدمشق) تحزب هذا العدو من مغل (أي المغول) وغيرهم من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة، ونحوهم من أجناس المرتدة، ومن نصارى الأرمن وغيرهم. ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين. ومقصودهم الاستيلاء على الدار، واصطلام (أي حَرّقَهم والمقصود الايقاع بهم وسلب أموالهم وأولادهم) أهلها. كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين.

ودام الحصار على المسلمين عام الخندق -على ما قيل- بضعاً وعشرين ليلة. وقيل: عشرين ليلة.

وهذا العدو (يعني التتار) عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعاً عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه: يوم الاثنين حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى، يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة. واجتمع بهم الداعي، وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله سبحانه الله وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم: ألقى الله في قلوب عدوهم الروع والانصراف.

وكان عام الخندق برد شديد، وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها}.

ح- حكمة الله سبحانه في نزول الثلج والمطر والبرد في هذه السنة:

وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد، على خلاف أكثر العادات. حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك؛ فإن لله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله بها العدو؛ فإن كثر عليهم الثلج والمطر والبرد؛ حتى هلك من خيلهم ما شاء الله. وهلك أيضاً منهم من شاء الله. وظهر فيهم وفي بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغني عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيض الله وجوهنا: أعدونا في الثلج إلى شعره، ونحن قعود لا نأخذهم؟ وحتى علموا أنهم كانوا صيداً للمسلمين، لو يصطادونهم؛ لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة.

د- تحزب الأحزاب على أهل السنة والجماعة عام 70هـ:

وقال الله في شأن الأحزاب: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديداً}.

وهكذا هذا العام. جاء العدو من ناحيتي علو الشام، وهو شمال الفرات. وهو قبلي الفرات. فزاغت الأبصار زيغاً عظيماً، وبلغت القلوب الحناجر؛ لعظم البلاء؛ لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو، وتوجهه إلى دمشق.

هـ- وتظنون بالله الظنونا:

وظن الناس بالله الظنونا. هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة؛ وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن، ونحوها. وهذا -إذا أحسن ظنه- قال: إنهم يملكونها العام، كما ملكوها عام هولاكو، سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم، كما خرج ذلك العام. وهذا ظن خيارهم. وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية، وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة، وخرافات لاغية. وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع، حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب، ليس له عقل يتفهم، ولا لسان يتكلم.

وهذا قد تعارضت عنده الأمارات، وتقابلت عنده الإرادات؛ لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب. ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب. ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء؛ بل إما أن يكون جاهلاً بها وقد سمعها سماع العبر، ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية، ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الرؤية.

فلذلك استولت الحيرة على من كان متسماً بالاهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء. {هنالك ابتلي المؤمنون. وزلزلوا زلزالا شديدا}. ابتلاهم الله بهذا الابتلاء. الذي يكفر به خطيئاتهم، ويرفع به درجاتهم. وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات. ما استوجبوا به أعلى الدرجات. قال الله تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}. وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية. والخلافة الرسالية. وحزب الله المحدثون عنه. حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}.

و- أحوال المنافقين عند الخندق وعند حصار التتار لدمشق:

فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم.

وأما الذين في قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة. فذكروا هنا، وفي قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة} وفي قوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض}.

وذكر الله مرض القلب في مواضع. فقال تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غرّ هؤلاء دينهم}.

والمرض في القلب كالمرض في الجسد، فكما إن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال، من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه، أو أفسد عمله وحركته.

وذلك -كما فسروه-: هو من ضعف الإيمان؛ إما بضعف علم القلب واعتقاده، وإما بضعف عمله وحركته. فيدخل فيه من ضعف تصديقه، ومن غلب عليه الجبن والفزع؛ فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض. وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التي فيه.

وعلى هذا فقوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض} هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا، كما فسروه به. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: [وأي داء أسوأ من البخل؟].

وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إنما شفاء العي السؤال].

وكان يقول في دعائه: [اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء].

ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، كما ذكروا إن رجلاً شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحداً. أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك. ولهذا أوجب الله على عباده ألا يخافوا حزب الشيطان؛ بل لا يخافون غيره تعالى، فقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم، وخافون، إن كنتم مؤمنين} أي يخوفكم أولياءه. وقال لعموم بني إسرائيل تنبيهاً لنا: {وإياي فارهبون}.

وقال: {فلا تخشوا الناس واخشون} وقال: {لئلا يكون للناس عليكم حجة، إلا الذين ظلموا منهم، فلا تخشوهم، واخشوني} وقال تعالى: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} وقال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله} وقال: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله} وقال: {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أول مرة. أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه}.

فدلت هذه الآية -وهي قوله تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض}- على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة التي توجب أمن الإنسان: من الخوف، حتى يظنوا أنها كانت غروراً لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء.

ثم قال تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا} وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عسكر بالمسلمين عند سلع، وجعل الخندق بينه وبين العدو. فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا؛ لكثرة العدو. فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى دين الشرك. وقيل: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم.

وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدخول في دولة التتار. وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن؛ بل ننتقل عنها، إما إلى الحجاز أو اليمن، وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهل العراق، والدخول تحت حكمهم.

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة. كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض.

ونفي المُقام بها أبلغ من نفي المَقام. وإن كانت قد قرئت بالضم أيضا. فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان، فكيف يقيم به؟

قال الله تعالى: {ويستأذن فريق منهم النبي. يقولون إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة؛ إن يريدون إلا فراراً}.

وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون -والناس مع النبي صلى الله عليه وسلم عند سلع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة-: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، أي مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل.

وأصل العورة: الخالي، الذي يحتاج إلى حفظ وستر. يقال: أعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره. ومنه عورة العدو.

وقال مجاهد والحسن: أي ضائعة تخشى عليها السراق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو، فلا نأمن على أهلنا، فائذن لنا أن نذهب إليها، لحفظ النساء والصبيان. قال الله تعالى: {وما هي بعورة} لأن الله يحفظها {إن يريدون إلا فراراً} فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة.

وهكذا أصاب كثيراً من الناس في هذه الغزاة. صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون، وإلى الأماكن البعيدة، كمصر. ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا. وهم يكذبون في ذلك. فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق، لو دنا العدو. كما فعل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد. فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟ قال الله تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها، وما تلبثوا بها إلا يسيراً} فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة –وهي الافتتان عن الدين بالكفر، أو النفاق- لأعطوا الفتنة. ولجاءوها من غير توقف.

وهذه أحوال أقوام لو دخل عليهم العدو المنافق المجرم. ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام -وتلك فتنة عظيمة- لكانوا معه على ذلك. كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجبات، وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد. كترك الصلاة، وشرب الخمور. وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين، وحريمهم، وأخذ أموال الناس. وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة.

ثم قال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولاً} وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا، قديماً وحديثاً، في هذه الغزوة. فإن في العام الماضي، وفي هذا العام: في أول الأمر، كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزماً، لما اشتد الأمر.

ز- الفرار من العدو موجب للخسران في الدنيا والآخرة:

ثم قال الله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً} فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل. فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه] والفرار من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف {لن}  ينفي الفعل في الزمن المستقبل. والفعل نكرة. والنكرة في سياق النفي تعم جميع أفرادها. فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبداً. وهذا خبر الله الصادق. فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره.

والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن. فإن هؤلاء الذين كفروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم؛ بل خسروا الدين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب. والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا، حتى الموت الذي فروا منه كثر فيهم. وقل في المقيمين. فما منع الهرب من شاء الله. والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد، ولا قتل؛ بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون. وهكذا سنة الله قديماً وحديثاً.

ثم قال تعالى: {وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً} يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون. فإن الموت لا بد منه. وقد حكي عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل. وهذا جهل منه بمعنى الآية. فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلاً. لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبداً. ثم ذكر جواباً ثانياً. أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل. ثم ذكر جواباً ثالثاً، وهو أن الفار يأتيه ما قضي له من المضرة، ويأتي الثابت ما قضي له من المسرة. فقال: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}.

ونظيره: قوله في سياق آيات الجهاد: {أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة} الآية، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا، وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض، أو كانوا غزّى: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير}. فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة، فكم ممن حضر الصفوف فسلم، وكم ممن فر من المنية فصادفته، كما قال خالد بن الوليد -لما احتضر- لقد حضرت كذا وكذا صفا، وإن ببدني بضعاً وثمانين، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير. فلا نامت أعين الجبناء.

ح- المثبطون عن الغزو:

ثم قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا}. قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له ويحك! اجلس، فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم. يثبطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بداً. فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم. فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ. أنت ههنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلي، فقد أحيط بك وبصاحبك.

فوصف المثبطين عن الجهاد -وهم صنفان- بأنهم إما أن يكونوا في بلد الغزاة، أو في غيره، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول، أو بالعمل، أو بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم، أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة، ليكونوا معهم بالحصون، أو بالبعد. كما جرى في هذه الغزاة.

فإن أقواماً في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقواماً بعثوا من المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم: هلم إلينا. قال الله تعالى فيهم: {ولا يأتون البأس إلا قليلاً. أشحة عليكم} أي بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله. وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة. وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شح عليهم بفضل الله: من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره. فإن أقواماً يشحون بمعروفهم، وأقواماً يشحون بمعروف الله وفضله. وهم الحساد.

 

 

ط- المنافقون شجعان عن الأمن، جبناء عند الخوف:

قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يخشى عليه من الموت} من شدة الرعب الذي في قلوبهم، يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف. وكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل.

{فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} ويقال في اللغة (صلقوكم) وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه (الصالقة) وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: صلقه، وسلقه –وقد قرأ طائفة من السلف بها؛ لكنها خارجة عن المصحف- إذا خاطبه خطاباً شديداً قوياً. ويقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغاً في خطبته؛ لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير. كما قال {بألسنة حداد، أشحة على الخير}. وهذا السلق بالألسنة الحادة، يكون بوجوه:

تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذين جرى علينا بشؤمكم؛ فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.

وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.

وتارة يقولون -أنتم مع قلتكم وضعفكم- تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم}.

وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.

وتارة يقولون: أنواعا من الكلام المؤذي الشديد. وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي حراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. قال قتادة: إن كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم. يقولون: أعطونا، فلستم بأحق بها منا. فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق. وأما عند الغنيمة فأشح قوم. وقيل: أشحة على الخير، أي بخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم.

وأصل الشح: شدة الحرص الذي يتولد عنه البخل والظلم: من منع الحق، وأخذ الباطل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إياكم والشح: فإن الشح أهلك من كان قبلكم. أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا؟] فهؤلاء أشحاء على إخوانهم، أي بخلاء عليهم، وأشحاء على الخير أي حراص عليه. فلا ينفقونه. كما قال: {وإنه لحب الخير لشديد}. ثم قال تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا، وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب، يسألون عن أنبائكم، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً}.

فوصفهم بثلاثة أوصاف:

أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد. وهذه حال الجبان الذي في قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.

الوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم؛ بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم؛ إيش خبر المدينة؟ وإيش جرى للناس؟.

والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا، وهم فيكم، لم يقاتلوا إلا قليلاً. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما يعرفونهم من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم.

ى- المؤمنون شجعان ثابتون عند الخوف أسوتهم رسول الله:

ثم قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}. فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو، كما ابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم فيه أسوة حسنة، حيث أصابهم مثل ما أصابه. فليتأسوا به في التوكل والصبر، ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها، وإهانة له. فإنه لو كان كذلك ما ابتلي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلائق؛ بل بها ينال الدرجات العالية، وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً. وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك فيكون في حقه عذاباً. كالكفار والمنافقين.

ثم قال تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.قال العلماء: كان الله قد أنزل في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب} فبين الله سبحانه –منكراً على من حسب خلاف ذلك- أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبله بـ (البأساء) وهي الحاجة والفاقة. و (الضراء) وهي الوجع والمرض. و (الزلزال) وهي زلزلة العدو.

فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم. قالوا: {هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله} وعلموا أن الله قد ابتلاهم بالزلزال. وأتاهم مثل الذين خلوا من قبلهم، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً لحكم الله وأمره. وهذه حال أقوام في هذه الغزوة: قالوا ذلك (يشير الشيخ هنا إلى نفسه وأصحابه ومن استجاب لدعوته بوجوب قتال التتار).

وكذلك قوله: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} أي عهده الذي عاهد الله عليه، فقاتل حتى قتل، أو عاش. و (النحب) النذر والعهد. وأصله من النحيب. وهو الصوت. ومنه الانتحاب في البكاء، وهو الصوت الذي تكلم به في العهد. ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق في اللقاء -ومن صدق في اللقاء فقد يقتل- صار يفهم من قوله {قضى نحبه} أنه استشهد، لا سيما إذا كان النحب: نذر الصدق في جميع المواطن؛ فإنه لا يقيه إلا بالموت. وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد. كما قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه} أي أكمل الوفاء. وذلك لمن كان عهده مطلقاً: بالموت، أو القتل.

{ومنهم من ينتظر} قضاءه، إذا كان قد وفى البعض، فهو ينتظر تمام العهد. وأصل القضاء: الإتمام والإكمال.

ك- البلاء بالخوف لتمييز الصفوف وليجزي الصادقون بصدقهم، والمنافقون بنفاقهم:

{ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً}. بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزي الصادقين بصدقهم، حيث صدقوا في إيمانهم، كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون}.

فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين، وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: آمنا؛ لا من قال، كما قالت الأعراب: {آمنا} والإيمان لم يدخل في قلوبهم؛ بل انقادوا واستسلموا. وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذبهم، وإما أن يتوب عليهم، فهذا حال الناس في الخندق وفي هذه الغزاة.

وأيضاً فإن الله تعالى ابتلى الناس بهذه الفتنة، ليجزي الصادقين بصدقهم، وهم الثابتون الصابرون، لينصروا الله ورسوله، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذمومين؛ فإن منهم من ندم. والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. وقد فتح الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة. لا يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها.

وقد ذكر أهل المغازي -ابن اسحق- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخندق: [الآن نغزوهم، ولا يغزونا] فما غزت قريش ولا غطفان، ولا اليهود المسلمين بعدها؛ بل غزاهم المسلمون: ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة. كذلك –إن شاء الله- هؤلاء الأحزاب من المغل وأصناف الترك ومن الفرس، والمستعربة، والنصارى، ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام: الآن نغزوهم ولا يغزونا. ويتوب الله على من يشاء من المسلمين، الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق، بأن ينيبوا إلى ربهم، ويحسن ظنهم بالإسلام، وتقوي عزيمتهم على جهاد عدوهم. فقد أراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولي الأبصار، كما قال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وكان الله قوياً عزيزاً} (وقد كان فإن الريح بعد هذه  الغزوة كانت على التتار حتى أدال الله دولتهم، وأذهب ريحهم).

ل- قاتل الله مع أهل الإيمان في الخندق بالريح والبرد وفي حصار دمشق كذلك:

فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا: ريح شديدة باردة. وبما فرق به بين قلوبهم، حتى شتت شملهم، ولم ينالوا خيراً. إذ كان همهم فتح المدينة والاستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة، كما كان هم هذا العدو فتح الشام والاستيلاء على من بها من المسلمين، فردهم الله بغيظهم، حيث أصابهم من الثلج العظيم، والبرد الشديد، والريح العاصف، والجوع المزعج، ما الله به عليم.

وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في هذا العام، حتى طلبوا الاستصحاء (أي الصحو وهو الدفء وشروق الشمس)، غير مرة. وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرة عظيمة. وفيه لله حكمه وسر، فلا تكرهوه، فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب قازان (ملك التتار الذي غزا دمشق)، وجنوده، حتى أهلكهم، وهو كما فيما قيل: سبب رحيلهم. وابتلي به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه. وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشام وأراضي حلب: يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر عقيب العسكر، واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه (وذلك بعد استنفار شيخ الإسلام ابن تيمية لهم). فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو، جزاء منه، وبياناً أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها، وإن لم يقع الفعل وإن تباعدت الديار.

م- فرق الله بين الأحزاب في الغزوتين: