دعــــــوة !!

 

 

محمــــد الشـــريف

mmfareedb@hotmail.com

 

والآن ...

ما الذي يمكن أن نصنعه ؟؟

العدوان الأمريكي على العراق قادمٌ لا محالة ..

وليس ذلك مربط الفرس .. ولا هو بجديد !!

فالاستعمار الأمريكي يسعى إلى الهيمنة على الوجودِ كله (لم تكفِهم الأرض ؛ فبحثوا في السماء !!).

والمجموعات الفسيفسائية المتناثرة التي تُكَوِّن منظومة سياسية شائهة تُدعَى " الأمة العربية " لا يكاد يجمع بينها شيء إلا مشاعر الهزيمة !!

كان ما يربط أجزاء هذه الأمة المتناثرة من قبل : الدينُ ، واللغةُ ، والمصالحُ المشتركة .

نَحَّينا الدين جانباً من أجل وهمٍ جديدٍ اسمُه القومية العربية .. 

ثم بِعنَا القومية العربية في سوق النخاسة لنكتفي فيما بيننا بعلاقات المصلحة ..

ثم اكتشفنا أن مصلحتنا الشخصية أولى من مصالحنا المشتركة ..

ووقفنا جميعاً في العراء!!!

********

والآن ..

يسعى بعضنا إلى أن يعود بالأمر إلى أصله ..

يرجع إلى الدين .. فينقذ شرف العروبة .. ويحافظ على ما بقي من مصالح مشتركة ..

 ********

الغريب المفزع : أن الحاكم الذي رفع لواء مصلحة دولته ؛ ليتخذه حجة في خرق إجماع الأمة هو هو من أضاع على الدولة مصلحتها !!

وأن الخيوط التي نسجها حول دولته لتشدها إلى المركز الأمريكي .. كانت تبعده عن المصلحة الحقيقية بقدر ما تُقَرِّبُه من المصلحة المتوهَّمة !!

والأشد فزعاً : أنه كان يعلم ذلك .. ثم يُلَبِّس على أمته !!

********

نحن – كما يقول روجيه جارودي في كتابه الفذِّ " الولايات المتحدة طليعة الانحطاط " - : نعيش في عالم مُجَزَّأٍ ، بين الشمال والجنوب ، وبين الذين يملكون والذين لا يملكون في الشمال نفسه ، وكذلك في الجنوب . ويسيطر 30 % من سكان الأرض على 80 % من المصادر الطبيعية في هذا الكوكب ، ويستولون على 83 % من عائدات العالم . أما 20 % من سكان العالم الاكثر فقرا فلا يتجاوز نصيبهم من العائدات 1.4% فقط .

ويموت بسبب هذا الانقسام ، 40 ألف إنسان يوميا ، نتيجة سوء التغذية أو الجوع . ويكلف نمط التنمية الغربي العالم من الأموات ، كل يومين ، ما يعادل ضحايا قنبلة هيروشيما .

********

ما الذي يمكن أن يصنعه أبناء عالم المستضعفين ليكسروا دائرة الاستكبار العالمي ؟؟

الطريق ملتبس .. والإجابات لا تكاد تسد عجز الأسئلة !!

غير أن جارودي يختم كتابه ببرنامج عملي يقترحه،يمتد فيه خياله حتى يبلغ حدودَ أمل الإنسان ..

ويجتهد في الإجابة على السؤال المُلِحِّ : ماذا نفعل ؟؟

ويستلهم التاريخ القريب لحركات التحرر الوطني .. ويدعو إلى مؤتمر باندونغ جديد ، تكون مبادئه :

1ـ لا يمكن لإحياء الوحدة الإنسانية أن يتحقق بالطريقة التي تمزقت بها : بالعف والسلاح ، إنما بواسطة تضافر كل القوى الإنسانية ، وبشكل خاص قوى الاقتصاد والثقافة والايمان .

2ـ يعود القسم الأعظم من ضعف الشعوب المعاصرة المضطهدة ، إلى انقساماتها ، بسبب العقبات والحروب التي أثارها وغذاها سادة العالم الفعليون . ويجب أن يَنَصبَّ الجهد الأساسي المطلوب على المفاوضات الهادئة لوضع نهاية لكل الصراعات التي هي لعبة الطغاة .

3ـ لابد من رفض جماعي لتسديد الديون المزعومة إلى صندوق النقد الدولي . ولهذا الموقف ثلاثة أسباب :

أ ـ من هو الطرف الدائن ؟

إن الغرب هو المدين للعالم الثالث بدين مرعب .

ـ من يدفع للبيرو " قيمة 185000 " كيلو غرام من الذهب ، " 16 " مليون كيلو غرام من الفضة التي اعترفت شركة " كازا كونتر كاسيون " في سيفيل أنها نقلتها ما بين عامي 1503 و 1660؟

ـ وبشمولية أكثر : من دفع للهنود ثمن قارتهم بأكملها والتي اغتصبها الغزاة ؟

ـ من سيعيد ترميم الهند القديمة ، أعظم مصدر عالمي للنسيج أثمان ملايين الأطنان من الأقطان أُخذت من المنتجين بأسعار تماثل الابتزاز بالعنف ، ومن سيعوض تدمير مشاغل النساجين الهنود لصالح المصانع الكبرى في لانكشاير ؟

ـ من يعيد لأفريقيا حياة الملايين من أبنائها الأقوياء الذين نقلوا إلى أمريكا عبيدا ، بواسطة تجار الرقيق الغربيين وعلى مدى ثلاثة قرون ؟

2ـ ما هو سبب هذه المديونية ؟

دمرت بلدان الاستعمار القديم ، الاقتصاد الوطني في البلاد التي استعمرتها ، وبشكل خاص زراعاتها الحيوية لصالح زراعة نوع واحد أو إنتاج واحد ، ليشكل زائدة أو ملحقا باقتصاد الدولة المستعمرة ، ولمصلحتها بشكل مطلق . ولم يستطع هذا الشكل من الاقتصاد ، المحافظة على استقلال هذه البلدان ، ولا على كفايتها الذاتية من الغذاء ، ولا على اليد العاملة في صناعات لا تحتاجها البلاد .

وهكذا تواصلت التبعية ، وأصبحت القروض امرا لا مفر منه .

3ـ لقد جرى تسديد هذه القروض منذ زمن طويل عن طريق الفوائد الربوية التي دفعت للمقرضين الاجانب ، فقد دفعت الجزائر مثلا 6 مليار دولار سنويا فوائد قروض بلغت 26 مليار دولار . ومن المستحيل بهذا الشكل الوصول إلى أي تصحيح لهذا الوضع ، وهنا يكمن المصدر الأساسي لفكرة اكتمال سداد هذه القروض .

لقد تجاوزت المبالغ التي دفعناها فوائد للقروض ، ومنذ زمن طويل القيمة الأصلية لها . أما المساعدات المزعومة فهي أقل بكثير مما سدد من هذه القروض .

ـ لذلك نحن نرفض أن نخضع للابتزاز ، وأن ندفع إلى صندوق النقد الدولي هذه الديون المزيفة ، وما ترتب عليها من فوائد ربوية .

ـ كما نرفض المساعدات الزهيدة ، والهادفة لتمويه هذا الظلم المميت عبر مئات السنين .

ـ وسوف نؤسس مع إلغاء الديون وفوائدها ، صندوق تضامن ودعم ، يعوضنا بشكل واسع عن (المساعدات) المزعومة التي يقدمها مستغلونا .

4ـ نحن نعارض كل أشكال المقاطعة المفروضة بشكل تعسفي من قبل سادة العالم المؤقتين ، على البلدان التي ترفض هيمنتهم .

ولن نقيم لها بعد اليوم وزنا ، وسنبدأ التعامل بحرية مع إخوة لنا تأثروا بهذه المقاطعة .

5ـ ونقرر ، وبشكل أكثر شمولية ، ايجاد سوق مشتركة لشعوبنا ، ومضاعفة التبادل بين الجنوب والجنوب ، والذي تحتفظ بلدانه بـ 80 % من المصادر الطبيعية في العالم .

وسوف نتعامل في ميدان التبادل ، على قاعدة المقايضة كي نتجنب تماما النقد الشمالي ، وبشكل خاص الدولار ، ساهرين على ذلك ، كي نضع بشكل تدريجي نهاية للمضاربات ، إذ لا مكان لها في بلداننا ، وبانتظار أن نوجد نحن عملة مشتركة .

6 ـ ويتطلب هذا الموقف مقاطعة منهجية للولايات المتحدة وأتباعها ، وبشكل خاصة إسرائيل ، الدولة المرتزقة لدى الغرب ، والتي يستخدمها ضد ثقافاتنا وضد السلام .

فنحن نريد أن نضع حدا للسيطرة الاقتصادية ونها ية للعدوان الثقافي .

وسنناضل أيضاً ضد " اللاثقافة " التي تعززها مسلسلات الديناصورات الطغاة ، و" قتلة " هوليود وكذلك لعبهم الفارغة ، وكل الظواهر الاخلاقية والمادية لانحطاطهم .

7 ـ ويتطلب هذا الموقف ، سياسيا ، الانسحاب الجماعي من كل المنظمات المزعوم أنها عالمية ، والتي اصبحت اداة بيد دولة واحدة مهيمنة ، لتغطية اعتداءاتها العسكرية والاقتصادية والثقافية : الأمم المتحدة ، صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة التجارة العالمية " الغات سابقا " ، وكذلك الانسحاب من المنظمات التي انبثقت عنها ، لانها أصبحت مثلها أداة تآمر لفرض الهيمنة على العالم ، وتحمل مفاهيم تحط من قدر الإنسان ، إذ تنظر إليه كمستهلكٍ ومنتجٍ فقط ، لا تحركه إلا مصالحه الخاصة ، وترفض أن تعطيه معنى آخر غير العمل كرقيق ، من أجل أن يستهلك أكثر ، عندما لا يكون عاطلا عن العمل أو مستعمرا ، أو معزولا .

8 ـ سوف نقاوم معا أي اعتداء أو تهديد على أي منا . سنقاوم بكل الوسائل ، وبالمجتمع الدولي كله .

9ـ لا تطبق هذه الجماعة الإنسانية ، المتطلعة لإنشاء عالم بوجه إنساني ، أي عزل ديني ، أو سياسي ، لأنها تهدف أساسا إلى خلق وحدة غير استعمارية ، ولكنها منسجمة في إنسانيتها . وسيحمل كل شعب ، وكل جماعة إلى هذه الوحدة غناه الخاص في أرضه وثقافته وايمانه .

والباب مفتوح أمام الرسميين في الدول ، الذين يشاطروننا فكرتنا الإنسانية ، كما هو مفتوح أمام الأقليات المضطهدة ، بشرط الاعتراف لكل بلد بوحدته على أساس مبادئنا العامة .

كان الهدف الرئيسي لمؤتمر باندونغ الأول ، رفض عالم ثنائي القطبين ورفض الانحياز لأحد المعسكرين ، وحماية استقلال كل بلد من بلدان عدم الانحياز وسيبقى هذا الهدف هدفنا .

ولكن الظروف التاريخية تبدلت ، فنحن اليوم نعيش عالماً أحادي القطب ، وعلينا بذلك أن ندافع عن هوياتنا وثقافاتنا واقتصادنا ضد التكاملية التي توطئ للطامعين بالهيمنة على العالم من خلال وحدانية السوق ، أي حرية الأقوى في التهام الأضعف ، ليجعلوا من السوق ، أي من المال ، الناظم الوحيد للعلاقات الاجتماعية .

نحن نرفض النظر إلى العالم بدون الإنسان ، والى الحياة بدون مشروع إنساني وبلا معنى ، وسوف نتوحد لنبني عالما من " الأمم المتحدة " غنيا بتنوعه ، مطمئنا لمستقبله ، من خلال امتزاج الشعوب والثقافات في إيمان واحد ، نغذيه بتجربة كل شعب وحضارته ، تتفتح فيه الحياة باستمرار وفق مشروع شامل يعطي كل طفل وكل امرأة وكل رجل مهما كان أصله ، وتقاليده الخاصة ، كل الوسائل لتبرز بشكل كامل كل إمكانياته الإنسانية التي يحملها بين جنبيه .

********

هذا البرنامج العملي ليس خيالاً مُجَنِّحَاً .. ولا هو رسالة أخيرة لفيلسوف لم يبق في عمره إلا القليل .. يُلقِيها على الناس ثم يمضي ، لتمضي معه إلى قبره ، ولا تتجاوز حدود كتابه !!

والأفكار المطروحة فيها هي ما يداعب نفوس الجميع .. غير أن الجميع يَكُفُّ عن التلفظ بها !!

********

-  -      إلامَ نحتاج لكي نقول للغرب : كفاك ما أخذت من أقواتنا ؟؟

-  -      إلى حاكمٍ رجل !!

-      -      ومن أين يبزغ هذا الحاكم ؟؟

-  -      من أمة مستيقظة .

********

ولأن الأمة مُجبَرٌة الآن على اليقظة .. إذ ليس أمامها إلا خياران – ولا ثالثَ - :

أن تقاتل في سبيل حريتها ، أو تعيش مستعبدةً لغيرها ..

لأن الأمة كذلك .. ولا يمكن لعاقل أن يراها إلا على هذه الشاكلة .. فلا غناء لها عن أن يكون سؤالها المتكرر : ما العمل ؟؟

ومهما تكرر طرح هذا السؤال فلا ينبغي أن تَمَل منه .. لأنه لا بديل لها عنه !!

ما العمل ؟؟

لابد أن يسأله كل فردٍ بذاته .. لذاته .. ثم لا يلتقي بغيره حتى يكون هذا السؤال أول ما يبدأ به حديثه .. وآخر ما يختم به مجلسه .

ما العمل ؟؟

سؤال نطرحه الآن .. ونرجو من الجميع الإجابة عليه .. قبل أن يَحُل وقتٌ لا يقوى فيه أحدٌ على أن ينطق إلا بشعار الفرعون الأكبر : " ما أريكم إلا ما أرى .. وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " .

ولأنه سؤال الأمة .. فلابد للأمة جميعاً أن تشترك في الإجابة عليه ..

اكتب .. اكتب .. ولا يمنعنك عن الكتابة شيء ..

اكتب ما يمكن أن تبذله لأمتك .. وتَذَكَّر أن ما تبذله لها إنما تبذله لنفسك .. لأن الأمة لن تسقط إلا بعد أن تسقط أنت .. ولن تعلوَ أنت إلا بِعُلوِّهَا !!

ولا تَحقرَنَّ من المعروف شيئاً .. فلعل كلمة تكتبها الآن يقرأها طِفلٌ في رحم الغيب يهيئ الله له أن يحقق ما ارتسم في خيالك .. فيُكتَبُ لك أجر المجاهد وإن متَّ على فراشك !!

وتذكر أن المستقبل البعيد ترسمه آمالُ اليوم ..