هل جاء عصر عالمية المعارضة الكونية ضد عولمة الحرب والطغيان أخيراً؟

 

 

 مطاع صفدي

 

    امريكا ماضية في ارتكاب أكبر جريمة حرب مكشوفة وعارية من أية مشروعية. ولا يبدو ان ثمة قوة معارضة قادرة علي إحباطها قبل ان تقع. فهي من نوع الحرب الوقائية التي تجعل كل معارضة وقائية ضدها غير ذات موضوع بالنسبة لمنع الكارثة أو اخماد اسبابها قبل حدوثها. ومع ذلك فالمعارضة لا تتراجع بقدر ما هي في حال من تنوع وسائلها ومظاهرها، وامتداد شمولها الي معظم حواضر العالم الغربي نفسه قبل الشرقي. وقد استطاعت ان تتحول الي ما يشبه مؤسسة منظمة يديرها العديد من الجمعيات الأهلية والاحزاب والتكتلات القديمة والمحدثة من جماعات الرأي، واصحاب النشاطات السياسية والثقافية المعروفة او الناشئة في هذا الجو العالمي المناهض للأمركة الغازية. ما يمكن قوله ان امريكا التي دأبت منذ نهاية الحرب الباردة علي ابتكار اشكال من العولمة. ابتدأتها اقتصادية ثم جعلتها أمنية، وصولاً الي عولمة الحرب علي الارهاب، وتحويلها الي آلة من العدوان الشمولي علي شعوب الأرض المستضعفة، من افغانستان الي العراق وما بعدهما، فانها تواجه اخيرا بعولمة المعارضة، التي لا تقودها دولة معينة، ولا تخطط لها جماعة قيادية واضحة، لكنها تنبعث تلقائياً بقوة الرفض الانساني وحده، وثورة الضمير الاخلاقي وحده لدي أوسع جمهور كوني عرفته اية ثورة سابقة في التاريخ المعاصر. ذلك هو التحول الموضوعي الأعظم في ثقافة العنف، بعد ان كان العنف محتكراً بيد طغاة الحكم والسياسة وحدهم، فإنه ينزل الي اعماق المجتمع الانساني، ويستثير لديه قوي جديدة غير معروفة او مستثمرة علي هذا النطاق الشمولي، وبهذه الوساعة العميقة للعائلة البشرية كلها. فلا بأس ان يحل العدوان البربري اخيرا علي مهد الحضارة العربية الاسلامية، ان كان العدوان يفجر منذ الآن بوادر اعظم ثورة كونية حقا، حلمت بها طلائع التقدم منذ عصور، وتطلعت الي ما هو أقل منها بكثير شمولاً وفعالية وتحققاً لأنبل المثل: مقاومة الظلم وطلب العدالة للجميع، في اي مكان، وكيفما كانت ظروفها الخاصة. فهذه هي ثورة الجمهور العالمي. وهذه هي شرارتها الأولي تنطلق من اعنف مظلمة عربية، لتثير اوسع حركة رفض وتمرد يسجلها تاريخ المقاومة العفوية للمجتمع المدني المستيقظ اخيراً في قاعدة كل شعب حي يسكن هذه المعمورة، دون ان يستثني المجتمع الامريكي نفسه من هذه المشاركة الشعبية الهامة في معارضة قيادته الباغية.

    قد لا يكون ما يحدث علي صعيد الدول معادلاً في قوته ودلالته لما يحدث من تحولات تاريخية غير مسبوقة علي صعيد اليقظة الشعبية لمعظم أمم الغرب الأوروبي خاصة. ومع ذلك يستطيع المحور الجديد المؤلف من فرنسا والمانيا وروسيا ان يعتبر دولة ممثلة للرأي العام في بلادها، وفي الوسط العالمي، في حين ان العزلة الحقيقية هي لامريكا، ولقيادتها السياسية حتي بالنسبة لمجتمعها. وهو الوضع الذي يكذب عمليا وكل يوم ادعاءات بوش وفريقه بأن العزلة هي من نصيب دول اوروبا (القديمة) علي حد وصف باول لكل من فرنسا والمانيا. بينما لا تمتلك ادارة بوش الا ارادة الحرب وسيطرتها علي اخطر آلة لها. لكنها تفقد حرية استخدامها يوما بعد يوم كلما قامت وتقوت في وجهها اكثر فأكثر ظاهرة الرفض المتعاظمة، والمنتشرة كالنار في الهشيم، وفي كل مكان. ومع نجاح المحور الاوروبي الناشئ في شق حلف الناتو، كأول حدث سلبي بارز وضاج يقع للاطلسي منذ انشائه قبل نصف قرن ونيف، تفقد امريكا تدريجيا خطوط دفاعاتها الدبلوماسية والتحالفية ذات العمق التاريخي المستمر، وهكذا يقوي لديها ذلك الشعور المتشائم، والمحرك لأحد اسس استراتيجيتها الباحثة عن ركائز ثابتة ما وراء المحيطات خوفا من احكام العزلة الجغرافية حول جزيرتها او قارتها العملاقة المحاصرة بالمحيطات فسمعنا اخيرا ان امريكا تفكر جديا بسحب قواعدها العسكرية واللوجستية من المانيا كعقاب لهذا البلد ولاوروبا الغربية التقليدية، في حين انها تعاقب نفسها بهذا التدبير القصير النظر والانفعالي، اذ ان تلك القواعد قد ضمنت لها طيلة نصف قرن ممارسة وجودها السياسي والعسكري داخل اهم قارة، وانطلاقا من هذه القواعد عينها مارست خطط الهيمنة والاسناد لتدخلاتها في شؤون شرقي اوروبا، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتأثير الفعال في ازمات الشرق الاوسط، والحروب العربية الاسرائيلية، وصولا اخيرا الي حربها الافغانية، والعراقية قيد التنفيذ، حتي ان بعض الصحافة الامريكية نفسها انتقدت سريعا نوايا الانسحابات العسكرية هذه من المانيا، واعتبرت نقلها الي بعض دول اوروبا الشرقية انهزاما استراتيجيا من مركز السيطرة في وسط اوروبا، ومن قلب المانيا، هذا البلد الرئيسي والقائد مع فرنسا للاتحاد الاوروبي، الذي من المقدر له ان يغدو ثاني قوة عالمية والقطب الاخر المضاد لاحادية امريكا.

    لقد فجر الخلاف حول مشاركة الناتو في الدفاع عن تركيا خلال العدوان علي العراق، بداية حلقة التحرر الاوروبي من الشراكة القسرية مع امريكا، ولام البعض سياسة بوش في اصطناع هذه المعركة بسبب ثانوي، وفي هذا الوقت بالذات، مما دفع امريكا الي السقوط في الفخ الذي نصبته لدول المحور، كيما تجر الحلف الاطلسي الي المشاركة العملية واللوجستية في غزو العراق، وعلي كل حال ادت معركة الانشقاق بين اقطاب اهم حلف باق ومستمر حتي ما بعد انقضاء اسبابه الموجبة ابان الصراع مع الاتحاد السوفييتي وحلف فارصوفيا ادت الي خسارة مزدوجة لدبلوماسية الحرب الامريكية، فلم تكسب مساندة الحلف لتركيا ودفعها الي التورط الكامل الي جانب امريكا في اجتياح العراق، كما انها فتحت الطريق واسعا امام انهيار الحلف كمؤسسة وربما الي الانسحاب الامريكي من عمق القارة الاوروبية نحو بعض اطرافها الشرقية الثانوية، او الخروج النهائي من كامل القارة في يوم ما.

    مثل هذا المصير لحلف الاطلسي لم يحلم به ديغول الذي اعلن انسحاب فرنسا من مؤسسته العسكرية، لكنه يعزز الي حد بعيد ذلك الخط الفرنسي العريق الثابت منذ عقود بعيدة في حماية السيادة الوطنية من ناحية، ومقاومة الاحتواء الامريكي لمستــــقبل اوروبا كليا، كأنما تولت فرنسا، منذ ايام ديغول، تحرير بلدها وقارتها معها، قبل ان تحل أزمة الانشــــقاق الحالية التي عملت امريكا نفسها علي انزال حكم الاعدام باستـــمرارية الناتو في لعب ادواره التقليدية المعروفة من خلال اجباره علي التورط معها في ضرب العراق وتدميره مرة ثانية.

    مقابل كل هذه النكسات لدبلوماسية الاعداد للحرب الباغية لا تكاد ادارة بوش تتوصل للحظة الي موقف مصارحة مع الذات، فتشرع قليلا في وعي النتائج الكارثية المترتبة علي مسيرة الوحدانية، ليس لبلدها فقط بل لفريقها نفسه وعلي وجه التحديد، لكن كما يبدو لا يزال منطق المصالح الاقتصادية للفئة الحاكمة وحلقتها العليا من شركات البترول والسلاح، يضرب بعرض الحائط الحد الادني لمصالح البلد الذي يحكمونه، فحين يعلن اكبر خبير اقتصادي مالي هو رئيس البنك الفدرالي ان خطة بوش لمحاربة الكساد، وانقاذ الميزان التجاري، لن تأتي علي الاقتصاد المريض الا بأوخم العواقب، ما دام خبراء بوش لا يرون ثمة طريقة للاصلاح الا بخفض الضرائب علي كبار الرأسماليين مع زيادة ميزانية الدفاع والامن، فان مثل هذا الاعلان لا يزيد فريق بوش الا اصرارا علي الحرب كحل نهائي للوضع المالي المنهار، علي ان هذا الحل سيكون بمثابة طلقة الرحمة الاخيرة القاضية علي بقية رصيد الخزينة المهددة بالافلاس المحقق في نهاية الدرب القصير المفتوح امامها.

    لم يفقد مشروع اجتياح العراق آخر عوامل مشروعيته الدولية، وعناصر تسويغه القانوني، ولم يخسر آخر رهانات دبلوماسية التحالف مع الاصدقاء الكبار فحسب، بل لن يذهب الي ساحات القتال الا عاريا من اقل وسائل التمويه واخفاء اسبابه الحقيقية اللااخلاقية، والمحصورة فقط بمصالح الطغاة الحاكمين وحلفائهم الصهاينة المكشوفين، والمزروعين في اعلي مستويات التخطيط والسلطة والادارة.

    هل من عجب اخيرا ان يصبح العالم كله تقريبا العضو الرئيسي في معسكر السلام الذي لن يكون وقفا علي الدول وحدها. وان يتقلص بالمقابل معسكر الحرب، ليقتصر اخيرا علي حفنة القلة من الحكام المستفيدين واعوانهم من افعال التدمير لعمران العراق والدوس علي سيادته، وقتل ابطاله وابريائه، واستباحة ثرواته لشركات بوش وتشيني ورامسفيلد واضرابهم. فكيف لهذه الحفنة من رجال السوء الا ينتظرها ذات يوم مصير مجرمي الحرب امام العدالة، علي شاكلة شارون الذي لم تنفعه اكبر سلطة وسلطان في دولته، من حكم القانون، وفي ابعد بلد، ومن قبل قضاة لا يتأثرون الا بوقائع الجريمة، وضحايا المجزرة، وان مضي عليها عقدان ونيف من الزمن. فأية مجازر هائلة مريعة سوف يرتكبها اليانكي المغرور والتكساسي الجشع غدا في احياء بغداد وملاجئها المدنية. علي غرار ما فعله رفاقهما في ملجأ العامرية عام 1991. لكن المجتمع العالمي هذه المرة لا يدير ظهره الي مسرح الموت، بل يراقبه ويحاصره عن كثب. حتي ان شعوب اوروبا ارسلت قبل غيرها بمئات بل ألوف المتطوعين الذين سيجعلون من اجسامهم دروعا للمراكز الحيوية التي اعلنت خطة العدوان عن البدء بتدميرها تحت وطأة الوف القنابل العملاقة البربرية. وفي سياق هذه الحماية المبتكرة ينبغي ألا ننسي تحرك رموز السلام العالمي بدءا من هؤلاء الآلاف المؤلفة من الناس العادلين المجهولين، وصولا الي هذا الرمز العظيم رجل افريقيا الخالد (مانديلا) الذي اعلن عن نيته في الانضمام الي الدروع البشرية في بغداد.

واما البابا زعيم الكنيسة الكاثوليكية فلم يعلن حياده بل انحيازه الكامل والفعال لمعسكر السلام داعيا رعيته المسيحية في كل مكان، وانطلاقا من كاثوليك امريكا نفسها الي مناهضة العدوان بكل وسيلة ممكنة.

    ينقسم العالم مجددا الي معسكري السلام والحرب العداونية. لكنه انقسام يفرز الفئة القليلة الضالة منه عن الاغلبية العظمي من شعوب وحضارات ودول تناهض مجرمي الحرب وتعزلهم في اضيق خانة، باستقلال حتي عن دولهم ومجتمعاتهم التي تدينهم. تلك هي علامة الايجابية الاولي لهده المعركة الشاملة التي ينخرط فيها كوكبنا الارضي ضد آخر جيل من طغاة التاريخ. انها معركة السلام الكوني التي تسبق حرب الطغاة، وتلاحقها في فصولها المهولة، وتتابع آثارها المروعة بعد انقضائها. فالعراق الشهيد هو الساحة الاولي لهذه المعركة. وانه يفتتح بدمائه وضحاياه عصر التحول العظيم من ازمان سحيقة وراهنة لسلطان الطغاة من تجار الحروب الناجين من كل حساب وعقاب، الي الزمن الذي يُقاد فيه شارون، وكل شاروني آخر علي مثاله، الي قبضة العدالة الانسانية ليقاضي فيها عن جرائمه ومجازره كرمز اول عن كل سلالته وقبيلته من قتلة الشعوب.

    لن تكون ثورة (الجمهور العالمي) آخر ثورات التاريخ العظمي الا لكونها البداية الحاسمة لقيام مصطلح (الحكومة العالمية) التي ستقود الانسانية الي مستقبل الحرية والعدالة للجميع. انها اعلان مولد المجتمع المدني الكوني، ذلك الموعد مع المستحيل الطوبائي الذي يصير واقعا ممكنا، ولكن من مدخل الكارثة العربية الاسلامية المستديمة. فالخير المعمم علي الجميع لن يأتي به الا مستضعفو الارض. ذلك هو قانون التاريخ الذي سوف يلغي نفسه ذات يوم، عندما تنهار عندما تستهلك ثنائية الطغيان/ الحرية كل معاركها المحتومة، ولا يتبقي الا حدها الثاني وحده: الحرية والعدالة للجميع.