أمريكا لم تتراجع عن الحرب

عاطف الجولاني

 

أمريكا في مأزق، فشعوب العالم كلها عبرت في مسيراتها المليونية الحاشدة، عن رفضها لمبررات العدوان على العراق. ومجلس الأمن وجّه لواشنطن صفعة قوية، حين عارضت غالبية دوله الأعضاء مسوغات أمريكا للحرب.

 

حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو الآخر في مأزق، بعد أن بدأت فرنسا وألمانيا وبلجيكا بمناكفة السياسات الأمريكية المندفعة لاستخدام القوة ضد العراق، وهو ما أدى إلى انقسام الحلف والاتحاد الأوروبي إلى محورين، محور معارض للحرب يضم الدول الثلاث المناكفة، ومحور مؤيد لأمريكا دون تحفظ، تقوده بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا.

 

وجامعة الدول العربية أيضا في مأزق صعب في مواجهة الشارع العربي الذي فقد كل ثقة بمنظمات العمل الرسمي العربي المشترك، لا سيما بعد أن فشل وزراء الخارجية العرب في مجرد الاتفاق على عقد جلسة طارئة على مستوى القمة للقادة العرب، كانت مصر قد دعت لعقدها قبل أيام. وزاد من أزمة النظام الرسمي العربي المهترئ، ظهور أسامة بن لادن المتكرر على شاشات الفضائيات، بخطاب تحريضي واضح صريح وغير مسبوق ضد الأنظمة العربية التي اعتبرها فاقدة للشرعية، ووصف بعضها بأنها «كرزايات» مشابهة لـ«كرزاي أفغانستان». وقد رأى بعض المراقبين في حرص بن لادن على الظهور مرتين خلال أسبوع واحد، بعد غياب طويل عن شاشات الفضائيات، محاولة لاستغلال حالة الشلل والعجز الرسمي العربي، لتوجيه خطاب في اتجاه معاكس، يدعو إلى الجهاد والمقاومة ومواجهة أمريكا والتمرد على الحكومات العربية.

 

الشعوب العربية في مأزق كذلك، وتشعر بكثير من الحرج والخجل بعد أن شهدت العواصم الأوروبية مسيرات ضم بعضها ملايين المتظاهرين ضد الحرب، في حين صمتت غالبية العواصم العربية صمت القبور، وحتى تلك التي خرجت عن صمتها كان كلامها مخجلا، ففي الجزائر لم يشارك أكثر من 100 شخص في المسيرة الاحتجاجية على ضرب العراق، وفي قاهرة المعز عاصمة أكبر دولة عربية، لم يصل عدد المتظاهرين إلى ألف شخص، من بين نحو 69 مليونا هم عدد سكان مصر!!

 

ورغم كل هذه المآزق، تصر أمريكا على مواصلة قرع طبول الحرب، غير عابئة بفشل ساستها في تبرير حربهم المزمعة ضد العراق، ولا مكترثة بالمعارضة الشعبية العالمية الواسعة للحرب المرتقبة. والذين يراهنون على احتمالات أن المعارضة المتزايدة لأمريكا في مجلس الأمن، وتنامي مشاعر العداء لعنجهية أمريكا وصلفها، إلى إلغاء خيار الحرب أو تأجيلها، ربما كانوا متعجلين أو واهمين بعض الشيء.

 

صحيح أنهم يستندون إلى منطق سليم، وأن المعطيات القائمة ينبغي أن تدفع أمريكا إلى إعادة النظر في قرار شن الحرب على العراق، على اعتبار أن الظروف غير مواتية، لكن أولئك المراهنين على المنطق والحكمة، يغفلون عن حقيقة أنهم يتعاملون مع عصابة موتورين في البيت البيض، لا علاقة لهم بعقل أو منطق.

 

بخلاف ما يعتقده المرجحون لإلغاء خيار الحرب أو تأجيلها، فإن أزمة أمريكا المحتدمة مع مجلس الأمن و(الناتو) وشعوب العالم، قد تكون عامل تسريع للحرب، لا تأجيلها. فأمريكا باتت تدرك أن عامل الوقت لا يعمل لصالحها، وأن تأجيل الحرب سيزيد من حجم الرفض الشعبي داخل أمريكا وخارجها، وأن جرأة ألمانيا وفرنسا وبلجيكا على معارضة سياساتها، والضغوط التي يواجهها حلفاؤها في لندن ومدريد وروما، قد يزيد من عدد المتمردين على القرار الأمريكي.

 

أمريكا تنتظر استكمال عملية الحشد العسكري في المنطقة، وإتمام بعض الإجراءات الشكلية، كالحصول على موافقة البرلمان التركي على استخدام الأراضي والأجواء التركية في الحرب. وحين تشعر واشنطن أن الاستعدادات قد استكملت، فقد تشن الحرب في أي لحظة، بقرار من مجلس الأمن و(الناتو)، أو بدون قرار. ومن تابع تصريحات كونداليزا رايس خلال اليومين الماضيين، يدرك حجم الإصرار الأمريكي على شن العدوان.