"مكارثية" جديدة بمفاعيل تتجاوز أميركا!

 

بقلم : هاني  سليمان

                رئيس لجنة الحريات وحقوق الانسان في المنتدى القومي العربي

 

 

في سنة 1948 وبعدما وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها، شهد العالم ولادة الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي يكرس حقوق الناس في العيش بكرامة ومساواة في فيما بينهم.

وفي سنة 2001، وبعد ان تعرضت اميركا لما يسمى اولى حروب القرن، شهد العالم ولادة القرار 1373 الصادر عن الامم المتحدة الذي يعلن الحرب على الارهاب.

ولقد لعبت اميركا دور القابلة القانونية في كلا الحدثين، لإخراجهما الى الوجود. لكن، وكما يعلم الجميع، كان لكل من هذين الاعلانين ظروف نشأة، ومجالات تطبيق.

أ بالنسبة للاعلان الاول، لقد وضعت اميركا لمساتها الاخيرة عليه بعد مشاورات مكثفة بين الدول الاعضاء في الامم المتحدة، اما بالنسبة للاعلان الثاني، فإن صيغته الكاملة، بدءا من حروفه الاولى حتى آخر بند فيه، قد كتبت في دوائر وزارة الخارجية الاميركية واجهزة الامن القومي الاميركي، ولا دور للدول الاعضاء فيه.

ب في الاعلان الاول خرجت اميركا من الحرب منتصرة، مطمئنة، باردة الاعصاب، اما في الاعلان الثاني، فان اميركا ما زالت تحت الضربة، واكثر من ذلك، فقد كانت تشعر انها لا زالت تحت التهديد.

ج في الاعلان الاول كانت اميركا قد أحصت خسائرها وأرباحها في الحرب، وفرزت خصومها من حلفائها، اما في الاعلان الثاني، فانها لم تكن قد حددت كل اعدائها، او فرزت خصومها من حلفائها، ولذلك فانها كانت تتحرك تحت عنوان سياسي عام مفاده <<ان من ليس معنا فهو ضدنا>>.

د في الاعلان الاول كانت الحرب العالمية الثانية قد اصبحت وراء اميركا ووراء العالم، اما في مناخ الاعلان الثاني فان اميركا ذاهبة الى حرب عالمية جديدة، وهي قد باشرتها بالفعل، وفي ظل ظروفها المعروفة، العصبية والعصيبة، يصدر اعلان محاربة الارهاب.

ه وتحت وطأة الحالة النفسية التي يعيشها المواطن الاميركي، كان على الادارة الاميركية ان تتحرك وعلى كل المستويات، وبالسرعة المطلقة فكان الرأي الناصح للرئيس جورج بوش الاب، وكان القرار للرئيس جورج بوش الابن، قال الرئيس الاب لابنه <<ليس امامك غير ان تضرب بسرعة، لأن العجز هو الخطيئة التي لا تغتفر لسياسي، وان الناس يغفرون للرئيس اذا أخطأ لكنهم لن يغفروا اذا تبدّى عجزه>>.

وبالفعل فقد بادر الرئيس بوش بالضرب، وعلى كل مستوى، فطالت قذائفه آلاف الابرياء في افغانستان، ممن لم يستطع الجوع او البرد ان يقتلهم تحت الخيم وفي الطبيعة، وجاءت قذائف القرار 1373 لتطال ملايين البشر في كراماتهم وحقوقهم في النضال لاستعادة أرضهم او لاستعادة قرارهم. هكذا فقد ساوى القرار 1373 بين المقاوم والارهابي وساوى بين الضحية والجلاد، وبين المستعمر وصاحب الارض المحتلة.

لقد واجهت الامة العربية، انواعاً شتى من الارهاب، تجلّى ذلك في احتلال ارضها واقتسامها بين القوى الاستعمارية الكبرى، وصولاً الى غرس الكيان الصهيوني في فلسطين، الذي يقدم نموذجا متقدما من اصناف الابادة والتشريد.

ونتيجة معاناتها هذه، لا يمكن للامة العربية، الا ان ترحّب بصدور اي قرار يدين الارهاب، شريطة ان يكون تنفيذه متوازيا وعادلا يحفظ حقوق الشعوب في النضال من اجل تحررها واستقلالها. الا ان تجربة العرب مع الادارة الاميركية، كانت مريرة لدرجة انها لم تترك لهم كما لغيرهم فرصة المناقشة في معطيات القرار 1373 الذي يترك للادارة الاميركية من دون غيرها حق تفسيره وحق تنفيذه.

ولا نغالي، اذا قلنا انه سيكون للاعلان الاميركي <<لمكافحة الارهاب>> انعكاسات سلبية على حريات دول وشعوب العالم، ولم ولن ينجو الشعب الاميركي نفسه من هذه الآثار، وليس أدلّ على تضرر الشعب الاميركي مثلا، من هذا الاعلان، سوى ما تناقلته الصحف، من ان الرئيس الاميركي يجول في الولايات الخمسين محاولا تهدئة خواطر الناس ومخاوفهم من المحاكم العسكرية، التي اقرها مجلس الشيوخ الاميركي، هذه المحاكم التي اصبحت تحكم على الشبهة من دون ادلة او قرائن في انتهاك فاضح لحقوق الانسان في الدفاع عن نفسه بكل السبل المتاحة امامه.

في الذكرى السادسة والخمسين لالقاء القنابل النووية على اليابان لم يجد الرئيس بوش الا حاملة الطائرات الاميركية <<يو اس اس انتربرايز>> الرابضة في فرجينيا، مكانا صالحا ليذكر اليابانيين بمآسي وآلام يحاولون نسيانها.. (هل هو جنون القوة يفرض نفسه على الدولة الأكثر قوة في العالم؟).

وهل بدأ العالم يشهد نوعاً جديداً من المكارثية، لا تنحصر مفاعيله وآثاره في الولايات المتحدة بل تمتد لتشمل العالم كله، ولا يقتصر الترويج لها على سناتور متعصّب في الكونغرس الاميركي بل تتحرك في سبيل تعميمها، دول وأجهزة عالمية وأساطيل وجيوش؟

وهل استبدل مكارثيو القرن الحادي والعشرين الخطر الشيوعي ذي الجذور الايديولوجية، بخطر الارهاب غير المحدد بتعريف او توصيف، بحيث يمكن بموجبه تسليط التهمة على كل ارادة او سيادة او كرامة؟

واذا كان العالم بأسره قد تعاطف مع الشعب الاميركي وهو يرى طائرات مدنية تخترق برجي منظمة التجارة العالمية، وتتسبب بانهيارهما على من فيهما، ليختلط دم الابرياء ولحمهم بالحديد الملتهب، فهل هذا التعاطف يبرر قصف الطائرات العسكرية الاميركية لقلعة جانغي الافغانية، فتتطاير جثث مئات الاسرى المكبّلين بالسلاسل، في واحدة من أبشع جرائم الابادة الجماعية في عصرنا الحاضر.

قد تربح واشنطن وحلفاؤها حروباً ضد هذا البلد او ذاك، بما يملكون من تفوق عسكري وتقني كاسح، لكنهم يخسرون في كل حرب، قيمة من القيم الاخلاقية والانسانية التي بنوا مجتمعاتهم بدعوى التمسك بها وفي ظلها، بل يفقدون في كل معركة، معنى من معاني التحضر والرقي الانساني اللذين طالما تغنوا بهما.

فحقوق الانسان التي تصادف هذه الايام الذكرى الثالثة والخمسين لاعلان ميثاقها العالمي، لم تكن منتهكة وعلى المستوى العالمي، كما هي منتهكة اليوم. وحريات المواطن العامة والخاصة لم تكن مهددة كما هي اليوم، بل ان هذه الحريات باتت مهددة في الدول الكبرى التي كان كثيرون يظنون انها كانت تحرم الشعوب الضعيفة منها، من اجل ان تمارسها في داخلها، فاذا بهم يشهدون اليوم مرحلة، تخسر بها شعوب الدول الكبرى نفسها حرياتها، من اجل السيطرة على شعوب العالم كله.

اننا اليوم مدعوون لتوجيه سؤال كبير الى كل المنظمات العالمية والاقليمية والمحلية، المعنية بحقوق الانسان: اين حقوق الانسان والحريات العامة مما يجري اليوم في العالم كله؟ والى متى ازدواجية المعايير في قضايا حقوق الانسان؟، رحم الله الشاعر الذي قال يوما:

قَتْلُ امرئ في غابة جريمة لا تُغتفرْ

وقتلُ شعب آمن مسألة فيها نظر