أجمل الامهات.. أم
نضال فرحات
علي سعادة
قد
تكون الخنساء، تماضر ابنة عمرو، نموذجاً متدفقاً بالوهج الانساني، فهي التي بكت
اخاهاصخراً حتى كادت تفقد بصرها، وبعد ان لمس نور الايمان قلبها وأُبلغت نبأ
استشهاد اولادها الاربعة في معركة القادسية شكرت الله بقولها : «الحمد لله الذي
شرفني بقتلهم، وارجو ان يجمعني بهم يوم القيامة».
ثمة
أمهات وقفن عند حدود الفجيعة والموت، وتلقين نبأ استشهاد ابنائهن بكلمات تشبه ما
قالته الخنساء، ربما اختلفت الصياغة والانشاء، ورد الفعل على فقدان الابن، الابنة،
الاخ، الزوج، الاخت، ولكن كانت هناك دائماً ارواح عملاقة تشع بنور الايمان المنبعث
من بين اصابعهن، وحدقات عيونهن.
لعل
فلسطين قطعة من الجغرافيا والتاريخ خارج نطاق المحسوس والملموس، ولعل الام
الفلسطينية التي كان نشيدها لعينيها ان تكف عن الدمع، وان تبدد بصبرها ضباب النحيب
والعويل، لعلها ولدت من رحم يفيض بنور انبثق من زيتونة مباركة، فالمرء حين يموت
يخجل من دمع امه، يشيح بوجه حتى لا يرى الدمع يسيل عبيراً وياسمين على خديها،
وربما يكون هذا هو الذي يدفع الامهات الى الصبر والثبات حفاظاً على كبرياء وحرمة
الشهيد، وحده لا يفنى، ولا يموت.
التحريض
والحث على الاستشهاد، ثم تقبل استشهاد اولادهن كتكريم الهي، قاسم مشترك، بين
الخنساء الشاعرة العربية، وبين الخنساء الفلسطينية، نموذج يضيف كبرياء وأنفة يكاد
يضيء وان لم تمسسه نار، تماماً هذا ما فعلته والدة الشهيد محمد فتحي فرحات الذي
استشهد بعد معركة طويلة مع الصهاينة في مستوطنة «عتصمونا» محدثاً خسائر بشرية
ومادية ومعنوية كبيرة في صفوف الاعداء.
يشاء
القدر ان يكون لام نضال فتحي فرحات اربعة ابناء تماماً مثل الخنساء: الشهيد محمد،
المعتقل وسام، والمطلوبان للعدو مؤمن ونضال «الابن الاكبر» وحين وصل الى سمعها نبأ
استشهاد ابنها محمد حمدت الله وبكت بفرح، كانت الدموع على خديها شلالاً من الورد
والزنبق، وحين رأت ابنها في الوداع الاخير كانت كمن يستنهضه ثانية ليعاود الكرة
مرة اخرى على الاعداء، كانت صورتها وهي جاثية على صدر ابنها الشهيد والبندقية
بيدها اشبه ببيان ختامي مختصر: ايها الصهاينة اخرجوا من ديارنا.
بهدوء
عجيب، وبعد 48 ساعة من استشهاد ابنها محمد، كتبت رسالة لابناء شعبها الذبيح،
السجين، المحاصر، ولتراب فلسطين، داعية الامهات الى تربية ابنائهن على حب الجهاد
والاستشهاد في سبيل الله، وقالت لشارون: «ماذا تنتظر انت والصهاينة، ارحلوا عن
ارضنا قبل ان يأتي جند الله يحرقون الارض من تحت اقدامكم، عودوا الى اماكنكم التي
جئتم منها. لم تطلب عون العرب، فهي تعرف انهم مشغلون بوضع اسس سياسة الاستجداء
والتوسل، طالبت الأمهات بأن لا ينتظرن المساعدة من خارج فلسطين، اذ ليس ثمة صلاح
الدين الايوبي، او طارق، او عقبة على الابواب.
كانت
رسالة الشهيد محمد الى شعبه والى ابيه وامه موجعة، قاسية الى حد العويل، محمد ابلغ
والديه بأنه ذاهب لتنفيذ عملية استشهادية وطلب من امه وابيه ان يرضيا عنه وان
يسامحانه، وحصل على الرضا.. المسامحة في الدنيا وفي الآخرة، ودعا ان يسدد الله
رميته، وكان كذلك، فما رميت اذ رميت ولكن الله رمى.
كل
أم فلسطينية هي مثل أم الشهيد محمد فرحات، تعرف انه ذات يوم سيزف لها ابنها شهيداً
مضرجاً بدمه تحفه شقائق النعمان، كل أم هي مشروع أم شهيد، أو أم معتقل، أو أم
مطارد، أو أم محاصر، خنساوات كثيرات تفيض بهن أرض فلسطين، أرض الشهداء التي تكاد
طرقاتها ومخيماتها تورق بالورق الأخضر اذ تلمسها دماء الشهداء الساخنة التي تسير
عبر اروقة جامعة الدول العربية، ومعاهدة الدفاع المشترك، والمصير الواحد، تستصرخ
فما من أحد، صم بكم فهم لا يفقهون.