حين يُغيب ( فقه المقاومة )

ويحضر ( فقه الصهينة )

 

بقلم د0 رفعت سيد أحمد

 

* مشهدان يحتاجان الى تأمل 00 فى المشهد الأول وفى الوقت الذى كان شهداء فلسطين يسطرون صباح مساء ، أروع مشهد إنسانى تعتز به الأمة منذ فتوحات الاسلام الأولى وحتى اليوم ، واصلين الأمس الجميل الرائد 00 أمس حمزة والحسين بن على ، بيوم نبيل العرعير ورائد الكرمى ووفاء ادريس ومحمد فتحى فرحات ، فى لوحة واحدة وفقه واحد هو ( فقه المقاومة ) 00 فى هذا الوقت وفى مشهد آخر مغاير كان ثمة فريق بائس من مثقفينا كما سياسيينا يصطف فى مربع العدو وينسج معه فى تزاوج نفسى ، سواء عبر ( القول ) أو (الفعل) أو السياسة لوحة مضادة ، وفقه مضاد ، هو (فقه الصهينة) ، ذلك الفقه الذى يجعل من (شارون) صديقاً ، ومن عواصمنا العربية أسواقاً لبضائعه وسفاراته وحول أكبر عاصمة عربية ، الى مجرد (وسيط) فى صراع يهدد أصلاً أمنها القومى قبل ان يهدد الفلسطينيون أنفسهم ، وهو أيضاً فقه يجعل من مقاتلة (الحالة الاسلامية) فرض عين يومى على فريق المطبلين من (الجناح المثقف) بداخل هذا الفقه ، عليهم أن يؤدونه يومياً ، فى مجالسهم وعبر صحفهم ، وعبر فضائيات عربية تفرغت لترهاتهم بدلاً من أن تصرف وقتها وأموالها فى خدمة الأمة والدفاع عن قضاياها الصحيحة العادلة ، حيث تشويه هذه الحالة (وفى قلبها الحركات الاسلامية) ، ووصمها جميعاً بالارهاب لأن مجرد فريق صغير منها مارس العنف ضد الأنظمة ؛ يصبح لازمة حياتية لهذا الفريق ، ينطلق منه الى تشويه نضال الشعب الفلسطينى وحركاته الاسلامية المناضلة 0

* مشهدان مثيران للتأمل إذن 000

* فى المشهد الأولى حسمت الأمة الخيار ، ومعها جمهور المثقفين الشرفاء من التيارات كافة (الليبرالية اليسارية الاسلامية القومية) وانحازت جميعاً الى خيار المقاومة أو (فقه المقاومة) المطلق ، لأن الخطر ماثل ، وضارب للجميع ولن يستثنى أحداً 0 فى المشهد الثانى : يعكف الساسة ، ومعهم جوقة (المثقفين) ونحن نضع الكلمة بين قوسين لأننا نشك أصلاً فى أن هؤلاء ينطبق عليهم بالفعل لفظ (مثقفون) بدلاً من كلمة (مخبرين) أو (سماسرة) 00 يعكف هذا الفريق على إيجاد مخرج لشارون وكيانه وكذا ايجاد مخرج لأنظمة الاستبداد التى تحالفت وتواطئت وطبعت ؛ من أزمتها حين تعرت وصمتت ، وهى تشاهد غزة وطولكرم وجنين ، ونابلس ، وفلسطين كلها تحترق ؛ وتفرغت لمقاتلة ومحاكمة الاسلاميين وأصحاب الآراء المعارضة 0

المشهد الأول ، والذى تصطف فيه أغلبية الأمة من عرب وعجم ، حسم الأمر ولا يحتاج الى بيان ، فى المشهد الثانى لازالت الحلقات البائسة تتوالى ، وهى تحتاج كى يتم الانتصار الكامل عليها الى تعرية ومواجهة ، وعدم فصل بين حلقاتها ، فعلى سبيل المثال ان يشوه (اسلام) الأمة وفى هذا التوقيت تحديداً ويتم الدعوة الى إقصاء الحركة الاسلامية عن العمل النضالى السلمى ضد أنظمة الصلح مع الكيان الصهيونى ، هذه الدعوة بكل تفاصيلها تقع فى نفس المربع الصهيونى وان ادعى غير ذلك ، ففى هذه اللحظة التاريخية ، ينبغى ان توجه (الطلقات) جميعها ، الطلقات المسلحة والطلقات الفكرية الى اتجاه واحد ؛ تجاه العدو الصهيونى ، وليس تجاه حركاتنا الاسلامية أو أىٍ من قوانا السياسية مهما كانت درجات الخلاف معها طالما انها لم ترفع السلاح فى وجه عربى أو مسلم ، ورفعته فقط فى وجه الصهاينة ومن والآهم 0

*             *            *

* ان الأمر فى هذا المشهد الثانى ليس فقط أمر (توقيت) ، ولكنه أيضاً أمر (مضمون) ما يبثه هذا الجناح الفكرى لهذا الفريق البائس وهو مضمون ملىء بالتشويه ، والاقصاء ، ليس للآخر السياسى العربى فحسب بل لثقافته وهويته ودينه 00 وهنا مكمن الخطر من فيرس ما أسميناه (بفقه الصهينة) ، حين تكتمل دائرته الممتدة من حماية شارون وانقاذه موصولاً بحماية الأنظمة المستبدة مروراً بتشويه ثقافة الأمة ودينها واستقصاء الآخر (من أبناء الأمة) كلية من الحياة السياسية ومن بناء المستقبل 0

لقد كان لنا قبل أيام مناظرة هامة على قناة المحور مساء 6/3/2002م برنامج (المصير) مع أحد رموز هذا التيار الاستقصائى الذى يذكرنا بالضبط بمنهج (شكرى أحمد مصطفى قائد جماعة التكفير والهجرة الذى كفر الجميع : الأنظمة والمجتمع والحركات الاسلامية دفعة واحدة وصار هو وجماعته يسمون أنفسهم (جماعة المسلمين) وكأن من عاداهم ليسوا من المسلمين) ، ذكرنى صاحبنا والذى كان يسارياً واليوم يسارى حكومى تابع ، ذكرنى بشكرى ، وقلت له من بين ما قلت ، إنك بالضبط تمثل (شكرى أحمد مصطفى اليسار) ، وتقع فى نفس المربع الذى تدعى محاربته ، مربع (التكفير) و(الاقصاء) وان على أرضية علمانية / حكومية 0

* ان أهمية هذه المناظرة ، تأتى من كونها كشفت ، وبقوة وعلم نحمد الله عليهما أن هؤلاء مع حكامهم ، يمثلون مصدر الخطر الحقيقى ، ويكملون دائرة (فقه الصهينة) ، قصداً ، ويقاتلون الأمة فى عقيدتها ، تحت عنوان مضلل (مقاتلة الارهاب) حتى يسهل افتراسها بعد ذلك 0

* ان المناظرة ، كشفت عن حقائق ، من المهم ابرازها أمام القارىء العربى ، وتسجيلها للتاريخ ، حتى لا تنطلى علينا بعد ذلك فتنة هذا (الفقه) اذا جاز ان نسميه فقهاً والذى يعيش بين ظهرانينا :

الحقيقة الأولى : أصحاب هذا الفقه لا يريدون الوصول الى (الحقيقة) والخروج منها الى قضايا الأمة ، انهم يريدون الجدل لمجرد الجدل ؛ ولمجرد خدمة الأنظمة التى يعملون لحسابها ، بل لخدمة قوى عالمية أكبر من هذه الأنظمة 0 ففى مناظرتنا المذكورة كان صاحبنا (اليسارى سابقاً) يؤكد على أن الاسلام مجرد (صلاة وصيام وحج 00 ) وانه لا سياسة فى الدين ، وعندما نرد عليه مؤكدين ان الاسلام جاء شاملاً : دين ودولة ، عقيدة وشريعة ، وأن كلمة (دين) وفقاً للنص القرآنى تعنى (الحكم) و(القانون) و(الشريعة) مصداقاً لقوله سبحانه وتعلى عندما تحدث عن النبى يوسف عليه السلام واصفاً فرعون وشيعته بقوله (دين الملك) وقائلاً ليوسف [ ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك الا ان يشاء الله : سورة يوسف آية 76 ] بل يقول للكافرين [ لكم دينكم ولى دين ] ، وانه لو لم يكن الاسلام ، ديناً شاملاً فإن السؤال الكبير الذى يواجهه عبر الأربعة عشر قرناً : لماذا نزلت رسالته وقرآنه اذ لم يكن لينظم كافة مناحى الحياة وشئونها ؟

وعندما تواجه صاحبنا ومن صار على دربه ومن يقف خلفه بتساؤلات آخرى من نفس السياق على شاكلة : ان الاسلام يدعو الى الجهاد والنفير وعدم التولى عند الزحف (تماماً مثلما يحدث الآن فى فلسطين الحبيبة) فهل نسمى هذا تدخلاً من الدين فى السياسة غير محبب أو مرغوب فيه ؟ والاسلام يضع أساساً للعلاقات الاقتصادية بين الأفراد والدول والجماعات ويضع أسساً للتملك وللتقاضى والتحاكم فهل هذا تدخل من الدين فى السياسة ؟ وبالمقابل : الدولة (أى السياسة) تتدخل الآن فى وضع مناهج التعليم ، بما فى ذلك التعليم الدينى 00 فهل هذا تدخل من السياسة فى الدين ؟ ان هذا الاضطراب الفكرى لدى فريق المتصهينين هذا ناتج عن عدم وجود استعداد أو رغبة أصلاً فى وجود الاسلام ذاته : ديناً أو عقيدة أو شريعة ، لأن السياسة (كما هى كافة القيم والممارسات) بنت قيم المجتمع ، ولم تخلق من الفراغ ، وقيم المجتمع هى بالأساس تتشكل من الدين والتقاليد والموروث الحضارى 0

فأى ازدواجية تلك ، وأى خلل وضلال فكرى هذا ، لا يريد فى الواقع البحث عن الحقيقة ، بل يريد استنزاف الأمة وقواها الحية فى معارك ثانوية جانبية لا تخدم الا فرعى الاستبداد : شارون ، وأنظمة الحكم التحالفة ضمناً معه ، عند هذه النتيجة خرج صاحبنا عن وقاره وانهارت نفسيته وبدأ يهدد بالخروج والعودة الى منزله ، من المناظرة التى كانت على الهواء تحت دعوى اننا نستخدم معه ألفاظاً غير لائقة من قبيل [ ان تعريفاته هزلية ، وأنه استبعادى وأنه يجمع أسوأ ما فى تاريخ هذه الحركات الاسلامية وتاريخ الاسلام ويحاول أن يكون مما يجمع مشروعاً واحداً وفقهاً واحداً يشوههم 00 وأسميته لحظتها بفقه البحث عن النفايات التى لا تمثل جوهر وأصل تطور هذا التاريخ الاسلامى والعربى 0000 الخ ] 0

* سقط صاحبنا فى الربع ساعة الأولى من المناظرة 00 وبات علينا ان ننشطه ليصحو فى الساعة والنصف الباقية منها 00 وهو ما كان 0

*           *            *

ثانياً : تعمد صاحبنا ، مثلما يتعمد الآن فريق فقه الصهينة إغفال رموز (فقه المقاومة) من الاسلاميين : (حماس الجهاد حزب الله) ، والتركيز على الشاذ من الحركات الاسلامية والعربية والذى لا يزيد على 10% من تعدادها ؛ تعمد ان ينظر ليس طوال المناظرة بل طوال عمره الذى ربى الآن على السبعين عاماً ، الى نصف الكوب الفارغ ، ليملؤه بهواء ملوث ، دون ان ينظر الى نصف الكوب الممتلىء بالخير والشهداء ؛ لان مجرد الاتيان على ذكر هؤلاء سيفقد أصحاب (فقه الصهينة) مرتكزاتهم التاريخية (العلمانية) التى تدعى ان فصل الدين عن الدولة هو الحل الوحيد حتى فى (المقاومة) ؛ فإذا بمِّن يشعل نارها ، ويقود لهيبها ويدفع بالباقين جميعاً من غير الاسلاميين الى الاقتداء بهم ؛ إذ بهم من وأقصد هنا تحديداً (حركة الجهاد الاسلامى وحماس وحزب الله) 0

لذلك كان ملفتاً فى هذه المناظرة كما فى غيرها تعمد هذا الفريق من أصحاب (فقه الصهينة) ألا يأتى بذكر لهم ، وان أتى فهو يتحدث عنهم فقط كمجرد (قوة مسلحة وطنية) تتحرك بلا عقيدة أو رؤية سياسية اسلامية ، من هنا كان سقوط منهج ومشروع صاحبنا (اليسارى سابقاً) الذى يعمل الآن فى ركاب السلطة ويعمل بكل وضوح مع قوى يهودية عالمية / صهيونية ، كان سقوطه فى الحوار عندما حاصرناه وحاصرته المكالمات الهاتفية التى انهالت كلها على رأسه ، ورأس منهجه 0 خاصة عندما قلنا له وبوضوح فى كل ما نتج عنك سواء فى هذه الحلقة أو فى غيرها عبر تاريخك لم نشاهد موقفاً صريحاً تجاه هذا النمط من ( الاسلام السياسى ) ، بالرغم من أن حماس هى امتداد للاخوان المسلمين ، فأين كتاباتك عنها ، وعن الجهاد الاسلامى ، وعن حزب الله ؟ ولماذا لم تجهد نفسك وعقلك بنفس القدر لتفسر لنا سر هذا الاسلام المقاوم مقارنة بالاسلام الآخر (المتأسلم) الذى لا يعجبك ؟ أم هو منهج تصيد الأخطاء ؟ أو الرغبة فى إبعاد كل ما هو جميل عن (التيارات الاسلامية) والتنقيب بهمة لا أحسدك عليها عن كل ما هو قبيح 0

أليس هذا أقرب لما نسميه ( بفقه النفايات ) ، أى البحث عن أسوأ نفايات ومواقف سلبية لهذه التيارات وإغفال الجوانب المضيئة فيها ؟‍‍‍!

ثم سألناه هل لذلك كله كما يردد البعض علاقة بكونك صديق قديم منذ 1973لـ(يوسى أميتاى) مدير المركز الاكاديمى الاسرائيلى بالقاهرة الذى أرسلت له برقية تعزية بعد مقتل المستوطنة القبيحة ابنة أخت اميتاى اثر  عملية استشهادية بطولية فى تل أبيب مارس 1996 قامت بها حركتى حماس والجهاد الاسلامى؟ وكنتما رفاق فيما كان يسمى بمجلس السلام العالمى تحت مظلة روسيا آنذاك أو هل لذلك كله علاقة بطبيعة علاقتكم التاريخية بجماعة (روما اليهودية) بقيادة استاذكم هـنرى كوريل ويـوسف خزان وديـدار داؤد عدس واليهـودى / الاسرائيـلى ج0 أسطمبولى وهم من قادة الحركة الصهيونية تاريخياً ويعيش بعض أعضاء هذه المجموعة الآن فى باريس ، أم أن هذا الأمر له علاقة وبزيارتكم للتعزية فى ضحايا برجى التجارة العالمى (ولم تفعلها مثلاً مع قتلى فلسطين أو أفغانستان فيما بعد) فى السفارة الامريكية بعد 11/9 وفى استقبالكم للسفير الأمريكى بمقر حزبكم فى القاهرة دفاعاً عن باقى الأحزاب المصرية والعربية ؟ أم أن الأمر لا يتعدى ثمن مقعد التعيين فى مجلس (الشورى المصرى) وبدون انتخابات يعنى رشوة سياسية بائسة للمشاركة فى معركة وهمية ضد (وهم) اسمه الارهاب الاسلامى لمساندة (حقيقة) اسمها استبداد حكومى / أمريكى / صهيونى ضد الأمة كلها ؟!  

*             *             *

* لقد كان لابد ان ندخل مع صاحبنا الى (عش الدبابير) كما يقولون وكنا مضطرين الى تعريته أمام المشاهد ، وكيف ان موقفه هو موجز مؤلم لمواقف هذا التيار المتصهين ، الذى ينخر فى أجساد قضايانا وأمتنا (نخر السوس) كى ينهار البناء كله ، وتضيع الأمة بعد أن تم تضييع القضية كلها ؛ ان الدفاع عن فلسطين كما بدا لنا من هذه المناظرة ومن غيرها من مناظراتنا مع المطبعين المصريين والعرب ، هو دفاع عن العقيدة والهوية والعكس بالعكس : فالدفاع عن العقيدة والقوى المجاهدة التى ترفع لوائها ، دفاع بالضرورة عن فلسطين ، انه تلازم حتمى يفرضه (فقه المقاومة) ، فى صراعه الأبدى مع (فقه الصهينة) ، ذلك الفقه الذى علا فى الأرض ، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر / أيلول 2001م والذى يتوسل فى علوه ، وهيمنته بوسائل خبيثة ، تضرب فى الدين ، والعروبة والحرية ، والعدالة ، وكل القيم الجميلة التى تستحق الاقتداء ، والذى يستهدف تغييب فقه المقاومة والجهاد ، لتخلو الأرض للعجزة والسماسرة والمتصهينين 0

* ان الأمر جلل 00 والاعداء يتسربون من بين ثقوبنا ، كالنمل (كما قال نزار قبانى من قبل) ولم يصبحوا بعد (عابرون فى سلام عابر كما تمنى محمود درويش) 00 ومن ثم هى مسئوليتنا جميعاً ؛ إذا كنا نريد فعلاً مساندة جادة لانتفاضة شعب الشهداء فى فلسطين 0