ما بسقت أغصان «ذل» إلا على بذر «طمع»!!

د. عبد الله فرج الله

farajalla_assabeel@yahoo.com

من حكم الإمام العارف ابن عطاء السكندري رحمه الله في ترشيد مسيرة السالكين، أملاً في نقائهم، وسلامة وصولهم، قوله: «ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع، ما قادك شيء مثل الوهم، أنت حر مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت له طامع..».

إنه يريد بهذا تحذير جموع السائرين من آفة الطمع، التي يجلبها الوهم، ويتولد منها الذل، «فمتى وجد الطمع فقد وجد الذل، بل كل أنواع الذلة مرتبطة بالطمع، فبقدر ما تستطيع أن تتحرر من الطمع فإنك تتحرر من الذل..».

و«رمضان» مدرسة التهذيب والتربية، وفرصة سانحة للتقويم والتصحيح، كما أنه نزهة الأبرار، وبستان العارفين، ورضة المحبين المشتاقين، ومصحة الأبدان، ومشفى قلوب ذوي الآفات والأسقام، الذين خلطوا عملاً صالحاً بآخر، أو سرقتهم لحظات الغفلة، خلسات الشهوة، وألهاهم سراب الأمل الخادع، وأصابتهم سهام الطمع القاتل، فأدمت أفئدتهم، وأقعدت في طريق البذل هممهم، وأحبطت رحلتهم في المسير الكريم إلى دار الخلود.. فيأتي ( رمضان ) دواء من كل داء، وشفاء من كل بلاء، ونقاء من كل عيب ونقيصة.. لكن فقط لمن صحت نيته، وصفت طويته، وصدقت عزيمته.

وفي الطمع كلام جميل للشيخ ابن عباد، ينقله عنه الشيخ سعيد حوى رحمهما الله يقول فيه: «والطمع من أعظم آفات النفوس، وعيوبها القادحة في عبوديتها، بل هو أصل جميع الآفات، لأنه محض تعلق بالناس، والتجاء إليهم، واعتماد عليهم وعبودية لهم، وفي ذلك من المذلة والمهانة مالا مزيد عليه، ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه، والطمع مضاد لحقيقة الإيمان، الذي يقتضي وجود العزة، والعزة التي اتصف بها المؤمنون إنما تكون برفع هممهم إلى مولاهم، وطمأنينة قلوبهم إليه، وثقتهم به دون من سواه، فهذه هي العزة التي منحها الله عبده المؤمن.. «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» (المنافقون: 8) وكما أن العزة من صفات المؤمنين كذلك المذلة من أخلاق الكافرين والمنافقين.. «إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين» (المجادلة: 20).

قال أبو بكر الوراق الحكيم رحمه الله لو قيل للطمع من أبوك؟! قال: الشك في المقدور، ولو قيل له: ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذل، ولو قيل: ما غايتك؟ قال: الحرمان.

وقال أبو الحسن الوراق النيسابوري رحمه الله من أشعر في نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع، ومن طمع في شيء ذل، وبذله هلك، وقد قيل في ذلك:

أتطمع في ليلى وتعلم أنما تقطع أعناق الرجال المطامع

فالطامع لا محالة فاسد الدين، مفلس من أنوار اليقين، قال في التنوير: وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه، وتطهر من الطمع في الخلق، فلو تطهر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهره إلا اليأس منهم، ورفع الهمة عنهم.

ويذكر أن أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه قدم البصرة، فدخل جامعها، فوجد القصاص يقصون، فأقامهم (منعهم)، حتى جاء الحسن البصري رحمه الله فقال: يا فتى إني سائلك عن أمر فإن أجبتني عنه أبقيتك، وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك وكان قد رأى عليه سمتاً وهدياً فقال الحسن: سل عما شئت، قال: ما ملاك الدين؟ قال: الورع. قال: فما فساد الدين؟ قال: الطمع، قال: اجلس فمثلك من يتكلم على الناس».

فهذه فرصة رمضانية إيمانية للذين سيطر «الطمع» على قلوبهم، حتى يتخلصوا من هذا الداء العضال، الذي يجلب الهموم والأوهام، ويسترق الأحرار، ويطمس نور الحرية، وتذكروا معشر السائرين سر بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لبعض أصحابه، حين أخذ منهم عهداً أن لا يسألوا الناس شيئاً، فالتزموا، حتى أن الواحد منهم كان يسقط سوطه، فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه.

فهل ندرك الأسرار، ونمنع أنفسنا من الاسترسال في طمعها ؟!

ونعمل جاهدين على تخليص قلوبنا ونفوسنا من بذار الطمع.. حتى لا ينبت فيها شوك الذل والهوان.