علينا جميعا أن نتصدى لهذا الأخطبوط
بقلم: محمـد عـبّـو
يعدّ الفساد ظاهرة خطيرة تعاني منها
المجتمعات سواء كانت متقدّمة أو متخلفة فهي شأنها شأن الظاهرة الإجرامية لا يمكن
أن تزول من مجتمع ما، فالإنسان ميّال بطبعه للاعتداء على غيره و لا ينفع الوازع
الأخلاقي دائما في كبح جماح النفس البشرية كما لا ينفع القانون دوما في ردع من
تسولّ له نفسه الإساءة للمجتمع. على أنّ الفساد يختلف من مجتمع لآخر حسب طبيعة
النظام القائم في الدولة و حسب طبيعة و وعي و مستوى و أخلاق أفراده .
ففي بلادنا نلاحظ أن المنظومة التشريعية تزخر
بالنصوص التي تمنع كلّ أشكال الفساد تقريبا فالقانون الجزائي يجرّم الاستيلاء على
الأموال و يجرّم تبيــيضها و يجرّم التدليس و يجرّم الرشوة و قد تدخلّ المشرع
بمقتضى قانون 23 ماي 1998 ليلحق بجرائم الرشوة بعض الأفعال التي لم تكن مجرّمة و
ليشددّ العقاب على الراشي و المرتشي وهو ما قد يُستشف منه وجود إرادة سياسية
للتصدي لهذا الشكل من الفساد الإداري .
إلا أن المتأمل في حقيقة الوضع لا يتفاءل
كثيـــرا و يفهم هذا على أنه يدخل في إطار خصوصيتنا التونسية : الإكثار من الحديث
عن الديمقراطية مع تكريس الاستبداد كالإطناب في الحديث عن حرية الإعلام مع كبت
الأقلام والأصوات الحرّة الرامية لفضح الأوضاع السائدة بغية إصلاحها كالتشـدق
"بدولة القانون و المؤسسات" مع التسترّ على صنف من المجرمين الذين
جعلتهم مؤسسات الدولة فوق كلّ القوانين ،
إذا هذا حالنا، السلطة التنفيذية تجدّ في
اقتراح قوانين على السلطة التشريعية و هذه الأخيرة تصدرها بالطبع ثم تعود السلطة
التنفيذية بعد ذلك من جديد لممارسة رقابة على السلطة القضائية حتى لا تطبق تلك
القوانين بصفة آلية وإنما في حدود الاعتبارات الخاصة بالسلطة الأولى و النتيجة هي
فساد اتسع و انتشر و تطور حتى صار أخطبـوطا، و مواطنون يعانون من هذا الفساد، و
آخرون يستفيدون منه على حساب غيرهم و على حساب مصلحة الوطن وقلّة تستطيع أن تستفيد
من هذا الوضع المتعفـن و لكنها تسمو بنفسها عن ذلك لاعتبارات أخلاقية و تعاني تبعا
لذلك عناءا مضاعفا : عناءا لأنها متضررة في رزقها من الفساد و عناءا لأنها تحمل
هموم هذا الفساد و هموم مجتمعها .
فإذا ما أخذنا تجربة محام من الصنف الأخير
فإننا نجد أن التجربة لا يمكن أن تكون إلا قاسية فحرفاء المحامي بالأساس هم
مواطنون تونسيون تكونت لديهم قناعة أن القانون لا ينفع وكفاءة المحامي لا تجدي و
التشريع مطاطي يمكن تطويعه حسب الأهواء لذلك فهم يبحثون في كثير من الحالات عن
محام " كفء" في معرفة القضاة و لا يخجلون إذا ما دخلوا مكاتبنا من
سؤالنا عن القاضي الفلاني وعن كيفيّة الوصول إليه، وبعضهم ممن أوتي مالا كثيرا أو
يعتقد ذلك يطلب من المحامي أن يلتزم له بالنتيجة و يعلم استعداده عن المساهمة في
ضمانها برشوة تدفع للقاضي المتعهدّ
بالقضـية و إذا ما جابههم المحامي بأن القضية لا تستحق إرشاءا و إنما اجتهادا منه
وإعانة من الله فإنهم يديرون له ظهورهـــم و يتجهون صوب زميل له قد يسايرهم و
يستغلّ الصورة السيئة التي يحملونها على مؤسسات الدولة ليطالب بأتعاب تراعى فيها
ضمنيا أو صراحة المبالغ التي ستدفع للمحكمة و لا يهمّ بعد ذلك إن وضعها في جيبه
كلها أو دفعها للقاضــي أو لواسطة ثانية .
و الحقيقة أن وضع القضاء ليس على هذه الدرجة
من القتامة فالمرتشون هم قلّة من القضاة وحتى في إطار هذه القلّة فإن الرشوة لا
تقبل في كلّ القضايا و ليست في متناول الجميع فالقاضي المرتشي لم يصبح بعد و لحسن
الحظ في مستوى شرطي المرور الذي تدفع له خمسة دنانير حتى يغض الطرف على مخالفة ما
.
و مع هذا فالمحامي النزيه يجد صعوبة في إقناع
حرفائه بأن المبدأ هو أن القضاء يطبق القانون و أن القضاة مستقيمون عدا قلّة منهم
قد تقبل الرشوة في القضايا التي تكون على درجة من الأهمية مقابل مبالغ هامّة
نسبيّا. و قد يصاب المحامي بالخيبة وهو يدافع على سمعة القضاء في بعض المناسبات
التي يتبين له فيها أن حريفه أعلم منه بشؤون القضاء من ذلك أن محام يقدّم مطلب
إفراج عن منوبه يجاب بالرفض فتتصل به عائلة منوبه لتقول له أعد مطلبا آخر و سيخرج
ابننا من السجن حسبما أكدّه لنا السيّد فلان فيفعل دون أن يكون هناك عنصر جديد و
تكون النتيجة الإفراج عن ابنهم و انتصار "حقيقة" المواطنين الجاهلين
بالقانون على "حقيقة" المحامي المختص في القانون الجاهل بمدى انتشار
الفساد .
و هذه القلّة من القضاة التي تسمح لنفسها بأن
تقضي وفقا للتدخلات هي عار على جهاز العدالة تسيء للسلك الذي تنتمي إليه و تحدث
الخلط المشار إليه في أذهان المتقاضين الذين عممّوا الظاهرة و ضخموها حتى أصبح
المبدأ هو فقدان الثقة في العدالة .
من الطبيعي أن يدخل سلك القضاء أشخاص لا ضمير
لهم و لكن الأمر غير المقبول هو أن تصمت السلطة على هؤلاء وهي تعلم عن طريق
مخبريها جلّ التجاوزات الحاصلة و لكنها تغض الطرف و تحتفظ بملفات فساد بعض القضاة
كوسيلة ضغط عليهم حتى تجعل منهم موالين لها قادرين على ضرب خصومها السياسيين أو
خدمة مصالحها كلّما أمروا بذلك وكيف لمن كانت يداه قذرتين أن يرفض طاعة أسياده و
قد سبقت طاعته للدينار .
ظاهرة أخرى يعاني منها قضاؤنا هي ظاهرة تلاشي
سلطته أمام سلطة عائلات المافيا المدعومة بالنفوذ السياسي التي تعيث في البلاد
فسادا دون حسيب أو رقيب هؤلاء لا يجرأ القضاء عليهم و هؤلاء قادرون على توجيه
القضاء في الوجهة التي يريدونها معولين على هيبتهم و نفوذهم الذي ما كانوا
ليكتسبوه لولا حماية النظام القائم لهم و لولا صمت الشعب على جرائمهم و جشعهم .
و الحقيقة هو أن الفساد الذي يعاني منه
المحامي لا يقتصر على القمّة و لا يقتصر على جهاز القضاء فقط و إنما يطول مساعديه
فبعض كتبة المحاكم في بلادنا ينطق سلوكهم بالفساد فمنهم من يعرض خدماته السريعة
على المواطنين الجاهلين بالإجراءات مقابل الرشاوى لدرجة تجعل اللجوء لمحام مضيعة
للوقت حيث يحصل كثيرا أن نطلب من منوبينا الانتظار لمدّة شهر أو اثنين أو أكثر
للحصول على خدمة من الكتابة ملتمسين لها أعذارا في تراكم الملفات فيعود حرفائنا
بعد يوم أو اثنين ليقولوا لنا أنهم قد وجدوا حلاّ مع كاتب المحكمة الذي أسدى لهم
الخدمة في وقت قصير مقابل عشرة أو عشرين دينارا !
أين النيابة العمومية في كلّ هذا ؟ أحد
زملائنا دخل مكتب مساعد لوكيل الجمهورية ليعلمه بأن أحد الكتبة عرض على منوبه
مساعدته مقابل مبلغ مــالي و أنه يمكنه أن يأذن بنصب كمين له فيكون جوابه بعد أن
طلب من المحامي أن يخرج من المكتب ليتيح له إجراء مكالمة هاتفية في غيابه :
"لا أســتطيع فعل شيء ؟ " فمن ذا الذي يستطيع أن يفعل ؟ ما الضررّ العام
الذي سيحصل من إيقاف و عزل كاتب لا ضمير له يسيء لصورة العدالة ؟
لا شكّ أن للجهة التي قررّت عدم اتخاذ أي
إجراء تصورها الخاص لمصلحة العدالة ولمصداقـــيتها و التي ربما تقتضي أن لا يعلم
الرأي العام بوجود خلل في إدارة المحكمة. سحقا لهذا الاجتهاد ألم يعلموا بأن
الفضيحة حاصلة و أن الثقة مفقودة و أن الفساد قد استشرى و أنه لا حلّ له في الظروف
الحالية إلا الردع .
إنّ الواقع الذي يجب أن لا يغيب عن أذهاننا
هو أن التصدي للفساد في غياب الإرادة السياسية القادرة على وضع حدّ له أو التقليص
منه لا يكون إلاّ بقيام نخبنا بواجبها في فضح كلّ أشكال الفساد و بصوت عال، علينا
جميعا أن نتصدى لهذا الأخطبوط المسمى فساد بالتحلي بالصراحة و الشجاعة و لنتحمل
نتيجة مواقفنا عند الاقتضاء فنحن في جميع الحالات تعساء، تعساء بالوضع العام
المتــردي و تعساء بالقمع فلتكن تعاستنا على الأقلّ ضريبة لإصلاح الوضع لمن سيأتي
بعدنا.
فلتنطلق حملة مقاومة الفساد و كفانا صمتا على
تخلف الإدارة كفانا صمتا على الإفلات من العقاب كفانا صمتا على عدم استقلال القضاء
كفانا صمتا على حرمان الناس من أملاكهم وحقوقهم من طرف المافيا الجديدة و لتكن لنا
ثقة في المستقبل لأننا إذا فقدنا الأمل فيجب أن يكون مكاننا في مراكب الموت التي
تشق البحر الأبيض المتوسط نحو ضفته الشمالية .
نقلا عن
مجلة "كلمة" الألكترونية التونسية