مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية يوسف والى
.. و بدأنا الاضراب عن الطعام
الخميس 6/4/2000 :
استيقظت فى الصباح متأخرا رغم الضجيج المتواصل فى السجن .. فالفيلا التى
نقطنها تقع فى مدخله و بالتالى فان كل الداخلين و الخارجين يمرون علينا .. زرافات
.. و من بينهم سيدات و فتيات .. و أمر غريب ان توجد فى سجن مشترك مع النساء .. و
كان رأى عصام ان هذه شبكات دعارة .. و كنا نرى سيدات من جنسيات مختلفة : روسيات -
مصريات - عربيات .. قلت له : مش معقول يا عصام كل دول شبكات دعارة .. دى تبقى
البلد كلها أصبحت دعارة فى دعارة !
و وجدتنى فاقد الشهية على الاطلاق .. و بدأت أفكر فى الاضراب من جديد .. و
قلت : [ان الموقف تجمد .. و لدينا فى الحزب بالاضافة لزوجاتنا يتحركون فى الخارج
.. و علينا ان نتحرك هنا .. لماذا فعلا لا نضرب عن الطعام .. لا أعتقد انه ستكون
هناك خطورة على حياتنا .. لان الاضراب لن يستمر فى الأغلب إلا ليوم السبت حيث
سيخلى سبيلنا أو سنسجن و لكن بحكم قضائى سليم من الناحية الشكلية .
طالما جاهدت ضد حبس الصحفيين احتياطيا .. حتى اننى رفضت مرة ان أدفع كفالة
1000 جنيه فى قضية خرق حظر النشر عن قضية "الشعب - الألفى" لان الكفالة
امتداد لحق السلطات فى الحبس الاحتياطى ..
و أثرت فى لجنة الحريات هذه المسألة عندما علمت ان بعض الصحفيين بدأوا
يدفعون كفالات لاخلاء سبيلهم ..
أعلم ان القانون منتهك فى طول البلاد و عرضها .. و لكن واجبنا ان نحمى
القانون و حقوقنا القانونية قدر الطاقة .. كما نحارب الفساد قدر الطاقة .. و
الخيانة و العمالة قدر الطاقة .. الخ الخ
و أعلم ان الاتصال بالجريدة و الحزب بالغ الصعوبة .. فقد قطعوا الزيارات
عنا ، و لكن الصمت على هذه المهزلة أصبح غير محتمل .. و لاشك ان الاضراب سيضغط بشكل أو آخر على أجهزة الدولة .. حتى
لو كان مخفيا عن الرأى العام . و لكن الاضراب - وليكن واضحا لكما - لن يؤثر فى هذه
العركة الا بنسبة 10% ] .
لم يدخل أى شئ فى جوفنا من الصباح حتى الظهر و نحن نتناقش ..
و كأننا قد بدأنا الاضراب تلقائيا .. و لكننا طلبنا شايا حوالى الساعة
الثانية عشر ظهرا .. و رأيت اننى محتاج لكوب شاى كى "أمخمخ" المسألة !
و قد كان ، بعد شرب الشاى قلت على بركة الله .. و لكن لى شرط أخير : قالا ماهو ؟! قلت ألا يشاركنا صلاح بديوى
لانه صحته كانت معتلة فى الآونة الأخيرة .. أما عصام و أنا فلدي كلينا كمية من
الشحم لا بأس بها .. و سيكون صحيا أفضل لو تخلصنا منها !!
و كتبنا رسالة للمأمور نعلن فيها الاضراب عن الطعام فى حوالى الساعة
الواحدة و النصف ظهرا .. و كان لنا شرطان لفك الاضراب :
(1) اخلاء سبيلنا فورا خضوعا
لأحكام القانون الصريحة .
(2) ممارسة حقنا فى الاتصال
بأحد المحامين للتشاور معه حول هذا الوضع الشاذ .
و بعد قليل جاء المأمور لاسداء النصح و الارشاد !! بفك الاضراب ..
و أعدت على مسامعه شرح المسألة التى أصبح يعرفها أكثر منى ..و قلت له لماذا
لا ترحلوننا الى أى سجن بدلا من هذا الحال المائل ؟
قال : اننى أرسل يوميا الى النيابة طالبا نماذج لارسالكم الى أى سجن الا
اننى لا أتلق جوابا .. و لكن ألستم مرتاحين هنا؟!
قلت : لا هذه تخشيبة .. أما فى السجون فهناك فسحة
هل تسمح لنا بفسحة فى حى
الخليفة ؟!
قال : (ضاحكا) : لا بالطبع
قلت : كذلك توجد فى السجون مياه ساخنة للاستحمام
قال : أو حقا توجد مياه ساخنة فى السجون ؟ !
قلت له : ان الأمر ببساطة ان السجن حياة استقرار .. و لكننا هنا فى تخشيبة
انتقالية .. ليس من حق أحد أن يضعنا فيها 6 أيام بدون سند من القانون .
قال : ان الاضراب هو ضرب للرأس فى الحائط و لن يسأل عنكم أحد و لن تأتى
النيابة .
قلت: فليكن ما يكون
قال : أنا حريص على صحتك و صفاءك الذهنى لتواصل القراءة و الابداع الفكرى .
قلت: أستطيع باذن الله أن أقرأ و أنا مضرب .. و الموت أهون من حياة الذل
قال : لن تحقق شيئا الا الاضرار بصحتك ..
قلت: أنا أدرى بما يصيبنى .. و يفعل الله مايريد .
ثم أضفت نحن طلبنا فى رسالتنا حضور محام فهل هذا الطلب صعب على الداخلية
عندما يطلبه شخص مثلى ؟ و ماذا تفعل الدولة اذن بالمواطن العادى انها ستسحله سحلا
و لن يجد له من مغيث ؟! (أنا أعلم ان هذا يحدث بطبيعة الحال ) !!
قال: اذا جاء محام فلابد ان يحصل على اذن من النيابة ..
و هنا وجدت ان الحوار لا جدوى منه .. فاذا كان الأمر كذلك لماذا وافق أمس
على أخذ رقم هاتفى للاتصال به لابلاغ رغبتى فى حضور محام ؟!
و غادرنا المأمور .. و قلت: لقد بدأت التفاعلات و لكنى لا أعلم إلى اى شئ
ستوصلنا ..
و حوالى المغرب جاء فتحى سائقى الى باب السجن لادخال الوجبة فجاء المأمور
مرة أخرى .. و وجدنا وجبة سمك رائعة .. تنهد الجبال لرائحتها الذكية .. و قلت نأخذ
ثلث الكمية لصلاح بديوى .. ثم اقترح المأمور ان يضع الباقى بجوار الزنزانة من
الخارج.. و رأيت انه يحاول منع رسالتنا غير المباشرة عندما يعود معظم الأكل .. و
رأيت ان اعادة الأكل كله هو اشارة يمكن ان يفهموا منها أحد أمرين (1) اننا مضربون
عن الطعام . (2) الداخلية منعت الأكل عننا .
فأعدت نصيب صلاح بديوى الى الكيس و طلبت اعادته مع ورقة بها طلب بعدم ارسال
أكل الا لشخص واحد .
و علمت فيما بعد ان الورقة لم تصل و لكن الأكل عاد .. و بالفعل فكر الأخوة
فى الخارج فى الاحتمالين .. و لكن الجريدة كانت قد طبعت !!
و حُكم على اضرابنا بالسرية .
قال لى المأمور : ياه أنت مخك ناشف قوى .. أنت صعيدى
قلت له : ان الصعايدة هم مثلى الأعلى .. أما أنا فلا أقل عنهم عنادا فى
الحق .. و أتمتع بعناد تركى لعله أقوى من عناد الصعايدة .
قال لى : و ماذا سيأكل صلاح ؟ !
قلت له: لدينا بعض النواشف و يمكن ان نشترى له من السوق .
قال: فى حالة الاضراب لابد من تفتيش المكان و اخلائه من أى مأكولات ..
ففتحت له الباب على مصراعيه و قلت له تفضل افعل ما تريد .. نحن لا نهزل ..
و عندما نقرر شيئا نفعله و لو على أجسادنا .. أتفضل اتخذ كل الإجراءات التى تريد .
فابتسم المأمور و بدا عليه الخجل .. و تركنا ..
و بدأنا نتجرع زجاجات المياه .. كغذاء وحيد .. و قد مر علينا (عصام و أنا )
حوالى 24 ساعة بدون أكل عدا كوب الشاى اياه .. و أنا أعلم بتجربتى ان اليوم الأول
و الثانى هما أصعب يومين فى الاضراب و هكذا شاء القدر ان نتجرع أسوأ مافى الاضراب
.
و فى لحظة ما من الليل جاء إلينا أحد الضباط هو طبيب برتبة مقدم .. و بدأ
يكشف علينا ..
و كان عصام قد قال لى بعد بداية الاضراب انه يعانى من نقص فى ضربات القلب .. فأخذت أضرب كفا
بكف و قلت : لماذا لم تقل لى ذلك قبل الاضراب ، و لماذا كنت تلح عليه ؟! من حقك ان
توقف الاضراب فى أى وقت . و لكنه رفض بإباء و شمم .
و قد طمأننا الطبيب على ضربات القلب و ضغط دم عصام الذى كان مرتفعا ارتفاعا
طفيفا ، الا ان المفاجأة الكبرى كانت معى اذ حملق الرجل فى الجهاز .. وقال: ضغطك
مرتفع للغاية 180\110 قلت له : إننا
بدأنا حقيقة منذ يوم .. و لكن لا أتصور ان الاضراب هو المسئول عن هذا الارتفاع ..
فأنا اعانى على فترات من حياتى .. من ارتفاع عصبى فى ضغط الدم .. و لكنه قال : ان
الجوع لن يساعدنا على الهبوط به .. و أعطانى دواء لأخذ قرصين يوميا .. وقام
بالمهمة التقليدية فى النصح و الإرشاد .. و تثبيط الهمم .. فقال استمرا فى الاضراب
و لكن لامانع من بعض المأكولات القليلة !! و أخذت أشرح له قضيتنا .. و أننا لا
نهزل فى مثل هذه الأمور ..
و انصرف الرجل و هو يؤكد انه سيمر علينا صباح الجمعة رغم انها عطلته ..
لأنه أصبح مسئولا عنا .. و بدأت أعانى مشكلة الاضراب فى قلة النوم و هذا ما عانيت
منه فى الاضراب السابق منذ عامين .. فالمضرب عن الطعام يتصور انه سيتخلص من آلامه
بالنوم .. و لكنه لا يجده ..
و أخذت أقرأ فى كتاب "فلسطين و الحقائق القرآنية" قرأت عن العلو
اليهودى .. كنت بين النائم .. و اليقظان .. بين الحالم و المتنبه .. و أنا أقرأ
معانى الآية الكريمة :
( فاذا جاء وعد الآخرة ليسؤا
وجوهكم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة و ليتبروا ماعلوا تتبيرا )
**البقية الحلقة القادمة ان شاء الله**