من هنا تأتى الهزيمة
بقلـم : محمـود شنب
فى الأيام والشهور والسنوات التى
تلت نكسة يونيو 67 كنا نشعر بالذنب إذا استمعنا إلى اذاعة إسرائيل ، وكنا نعتبر
ذلك خيانة وتفريط فى الأمانة ـ أيام كان الحزن يخيم على كل الأجواء مع وجود حالة
من الحِداد كانت تلف البلاد شرقها وغربها وشمالها وجنوبها ، ولم تفلح كل الجهود
التى بذلتها الدولة فى اخراج الشعب من حزنه وألمه حتى بعد الإعلان عن الإنتهاء من
العمل فى السد العالى ـ أضخم مشاريع مصـر ـ وظلت الاذاعات المصـرية والبرامج
التليفزيونية ملتزمة بالحِداد والتعبئة العامة فى صورة بث رسائل من على خطوط
المواجهة وبرامج هادفة ، وأغانى وطنية عظيمة كانت تعظم من شأن الجهاد وتحرض على
القتال .
وإستغلت إسرائيل ذلك إعلاميًا ودأبت
على نشر الأكاذيب ، وترويجها ما بين الأغانى العاطفية التى كانت قليلاً ما تذاع فى
الإذاعات المصرية لعبد الوهاب وفريد وأم كلثوم ، وكنا شباب يلزمنا ـ رغم كل
الأحزان ـ الإستماع إلى بعض الأغانى العاطفية والتى كانت لا تذاع إلا فى إذاعة
إسرائيل وقد فطنت القيادة الإعلامية فى البلاد لذلك وافتتحت ـ دون الإعلان ـ إذاعة
مجهولة تبث من خلالها الأغانى على استحياء تقديرًا لمشاعر الشعب وهمومه ، وقد أطلق
عليها الشعب من نفسه إذاعة "أم كلثوم" وكانت تبث إرسالها يوميًا لمدة
ساعتين من الرابعة وحتى السادسة مساءًا ، وكانت نافذة ترويه وترفيه لمن يريد أن
يستمع لتلك الأغانى ، خصوصًا وقد كنا نشعر بالجرم والذنب فيما بيننا إذا ما
استمعنا إلى الأغانى من إذاعة إسرائيل وكان كل منا رقيب على نفسه !!
..... إلى هذا الحد وإلى هذا المدى
وصل انتماء الشباب فى ذلك الوقت وشعورهم بالمسئولية والتجاوب مع ما تمر به البلاد
والمشاركة فى التعبئة العامة والاستعداد للمعركة للتخلص من النكسة وآثارها على
البلاد ....
إقتربنا من الله كثيرًا ، وعمرت
المساجد بالمصلين ، وتم استيعاب المهجرين من مدن القناة فى المدن المجاورة فى
تلاحم شعبى وأواصر محبة كانت على درجة عالية من النقاء والتضحية وانكار الذات
ذكرتنا بأيام هجرة المسلمين مع رسول الله من مكة إلى المدينة وإستقبال الأنصار لهم
بالبشاشة والسعادة واقتسام لقمة العيش معهم ، ولذلك لم تدم النكسة طويلا ...
ونصرنا الله فى رمضان ونحن فى أشد لحظات اليأس والهوان .
.... اليوم وعلى الرغم من كل ما
نعيشه من نكسات ومن هموم يتعالى بعضها فوق بعض نشاهد التسابق فى الخيانة ونشر
الإحباط والسرقات وافتقاد القدوة وانتشار الرذيلة وإسناد الأمر إلى غير أهله فى
الإعلام والتعليم والزراعة وكل قطاعات الدولة حتى فى الحوارات الإذاعية والبرامج
التليفزيونية والجرائد الهابطة والأقلام المنحطة والمتدنية ... نرى ذلك فى كل شئ
حتى فى تصريحات المسئولين والقادة وأصبح لا شغل لهم ولا شاغل غير الرقص والغناء
صباح مساء ، وكأننا بعيدون عن الخطر !!
مـخطئ من يتصور ذلك لأن مصـر اليوم
تعيش فى قلب الخطر وتواجه أصعب معاركها وأخطرها وأشرسها على الإطلاق .. إنها
المقصودة من كل شئ ، والحرب علينا غير معلنة وقد بدأت منذ تسلم السادات الحكم ـ
وقد أعطى كل شئ لأمريكا .
لقد تقطعت مصـر إلى ألف قطعة ، وكل
قطعة قـُطِعت إلى مئات القطع ، ولم يعد واقفـًا على أقدامه سوى اللصوص ورجال
أمريكا وإسرائيل .
وأشلاء مصـر متناثرة ومبعثرة فى كل
مكان ويصعب على المرء حصرها ... قطعة منها فى حطام شباب مدمن لم يعد يقوى على فعل
أى شئ .. وقطعة أخرى فى سجن شباب مؤمن قضى عمره دون ذنب خلف القضبان .. وقطعة أخرى
فى شباب عاطل منذ عام 84 إلى اليوم .. وقطعة أخرى فى شباب مريض أمرضه يوسف والى
ولا يجد العلاج ولن يجدىَ معه العلاج .. وقطعة أخرى فى موت علماء الأزهر واختفاء
أثرهم .. وقطعة أخرى فى تأميم المساجد والمنابر .. وقطعة أخرى فى انتشار الدعارة
والشذوذ وفقد الحياء .. وقطعة أخرى فى فساد المسئولين والابقاء على المفسدين
والاطاحة بالصالحين .. وقطعة أخرى فى فساد القضاء وانضمامه الى المؤسسة الحاكمة ..
وقطعة أخرى فى فقد الأمن الاجتماعى على حساب الأمن السياسى .. وقطعة أخرى فى
انتشار كذب المسئولين .. وقطعة أخرى فى تقسيم مصـر على اللصوص والمنحرفين .. وقطعة
أخرى فى موت الطبقة الوسطى وهى عماد المجتمع .. وقطعة أخرى فى اغتيال تقارير
الأجهزة الرقابية وعدم الأخذ بها .. وقطعة أخرى فى تدمير الزراعة والصناعة
والتعليم وكل مؤسسات الدولة .. وقطعة أخرى فى "تخليل" وتحنيط المسئولين
.. وقطعة أخرى فى ظهور نماذج مثل كمال الشاذلى وفتحى سرور وفاروق حسنى وصفوت
الشريف .. وقطعة أخرى فى إعلام وصحافة فاسدين .....
وعندما يتقطع جسد الأمة إلى هذا
الحد فأين تكون الروح .. ومن أين تأتى العزيمة ؟!!
لقد فقدنا ما كان يميزنا بين الأمم
ولم تعد لنا حرفة أو صناعة نرتقى عليها ونتفاخر بها !!
إن مصـر ليست استثناء لدى أمريكا
وإسرائيل بل هى الهدف والغاية ، ومواجهة مصـر وتدميرها ما كان يصلح إلا بهذا الشكل
... سياسة خارجية فاشلة لا تحمى مسلم ولا تساند عربى .. وسياسة داخلية فاسدة لا
تعطى الأمن إلا للصوص ولا تعطى الأمان إلا للخونة ... صحة أفسدها يوسف والى ،
وتعليم أفسده فتحى سرور ويُجمله الآن ـ مثلما تجمل المقابر ـ حسين كامل بهاء الدين
، وأعضاء مجلس شعب فاسدين ( نواب مخدرات وقروض ولصوص ومنحرفين ) .. وعمالة للغرب
لم ير التاريخ لها مثيلاً ، وصبر على إسرائيل لا نعرف له تفسيرًا !!
ومصـر الغالية أصبحت كالشركة المنهوبة
التى أوشكت على إشهار افلاسها بعد التلاعب الطويل فى أوراقها وصرف أرباح وهمية عن
طريق الاستدانة والاقتراض ، والشركات الخاسرة تظل تعمل حتى آخر قرش يمكن أن يُـنهب
منها حتى إذا سقطت لا تصلح إلا "خرابه" أو دورة مياه عامة يقضى الناس
فيها حاجتهم ، ولا عجب لدى المسئولين أن يفتتحوا كل عام قسمًا جديدًا فيها وهى
تموت ، ولا أن ينشر على صفحات كاملة إعلانات تظهرها على أنها عملاقة وهى فى غرفة
الانعاش !!
مصـر اليوم فى نكسة تصغر أمامها
نكسة 67 ، وقد ذكر الأستاذ مجدى حسين عدة حقائق مفجعة فى احدى مقالته بالـ
"الشعب" ... ذكر أن 12 مليون مصـرى مصابون بالفشل الكلوى والالتهاب
الكبدى الوبائى ، وأن حالات الاصابة السرطانية تعد بمئات الألوف !!
ذكر أننا لا نصنع حتى الصابون ، وأن
دول ـ مثل الهند ـ كنا نصدر لها التكنولوجيا فى الستينات صارت اليوم تطلق الأقمار
الصناعية لدول أوربية منها ألمانيا ، وأن كوريا الجنوبية صارت أولى بلاد العالم فى
بناء السفن ونحن نعيش فى مصـر بدون أسطول تجارى ، وأن شركة "زيم" الإسرائيلية
هى التى تنقل 35% من تجارتنا إلى أفريقيا !!
إن مصـر اليوم تعيش أسود عهودها
وتنفق على الكوره ما لم تنفقه على البحث العلمى .. وزير التعليم ينفق الملايين على
مكتبة فى قصر من القصور الملكية ، وفاروق حسنى ينفق فى ليلة واحدة 170 مليون جنيه
لنشر الفحش والدعارة فى سفح الهرم وفى ليلة من ليالى العشر الأواخر من رمضان ...
محسن صالح ـ الذى جعلوه مدربًا لفريقنا القومى لمجرد أنه فاز بالدورى العام ـ
يتقاضى 40 ألف جنيه شهريًا ، ويوسف عبد الرحمن اللص يتقاضى 400 ألف جنيه شهريًا
وهو ما يعادل مرتب 2666 خريج جامعى وهو رقم يكفى لتعيين أكثر من 2500 عاطل بواقع
150 جنيه شهريًا ... !!
ما هذا الذى يحدث ، ولو كانت جبال
مصـر من ذهب ما تحملت كل هذا الإجرام والنهب ؟!!
مساعدات أمريكا .. لا نعلم عنها شئ
، وندفع ثمنها مرضًا فى إستمرار يوسف والى وعدم نصرة شعوبنا العربية والإسلامية !!
كل يوم نزين مداخل المدن .. نزيل
نافورة ونضع تمثال ونزيل التمثال ونضع نافورة .. ونلغى ميدان ونقيم ميدان .. ونهدم
أسوار ونقيم أسوار .. ونقلع أشجار ونغرس أشجار .. ونعد الطرق ثم نفتح بطونها فى
اليوم التالى من أجل المجارى أو التليفونات ..... بعضنا يبنى والبعض يهدم ، ولا
حياة لمن تنادى !!
فى غزوة أحد خالف بعض الرماة أوامر
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتركوا مواقعهم ونزلوا من أجل الغنائم فانهزموا
وفيهم رسول الله !!
اليوم لم يخالف الرماة وحدهم .. بل
خالف المجتمع كله أوامر الله ورسوله وباعوا دينهم من أجل الغنائم واقتسام تركة
مصـر ..
وقائدنا اليوم ليس رسول الله ـ بل
مبارك ، ولنا أن نتخيل حال أمة انهزم فيها المسلمون وقائدهم محمد صلى الله عليه
وسلم لمخالفتهم أمرًا واحدًا من أوامره ... وحال أمة قائدها مبارك وقد خالفت كل
أوامر الله ورسوله .
ألم يأمرنا الله بالاستعداد : (( وأعدوا لهم ما استطعتم ... )) ؟!! فأين الإستعداد ونحن نشارك
فى تجريد العراق من سلاحه ؟!!
ألم يأمرنا بالتعاون فيما بيننا :
(( وتعاونوا على البر ... )) ؟!! نحن الآن لا نتعاون إلا مع
أمريكا وإسرائيل !!
ألم يأمرنا بالقتال كافة : (( قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ... )) ؟!! اليوم لا نقاتل إلا المسلمين
داخل مصـر وخارجها !!
ألم يأمرنا بعدم موالاة الكفار : ((
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين
... )) ؟!! نحن الآن
نعيش تحت أحذية الصهاينة والأمريكان ولا نوالى غيرهم !!
ألم يأمرنا بالحيطة والحذر : (( ود الذين كفروا لو تغفلوا عن أسلحتكم ... )) ؟!! لم يعد لدينا أسلحة غير
أسلحة الأمن المركزى !!
أين نحن من كل ذلك ولم تعد لنا حرفة
إلا الرقص والغناء ونشر العهر والبغاء ؟!!
أين نحن من كل ما يحدث حولنا وقد
إقتربت الحملة الصليبية الثالثة من فرض سطوتها على عالمنا العربى والإسلامى ، بحيث
أصبح كل مسلم غيور على بلده ودينه يضع يده على قلبه مدركـًا فداحة الخطب وهول
الكارثة ، وقد إستعد الغرب الصليبى
لتلك الجولة وقطع شوطـًا كبيرًا فى التقدم التكنولوجى وتطوير اسلحة الدمار ،
والحرب عن بعد وأصبح الجميع يستشعر الخطر المحدق ببلادنا ويدرك استحالة الإنتصار
فى معارك يقودنا فيها نخبة حاكمة هى أسوأ من فينا وقد قبلت أن تكون مطايا للغرب وصل
على ظهورهم إلى أماكن بعيدة ما كانوا بالغيها إلا بشق الأنفس .
إن الشعوب دائمًا هى التى تدفع
الثمن ، وسيكون الثمن باهظـًا فى هذه المرة وقد خلا الميدان الإسلامى من القادة
العظام والعلماء الأجلاء ممن قادوا الأمة بنخوة وتصدوا للحملات الصليبية باقتدار
وإيمان وشجاعة أمثال صلاح الدين الأيوبى وعماد الدين زنكى وغيرهم ممن تصدوا للحملة
الصليبية الأولى عام 1098 ، وأمثال عمر المختار وعز الدين القسام وعبد الكريم
الخطابى وعمر مكرم وعبد القادر الجزائرى وغيرهم ممن تصدوا للحملة الصليبية الثانية
التى بدأت عام 1798 .... فمن لنا اليوم وكل أحوالنا تنتقل من سئ إلى أسوأ وأصبحنا
نوالى الغرب جهارًا نهارًا أكثر مما نوالى الرب ، وأصبحنا نبتسم للمجرم بوش الذى
لا يستحق إلا الضرب بالأحذية وقد أقر الغرب بذلك بعدما أثبتت كل الأحداث أنه أكبر
دجال فى التاريخ وأنه الإرهابى الأول فى العالم وليس سيده وسيد شعبه أسامه بن لادن
، ويكفى للتدليل على ذلك ما نشرته أهرام الجمعة 15/11/2002 من أن بوش أخطر من صدام
حسين ـ جاء ذلك فى استطلاع للرأى أجرته القناة الرابعة بالتليفزيون البريطانى
والذى كشف عن ان ثلث البريطانيين يؤمنون بأن جورج بوش يشكل تهديدًا للسلام العالمى
يفوق بكثير التهديد الذى يمثله صدام حسين ثم وصفهم بأن تونى بلير هو "كلب بوش
المدلل" ... كل ذلك وما زال حكامنا يعبدون بوش ويتمسحون فى كلبه !!
إن المؤمن الحق يدرك جيدًا أن نصر
الله لا يمكن أن يأتى لقوم تركوا إخوة لهم فى الشيشان وفلسطين والسودان والعراق
دون نصرتهم وموالاتهم والدفاع عنهم !!
إن الذى يترك اليوم الفلسطينيين
لليهود سوف يتركنا غدًا لأمريكا والصهاينة ، ولا يجب أن نصدق أنهم مستعدون للدفاع
عن أرضنا دون غيرها لأنهم فى الحقيقة لن يدافعوا إلا عن أنفسهم وأولادهم وأموالهم
التى إقترفوها ظلمًا وبهتانـًا ، ويوم اعتدى صدام حسين على الكويت هرب جابر وترك
أهله ووطنه ... فما بالنا اليوم لو اعتدت أمريكا أو غيرها على بلادنا ؟!!
أتدرون ما الذى يشغل شيخ الأزهر
الآن فى رمضان ... الرجل يضغط على أعضاء مجمع البحوث الإسلامية من أجل إصدار بيان
جماعى يبيح ربا البنوك ، وقد وجد معارضة شديدة إلا أنه ما زال مصرًا على إصدار مثل
هذا القرار حتى لا يكون وحده فى الحرب على الله !!
لقد حاربنا الله ورسوله جهارًا
نهارًا فكيف ينصرنا الله ؟!!!
إن الكذب هو أساس كل رذيلة ، وقد
أقسم كل حكام المنطقة على ألا يكونوا صادقين ..
كان يمر صلاح الدين الأيوبى بالليل
على جنوده فيجد "خيمه" بداخلها جنود يتدارسون القرآن فيبتسم وينشرح صدره
ويقول : من هنا يأتى النصر ، ويمر على خيمة فيجد جنودها يضحكون ويلعبون فيحزن
وينقبض صدره ويقول : من هنا تأتى الهزيمة ..
قضيتنا : وجود حكام ينشرون اللهو
... فيهزمنا الله .. لأننا لم نقاومهم ...
وغايتنا : وجود حكام ينشرون الإيمان
... فينصرنا الله بعقيدتنا وإيمانهم .