لمصلحة من تعقد هذه الاتفاقية ؟!!
بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي
في كل مرة يمر فيها العدو الصهيوني بمأزق
حقيقي ، نرى أن السلطة تبادر و بشتى الطرق لإنقاذه ، قد لا يكون ذلك هو هدفها
الحقيقي، و لكن لا أشك لحظة أن الذي يجري على أقل تقدير يعكس حالة العجز السياسي
الذي يحكم مسار السلطة منذ نشأتها الأولى في سراديب أوسلو، و لو كانت السلطة تتمتع
بشيء من الحنكة السياسية لاستثمرت المأزق الصهيوني على أقل تقدير لصالحها، ولا
أقول لصالح القضية التي لم تعد على سلّم أولويات اهتمام السلطة .
وأما العدو الصهيوني فنراه ينجح دائما في
الخروج من مأزقه عبر استغلال بعض القيادات ذات النفس السياسي القصير ، التي تهتم
بتحقيق أهداف مظهرية لا تمس حقيقة و جوهر القضية ، و لا ينكر أحد أن الكيان
الصهيوني يعيش اليوم أزمة حقيقية زلزلت أركانه و ضربت أمنه ، و دمّرت اقتصاده و
حطمت معنوياته ، و كان في مقدور المقاومة أن تترجم إلى إنجازات حقيقية لولا رهان
العدو الصهيوني على بعض المتعجلين لقطف الثمار و لو كانت مرّة ، أو المتخوفين على
مكتسباتهم الشخصية من استمرار المقاومة ، و بالتالي كان رهانه دائما أنه لا يعدم
أن يجد من يقبل بتنفيذ الإملاءات الصهيونية التي تسمى زورا و بهتانا اتفاقيات
أمنية ، بينما هي في واقع الحال مجرد إملاءات ينفّذها الطرف الفلسطيني وحده دون
التزام الطرف الصهيوني بأي شيء في مقابل ذلك .
و اتفاقية "غزة - بيت لحم أولا" لم
تخرج أبدا عن هذا السياق ، فقد تمخضت عن استعداد السلطة للتصدّي للمقاومة في عملية
تقاسم وظيفي مع العدو المحتل ، دور السلطة في ذلك حماية سلامة و أمن جنود الاحتلال
و قطعان المستوطنين ، فروح و جوهر هذه الاتفاقية توفير الأمن للصهاينة ، بينما لا
يوجد في المقابل ما يحفظ أمن و سلامة و حرية الشعب الفلسطيني ، و لقد اعتبر شارون
هذه الاتفاقية مجرد مناورة قائلا : "إن الخطة الأمنية الجديدة لا تلزم
(إسرائيل) بتغييرات جوهرية على أرض الواقع ، بل تلزم السلطة بوقف العمليات ضد
(إسرائيل)" ، و أضاف شارون: "إن ما حدث في بيت لحم لا يعد تغييرا جوهريا
، إذ أن قوات الجيش لم تكن أصلا داخل بيت لحم و ضواحيها" .
و ما يجري على أرض الواقع يؤكد ذلك أيضا ، فها هو الأمن
الفلسطيني يبدو اليوم في أسوأ أحواله ، طفل يقتل في غزة ، و اغتيال في طولكرم ،
يعقبه اغتيال شقيق أحمد سعدات في البيرة ، ثم هجوم على خانيونس بالطائرات و
الدبابات ، مع زرع عبوة ناسفة في أحد المنازل و من ثم تفجيرها عن بعد أثناء عودة
المواطنين لتفقد منازلهم المدمرة ، مما أدى إلى استشهاد أحدهم و جرح ستة آخرين ،
كل ذلك يحدث في الوقت الذي أخذت فيه قوات الأمن الفلسطينية بنصب الحواجز على
الطرقات لحماية المستوطنات في غزة ، و منع المجاهدين من تنفيذ العمليات من بيت لحم
، و مما يزيد الطين بلّة أن هناك عشرات المستشارين الذين يتقاضون مرتبات أثقلت
كاهل الشعب الفلسطيني و لا دور لهم إلا هزّ الرأس بالموافقة ، أو ممارسة النفاق
السياسي في البحث عن عبارات يدلّسون بها على الشعب ، و يضلّلون بها الرأي العام ،
حتى يسوقوا مثل هذه الاتفاقيات الأمنية الخطيرة التي تعطي العدو كل شيء بينما
تجرّدنا من كل شيء ، و الكارثة الأخيرة هي أسوأ الكوارث السياسية التي مرّت بها
قضيتنا الفلسطينية حتى يومنا هذا .
فبمقتضى هذه الاتفاقية سيقوم الجانب
الفلسطيني بتوفير الأمن للعدو الصهيوني الذي لن يتوقف عن ممارسة أبشع صور الإرهاب
ضد شعبنا الفلسطيني ، و على رأسها استمرار احتلاله لفلسطين و تدنيسه للمقدسات ، و
سيعتبر الجانب الصهيوني دفاع الشعب الفلسطيني عن نفسه خرقا لهذه الاتفاقية ، أما
ما يقوم به العدو من اغتيالات و اقتحامات و مجازر فهو جزء لا يتجزأ من جوهر هذه الاتفاقية
المشئومة ، فعلى ما يبدو أن الاتفاقية تهدف إلى تطهير المدن و القرى و المخيمات من
المقاومين ، ثم تسليمها بعد ذلك للسلطة الفلسطينية لتواصل شلّ المقاومة و منعها من
أداء دورها في حماية الشعب و مقاومة الاحتلال ، ففي بيان صادر عن جيش الاحتلال جاء
فيه : "عملية الانتشار هذه تهدف إلى إفساح المجال أمام الفلسطينيين للتحرك ضد
(الإرهاب)" .
و بمقتضى هذه الاتفاقية فإن الجانب الفلسطيني
يحمل نفسه المسئولية الكاملة عن حفظ أمن الاحتلال و وقف كل أشكال المقاومة المسلحة
ضده رغم بقائه و استمرار ممارساته الإرهابية ، فإن لم يتحقق الأمن للاحتلال الذي
لن يرحل و سيواصل ممارسة الإرهاب ، يكون الجانب الفلسطيني قد أخلّ بالاتفاقية مما
يجعله متهما أمام العالم ، و يصبح الاحتلال هو المعتدى عليه من قبل الفلسطينيين ،
ليصبح الجلاد ضحية و الضحية جلادا .
و لقد أعطت هذه الاتفاقية الاحتلال شرعية
حرمته إياها الأعراف و المواثيق الدولية ، بينما نزعت هذه الاتفاقية الشرعية عن
المقاومة الفلسطينية ، فبناء على هذه الاتفاقية يعطي الجانب الفلسطيني للاحتلال
الحقّ الكامل في البقاء ما لم تتوقف كافة أشكال المقاومة ، و كأن المقاومة هي سبب
الاحتلال و ليس العكس ، فقد جاء في بيان لجيش الاحتلال : "الجيش سيواصل تخفيف
العقوبات المفروضة على الشعب حيث يتم احترام الهدوء" ، مشيرا إلى أن
"الجيش سيواصل العمل ضد ما أسماه (الإرهاب) في القطاع الذي سيكون فيه الأمن
مهددا" .
و في ظلّ استمرار الاحتلال و العدوان فإن
المقاومة الفلسطينية ستستمر لا محالة ، و ستترجم السلطة استمرارها على أنه تحدٍّ
للسلطة و ليس مقاومة للاحتلال ، و لكي تنفّذ السلطة ما التزمت به ستبدأ في مواجهة
المقاومين الفلسطينيين ، مما قد يكون له عواقب وخيمة على الوضع الفلسطيني الداخلي
، و هذا ما يراهن عليه الاحتلال ، بل لن أكون متجنّيا إذا قلت إن هذا هو هدف
الاحتلال الوحيد من وراء هذه الاتفاقية ، و إذا لم يتحقّق هذا الهدف فلن يتوانى
الصهاينة في العمل الحثيث لوضع حدّ لهذه الاتفاقية من خلال ارتكاب مجازر لها أول و
ليس لها آخر .
فلمصلحة من تعقد هذه الاتفاقية ؟!!!!! .