ضباط امريكيون يعارضون ضرب العراق
بقلم :يعقوب جابر
ان اولى حروب القرن الحادي والعشرين التي
اعلنها الرئيس الاميركي جورج بوش »الابن«، لم تبدأ في 11 ايلول، بل هي امتداد
للحرب التي شنتها الولايات المتحدة الاميركية اولا على العراق اوائل التسعينيات،
فمنذ تفردها بقيادة العالم قادته الولايات المتحدة الاميركية نحو سلسلة من الحروب،
استهدفت عواصم العالم من بغداد الى طرابلس، ومن الخرطوم الى كابول..
لكل حرب من هذه الحروب اسبابها وخصوصياتها
الا ان لجميعها قاسما مشتركا واحدا، وهو ان الولايات المتحدة الاميركية تديرها ضد
دول عاجزة عسكريا واقتصاديا على مقاومتها، كما انه صار واضحا ان هذه الحملات
العسكرية التي تأتي تحت اسماء ومسوغات مختلفة مثل الدفاع عن حقوق الانسان، ومن اجل
انظمة اكثر ديمقراطية في تلك الدول، الا انها في الواقع تأتي لخدمة طرف رئيسي واحد
هو الولايات المتحدة الاميركية التي تسعى لفرض نظامها العالمي الجديد.. والنتيجة
الاكيدة لهذه الحروب كانت اعدادا هائلة من الضحايا، وخللا اساسيا في البنية
الاقتصادية والسياسية للعالم.
فمع توقف الحرب الباردة، لم تتوقف النزاعات
الاهلية في الدول النامية، بل تفاقمت.
فمنذ سقوط سور برلين عام ،1989 ظهرت اكثر من
23 حالة من النزاعات الاهلية، شارك فيها اكثر من 50 مجموعة مسلحة، حيث ادت هذه
الحالة الى نشوء كيانات تسودها الفوضى الشاملة، منها افغانستان وجمهورية الشيشان،
والبوسنة والهرسك، ومناطق اخرى في اوروبا الشرقية... بالاضافة الى تهديدات عالمية
لها طابع عدواني، واحتلالات غير قانونية كما يحدث في الاراضي الفلسطينية المحتلة،
والاعتداءات المستمرة على العراق الشقيق تحت حجج واهية ومبررات غير قانونية نتيجة
قوانين وضعية تحاول اميركا فرضها على كل من الفلسطينيين والعراقيين.
ويعتبر هذا الخلل العالمي الخطير نتيجة
لطبيعة النظام الاقتصادي العالمي الذي يخدم شركات الانتاج الكبرى، واهمها شركات
النفط العملاقة، ويمكن التحديد انه منذ عام 1997م، دخل العالم الى ازمة اقتصادية
حادة اضّرت بشكل خاص الدول ذات الاقتصاد المتوسط، مثل البرازيل والارجنتين، ودول
شرق اسيا »النمور« ومعظم الدول العربية وعلى رأسها مصر.
ان الغضب الشعبي العارم الموجه ضد الولايات
المتحدة الاميركية نابع اولا من الدمار الذي استثنى ملايين الناس في شتى انحاء
المعمورة وتركهم دون عمل ومستقبل.
من هنا، تأتي استضافة جنوب افريقيا للقمة
العالمية للتنمية المستدامة في الفترة من 26 آب الجاري الى 4 ايلول المقبل في
جوهانسبرغ، لمراجعة ما تم تنفيذه من اجندة القرن الحادي والعشرين بعد عشر سنوات من
قمة الارض الاولى التي عقدت عام 1992م، في ريو دي جانيرو بالبرازيل. ويشارك في هذه
القمة اكثر من مائة رئيس دولة ووزراء الخارجية والبيئة والاقتصاد والزراعة من
مختلف دول العالم، بالاضافة الى 6 آلاف مشارك من المنظمات الاهلية والقطاع الخاص،
ومؤسسات المجتمع المدني.
وتكتسب هذه القمة اهمية خاصة، حيث انها تأتي
بعد بلورة مفهوم التنمية المستدامة الذي استحدثته قمة ريو دي جانيرو على اساس
التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئة بما في ذلك مكافحة الفقر في اطار حفظ
السلام والامن الدوليين.
وحسب رؤية المحللين السياسيين، فان قمة
جوهانسبرغ ستكون قمة مستقبل العالم وضمان تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية
لكل شعوب العالم، مما يتطلب اظهار الجدية من جانب الدول والحكومات لتنفيذ
الالتزامات التي ستسفر عنها خاصة في ما يتعلق بالقضاء على الفقر وتحقيق التنمية
المستدامة، وتوفير التكنولوجيا وفتح الاسواق لصادرات الدول النامية، وحل مشكلة
المديونية..
ويتطلع المراقبون الى تحقيق الاهداف الرئيسية
لهذه القمة في اعادة تنشيط الالتزام الشامل بالتنمية والشراكة بين الشمال والجنوب
والتضامن من اجل تحقيق هذه الاهداف، خاصة ان هناك هوة بين العدالة الاجتماعية
والفقر بسبب وقف مساعدات التنمية، وتزايد الديون في الدول النامية، مما ادى الى
فشل نقل التكنولوجيا والقدرة على البناء وتنمية الثروة البشرية والتنسيق بين
المؤسسات المختلفة، وتضييق المساحة بين عمليات الانتاج والاستهلاك، وحسب المحللين
الاقتصاديين فان اجندة القرن الـ 21 الصادرة عن مؤتمر ريو دي جانيرو تعدّ برنامج
عمل اساسيا لمواجهة التحديات البيئية، والتزاما مفروضا على كل الحكومات من اجل
تخفيف واستئصال حدة الفقر من خلال تسهيل الحصول على مصادر الثروة، ومواجهة تدهور
البيئة وتحقيق التوازن بين الانتاج والاستهلاك وتحقيق التكامل التجاري والاستثماري
وتوفير الاموال.
وتحتاج التنمية من المنظور السياسي اولا الى
الارادة الوطنية، وتحرير الارادة الوطنية يعني انها الارادة المستقلة، فلا يمكن ان
تتحقق التنمية الصحيحة في مجتمعات تابعة، اذ ان وفرة الانتاج في السوق الداخلي
تعني منع الاستيراد او الاعتماد على الغير من جانب، كما انها تطرح امكانية التصدير
من جانب اخر، وهو امر يعني في مضمونه اغلاق سوق خارجي امام منتج اجنبي من ناحية،
بالاضافة الى المزاحمة في اسواق التصدير من ناحية اخرى امام هذا المنتج الاجنبي.
وتفتح قضية التنمية مجالات كثيرة للحوار
والمناقشة، ولا يمكن تجاهل الظروف الخاصة بالمجتمع، واين يعيش بمعنى اخر: الموقع
والثروات الطبيعية، ومساحات الارض، وخاصة الصالحة للزراعة، وموارد المياه بالاضافة
الى ثرواته من المعادن والايدي العاملة، ومدى الخبرة والتدريب المتوفر لديها،
وتتراوح هذه الثروات والخبرات من مجتمع الى اخر، ولكن قدرة المجتمع وارادته تلعب
دورا كبيرا في استغلال هذه الثروات لاستخدامها استخداما امثل، او عدم الالتفات
اليها بالقدر الكافي، فهناك ما يسمى بالخطة الطموحة في اطار رصد الامكانات
والقدرات، وكذلك الاحتياجات والنظرة الى المستقبل باحتمالاته المتعددة بعيدا عن
اوجه القصور المعتادة في خطط التنمية مثل:
- توجيه التنمية الاساسية لاحد القطاعات دون
اخر، فمثلا اهمال قطاع الزراعة لحساب الصناعة.
- التركيز الشديد على الانفاق العسكري ليبتلع
الكم الاكبر من القدرات والامكانيات المتاحة.
- الاهتمام بالمدن على حساب القرى والارياف.
- تحول سياسة الانفتاح الى انفتاح استهلاكي
ويعتقد علماء السياسة والاقتصاد ان يتم التركيز خلال القمة على الشراكة الشاملة
لمواجهة عدم المساواة والفقر، مع التأكيد على تحقيق التنمية المستدامة باشراك دور
القطاع الخاص الذي لا غنى عنه في تنفيذ برامج التنمية، بالاضافة الى دور المنظمات الاهلية
خاصة منظمات المرأة والشباب التي ستعطي دفعة لاستراتيجيات التنمية المستدامة. كما
ان دعائم هذه التنمية يقوم على اساس دعم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية
والبيئية.
ويرى المراقبون انه على الرغم من وجود بعض
نقاط الخلاف التي ظهرت خلال اجتماعات الدورة الرابعة والاخيرة للاعداد للقمة التي
عقدت في الفترة من 24 ايار الى 7 حزيران الماضي في بالي بأندونيسيا، والتي تم
رفعها للتفاوض عليها في القمة المقبلة، الا انه تم اعداد مشروع برنامج العمل الذي
ستصدق عليه القمة بعد اجراء التعديلات اللازمة.
وحسب اعتقاد بعض المحللين السياسيين فانه يجب
معاملة دول العالم الثالث على اساس ان لها حقا في الثروات المتراكمة لدى الدول
الغنية، واذا طبقنا في هذا الصدد واحدة من الفرائض الخمس للاسلام، وهي الزكاة، على
الاغنياء، بحيث يقدمون جانبا من اموالهم للفقراء والمحتاجين، فاننا ندعم بذلك رخاء
شعوب العالم الثالث. واذا علمنا ان الزكاة تحسب على ما يجنيه الانسان من ثروة،
وعلى الانتاج، والدخل، وعلى رأس المال الخامل والموارد الاخرى، فان لنا ان نتخيل
حجم العوائد التي يمكن ان تساهم في تخفيف الفقر، ليس في العالم الثالث وحده، وانما
ايضا في العالم بأكمله، وعن طريق الايمان، والسلوك القويم، والتعاون، والاخوة،
والتضامن، نستطيع تحقيق النصر على الجوع والخوف، وان نصل الى قمة الرخاء الانساني
والازدهار، وقد اكد القرآن الكريم هذا الاتجاه في آيته الكريمة: (يا ايها الناس
انا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله
اتقاكم، ان الله عليم خبير) صدق الله العظيم.