التقاء اليأس باليأس

 

 

بقلم : عريب الرنتاوي

  

ثمة دوافع وأسباب عديدة، شجعت حكومة شارون على التقدم بمشروع »غزة وبيت لحم اولاً«... وثمة دوافع وأسباب عديدة أملت على الفلسطينيين القبول به في المقابل.. وثمة تداعيات هنا وهناك، ستترتب على هذا الإتفاق، إذا ما قدر له ان ينتقل الى حيز التنفيذ.

اسرائيل، ومنذ عدة اسابيع، بدأت تعيش مناخات مختلفة، الثقة بشارون في تراجع، وخياره الأمني لم يعد يحظى بالشعبية ذاتها، ورصيد الرجل لدى الرأي العام في تآكل مستمر، وهو مضطر للبحث عن خيارات أخرى او الانحناء أمام بدائل مختلفة، شريطة أن تظل في حدود متواضعة، كالمشروع المذكور.. أما الثقة بوزير دفاعه بن أليعازر فهي أيضاً في طور التناقص، والتهديدات الآتية من معسكر رامون وميتسناع، وشبح الانتخابات المبكرة، تدفع بالرجل لتجريب خيار سياسي.. واسرائيل »العمل والليكود« بدأت تقترب من لحظة القناعة »بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان«، وأن الخيارات الأمنية تكاد تستنزف جميع أوراقها.

الفلسطينيون، ومنذ عدة أشهر، بدأت تنتابهم »موجات متتالية« من الجدل حول جدوى بعض اختياراتهم العملية، وفي المقدمة منها العمليات الانتحارية، بل ان الجدل بدأ يحتدم حول تقييم حصاد قرابة عامين من الانتفاضة والمقاومة، حيث تبدو النتيجة اليوم، بنظر كثيرين، أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل 23 شهرا.. والوضع الفلسطيني الرسمي، بات اليوم أكثر ميلا، للقبول بأفكار ومشاريع، ماكان يمكن أن يفكر بالأخذ بها او حتى مناقشتها، قبل عام أو عامين.

وقد عبر فؤاد بن أليعاز عن الحالة عشية الاتفاق وغداته بالقول، أن »اليأس التقى باليأس«.. يأس الاسرائيليين من فرص الحسم العسكري، ويأس الفلسطينيين من فرص إرغام اسرائيل على الأخذ بخياراتهم تحت ضغط القوة، وربما شجع غياب العمليات »النوعية« خلال الأسابيع القليلة الماضية، الطرفين على الذهاب حتى آخر الشوط على طريق الاتفاق.

والراهن ان كثيرين يستذكرون اليوم، أفكاراً ومقترحات صدرت زمن إدارة كلينتون، تقول بضرورة ترك الطرفين في حالة صدام، حتى يخلصا الى القناعة، بأن الصراع لن يحسم عسكرياً، وان مائدة المفاوضات هي الملجأ الاول والأخير لكليهما.

على أن للاتفاق تداعيات فلسطينية واسرائيلية، لا يجوز التقليل من شأنها.. فلسطينياً، جوبه الاتفاق برفض واسع من قبل معظم الفصائل، ما ينذر بوضع العلاقات بينها وبين السلطة على محك عملي خطير.. واسرائيليا، جوبه الاتفاق بمعارضة اقل، تصدرها - رسميا - المفدال ومجلس المستوطنين، على ان المعارضة الحقيقية للاتفاق ستظل قائمة في انشطة الجيش الاحتلالية، وسياسة الاغتيالات والاجتياحات التي لا يبدو ان حكومة شارون ستتوقف عن ممارستها.

قد لا يبصر الاتفاق الأخير النور، وقد تنقلب المعادلات رأساً على عقب، على انه ينهض كشاهد على »تعب الحالتين« الفلسطينية والإسرائيلية، وكشاهد على المصير الصعب الذي آل اليه الموقع التفاوضي الفلسطيني، إذ بعد عشر سنوات من »غزة وأريحا أولاً«، نعود اليوم لـ »غزة وبيت لحم أولاً«، ولا ندري اذا ما ظل الحال على هذا المنوال، ما الذي سيرفق بـ »غزة أولاً«، بعد عشر سنوات قادمات.