بوش لا يحترم مبدأ المشورة

 

بقلم : منير شفيق

moneer_assabeel@yahoo.com

 

نشرت "الحياة" في 17/8/2002 تصريحات للرئيس الامريكي جورج دبليو بوش تعليقاً على تحفظات اعضاء من الكونغرس، وخصوصاً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي عن الحرب التي يعد لها ضد العراق، فاعلن فيها انه متمسك بنهج التشاور مع الآخرين في شأن السياسة الامريكية حيال العراق. ولكنه اردف قائلاً، وهنا بيت القصيد، ان "على الامريكيين ان يعرفوا انني سأحدد رأيي بناء على آخر معلومات الاستخبارات، وافضل السبل لحماية بلدنا واصدقائنا وحلفائنا". أي انه لا يناقش في السياسة.

 

لو صدر هذا التصريح عن رئيس من دول العالم الثالث، وخصوصاً اذا كان عربياً او مسلماً لقامت الدنيا ولم تقعد عويلاً على الديمقراطية، وهجوماً على دكتاتورية تدوس ابسط مبادئ التشاور والرجوع الى ممثلي الشعب عند اتخاذ القرارات المصيرية، ولضربت الامثال بديمقراطية النظام الامريكي. والبعض ما زال ينظم القصائد في مديحها.

 

السيد جورج دبليو بوش الذي يتربع الآن على رأس الجمهورية الامريكية -الولايات المتحدة الامريكية لا يخجل من القول لقادة من اعضاء حزب الجمهوري وزملاء لهم من الحزب الديمقراطي، وكلاهما اعضاء في الكونغرس كذلك، من انه سيشاورهم، ولكن على الامريكيين ان يعرفوا انه سيحدد رأيه الاخير، ويتخذ قراره، ليس على ضوء "المشاورة" وانما بناء على آخر معلومات الاستخبارات.

 

وهذا كلام يحمل فضيحة فعلية، وان حمل ميزة الكشف عن آلية من آليات اتخاذ القرار في الديمقراطية الامريكية وهي تقارير الاستخبارات. وهذه ليست مراكز ابحاث او دراسات استراتيجية وانما هي جزء من مراكز القوى داخل الدولة بما يعني ان قوة تقاريرها في اتخاذ القرار "تحظى على الاولية عند بوش" نابعة من موقعها ونفوذها داخل "اللعبة الديمقراطية" الامريكية.

 

ان أهم ما تتسم به سياسات الادارة الامريكية الراهنة يتمثل في عدوانيتها العسكرية الموجهة ضد العالم كله، والمركزة في هذه المرحلة ضد عدد من البلدان العربية، خصوصاً، العراق وسوريا ومصر والسعودية، وقد تبادلت الترتيب من حيث اولوية التركيز الامريكي سابقاً، ولكنها في الاسبوع الفائت توزعت بالتساوي على الجميع وبزخم يكاد يكون متعادلاً. ففي الوقت الذي يركز على شن الحرب العدوانية ضد العراق يعد لاستصدار مشروع قانون في الكونغرس اسمه "محاسبة سوريا". ويصار الى اعلان وقف المساعدة الاضافية لمصر عقاباً لها بسبب قضية سعد الدين ابراهيم رئيس "مركز ابن خلدون"، وتفتح على السعودية حملة تعدت الحملات الصحفية التي لم تفتر، او التقرير السري الذي قدمته مؤسسة "راند" للبنتاغون باعتبار السعودية "عدواً استراتيجياً لامريكا" الى تقديم دعوى ضد الامير سلطان وزير الدفاع والامير تركي الفيصل مدير المخابرات السابق وشقيقه محمد الفيصل رئيس البنك الاسلامي الى جانب عدد اخر من الجمعيات والبنوك السعودية بما في ذلك رابطة العالم الاسلامي. اما طلبات التعويض فتزيد على الألف بليون دولار. انها الحرب بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

 

ولكن بوش لا يكتفي بكل هذا فيقدم من خلال سياساته الداخلية والتطبيق العملي الدعم المعنوي الذي كانت تنتظره اشد الدكتاتوريات قباحة في العالم، والا ما معنى تعامله ومشاورة القيادات الاخرى بتلك الطريقة، او ما يمارسه من انتهاكات لحقوق الانسان. (انظر تقرير هيومن رايتس ووتش (95 صفحة) بعنوان "افتراض المجرم: المعتقلون يتعرضون لانتهاكات حقوق الانسان بعد 11 ايلول" بتاريخ 16/8/2002).