نحو اعلام عربي متطور يهدف الى دعم الموقف الفلسطيني دولياً

 

بقلم :  عبدالله القاق 

 

 

أحسن منتدى الاعلام العربي الذي اختتم اعماله في دبي في الاول من الشهر الجاري صنعا عندما سلط الضوء على الخطاب الاعلامي العربي في الغرب، واجمع المشاركون في اكبر تجمع اعلامي نظمه نادي دبي للصحافة، على أن الاعلام العربي يعاني من قصور واضح وعميق وان الحاجة اصبحت اكثر من ملحة لتغيير هذا الخطاب والتعامل بجدية مع الرأي العام العالمي...

هذا المؤتمر.. وتوصياته المتعددة الاعلامية، ينبغي الافادة منها نحو القيام بجهد عربي موحد يتميز بالمبادرة التي تستهدف وضع آليات عمل واضحة تساعد العرب على تفعيل التواصل الخطابي بعيداً عن بعض المبادرات الفردية لعدد من الدول العربية، وضرورة التركيز على لغة الارقام في الحوار مع الغرب... خاصة وأن العرب، كما قال العديد من الاعلاميين المشاركين في المنتدى فشلوا في عرض القضايا العربية على الدول الغربية واميركا بشكل يلفت الاهتمام والمتابعة مما شجع الحركة الصهيونية على القيام بدور بارز ضد العرب والمسلمين، خاصة وأن الهجمة الثقافية التي يتعرض لها الاسلام والمسلمون أخطر بكثير مما نتوقع.. ولا شك أن دعوة المثقفين في المملكة العربية السعودية الى اجراء حوار مع المثقفين في الدول الغربية وبخاصة في الولايات المتحدة بعدما احدث صاحب السمو الامير عبدالله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية نقلة نوعية في اتصالاته مع الرئىس الاميركي لتغيير وجهة النظر حيال القضايا العربية الاساسية بطرح المبادرة العربية التي تقدم بها سموه لمؤتمر القمة العربي والتي صادق عليها القادة العرب باعتبارها تمثل الخيار الاستراتيجي الذي ما انفك العرب يطالبون بتحقيقه، وهو الارض مقابل السلام.

فالواقع ان الاعلام العربي، يجب أن يسعى جاهداً في الدول الاوروبية لكشف زيف الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الاوسط خاصة عندما قام الاسرائيليون بنقل الاحداث الدامية في اراضي السلطة الفلسطينية من مذابح وهدم للمنازل وانتهاكات الحرمات...

واذا كان الاعلام العربي لا يعي حجم التغيرات الأخيرة في المجتمع الغربي على المستوى السياسي فإن الاعلام الغربي منحاز في تغطيته للاحداث في الضفة الغربية وقطاع غزة، وخاصة ما يتصل بالعدوان الاسرائيلي على الفلسطينيين والذي يتسم بالعنصرية، والفاشية، ضد الشعب الفلسطيني، فضلاً عن أننا نحن العرب نواجه حملة تزوير اعلامية تركز في الاساس على تشويه الاسلام وثقافتنا وحضارتنا وواقعنا العربي، لذلك فإنه مطلوب منا جميعاً سرعة التحرك بعمل اعلامي كبير وعقلاني موجه للغرب بطريقة تتناسب مع ثقافة وسلوك تلك البلدان الموجهة اليهم.

فالعرب، كما هو معروف لم يعترضوا على الارهاب، بل أيدوا مكافحة الارهاب، غير أن ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة يختلف عن ذلك فهو شعب يدافع عن ارضه ووطنه ضد عدو اسرائيلي... غاصب.. ولكن الحملات الظالمة ضد الاسلام والمسلمين، والفلسطينيين هي حملات مشبوهة ايضاً، وشرسة.

لقد استغلت السياسة الاسرائيلية هذا الموقف وصورت الفلسطينيين المدافعين عن ارضهم المحتلة بأنهم ارهابيون، ونظراً لأن الاعلام الاسرائيلي يحظى بدعم مادي هائل فقد نجحوا في تسويق هذه الأفكار.. بينما وقف الاعلام العربي عاجزاً عن الدفاع عن نفسه لضعف الامكانات.

فالاعلام العربي ضعيف للغاية، وهو ما أشار اليه الصحفي البريطاني بيتر جيمس مؤخراً، حيث قال: لقد كشفت الدراسات التي اجريت حول جدية الاعلام العربي في الغرب فتبين انه لا اعلام عربياً على الاطلاق، وإذا وجد فيكون باللغة العربية التي لا يعرفها الغرب.. وإذا وجد ببعض اللغات الاوروبية، فإنها تكون بلهجات ركيكة وضعيفة ومملة للغاية لأنها تعتمد على الشكل الخطابي الذي عفّى عليه الزمن..

فالاستراتيجية العربية الاعلامية المقبلة ينبغي أن تؤكد على التعامل مع المواطن العربي، او الغربي من خلال تحري الدقة والصدق والموضوعية وتوفير البديل الاعلامي العربي في عصر الفضاء... وضرورة انشاء مركز قومي للمعلومات الاعلامية وانشاء مركز قومي للبحوث الاعلامية ومشروع قومي للتنمية البشرية، ومشروع مدن ومواقع قومية للانتاج الاعلامي العربي بحيث يكون الهدف منها الوصول بالاعلام العربي للعالمية.

 

ولكن كيف يمكن أن نفعل الاعلام العربي على الساحة الدولية؟

الواقع أن تفعيل الخطة الاعلامية في الخارج، ينبغي ان يتم عن طريق ايجاد استراتيجية عربية موحدة، تسهم في شرح الصورة للدول الاوروبية وأميركا وغيرها عن القضية الفلسطينية، وينبغي وضع حد لاستمرار التحدث عن عدم وجود تمويل لتنفيذ الخطة التي اعدتها الجامعة العربية والبالغة 20 مليون دولار!

وإذا كان السبب المباشر وراء ذلك، لا يعدو كما يقول بعض المراقبين مادياً، فإنني أعتقد ان الضغوط الاميركية على بعض الدول بالمنطقة حالت دون القيام بدورها على اكمل وجه، خاصة وأن الخطة الاعلامية التي اقرها وزراء الاعلام خلال اجتماعهم الطارئ عقب بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية اثر اقتحام شارون للمسجد الاقصى في 28 سبتمبر الماضي، لم تفعل على الاطلاق، مما حدا بالسيدة حنان عشراوي عضو المجلس الوطني الفلسطيني ومسؤولة الاعلام بالجامعة العربية الى الاستقالة.

والمرحلة المقبلة تحتاج الى ارسال سفراء الى الدول الاوروبية وأميركا من المختصين والمهتمين بقضايا الاعلام لمواجهة الحملة الصهيونية الشرسة التي تسوقها اجهزتها الاعلامية فضلاً عن بيرس وزير خارجية اسرائيل الذي يقوم بتسويق اعمال شارون العدوانية بشكل ملحوظ تحت دعاوى الدفاع عن النفس وغير ذلك من الأكاذيب.

لقد وضع خبراء الاعلام العرب في اجتماعهم بالجامعة العربية في شهر ابريل ميثاق العمل العربي والذي تضمن بنوداً عديدة وصلت الى أكثر من 25 بنداً وذلك لعرضها على وزراء الاعلام العربي المقرر عقده في يونيو المقبل. حيث ركز الميثاق على اثراء شخصية الانسان العربي ودعم القضايا الاساسية للوطن العربي والحرص على التضامن والعمل على التعريف بالوطن العربي وتاريخه وحضارته والالتزام بالموضوعية والأمانة واحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية ونبذ التعصب والتحيز والتمييز واحترام الحياة الخاصة للمواطن.

ولا شك ان الدعوة التي وجهها المعهد العربي لحقوق الانسان في تونس في الثامن والعشرين من الشهر الجاري لنخبة من الاعلاميين لاجراء تحليل حول تقويم وسائل الاعلام العربية مع الاحداث الاخيرة في فلسطين، تشكل خطوة ايجابية، لبحث كل القضايا الاعلامية، والدور الاعلامي المطلوب بالمرحلة المقبلة، خاصة وان هذا المعهد له اسهامات كبيرة ونشطة في متابعة القضايا العديدة المتعلقة بحرية وحقوق الانسان.

الأمل كبير في ان تسهم هذه الجهود العربية نحو بناء استراتيجية عربية موحدة في ضوء التطورات السياسية الراهنة، في بلورة المواقف والاهداف العربية والثقافات والحضارات المتعددة التي تحترم حقوق الانسان وحرية الرأي في الوقت الذي تشير فيه الدراسات والاحصاءات العالمية الى ان 22 في المائة فقط من اجمالي سكان العالم يعيشون في دول تتمتع بصحافة حرة عددها 64 دولة فقط.

فهل يكون بناء وتعزيز صحافة مستقلة واعلام حر أمراً مهماً وضرورياً للاسهام في التقدم الثقافي والاعلامي المنشود في هذه الظروف الحرجة؟