المفهوم الغربي لقضية تحرير المرأة

 

 

بقلم : د.نورة السعد

nora_23@anet.net.sa

 

مما لا شك فيه أن مفهوم (تحرير المرأة) وتطبيقاته في الغرب قد أحدث ثورة في المفاهيم الاجتماعية الكلاسيكية الغربية فالبنى التحتية وشبكات العلاقات الاجتماعية قد أصبحت في شكل جديد تعجز النظريات التقليدية حول سوسيولوجيا الاسرة والزواج والأولاد والعلاقات القرابية عن تفسيرها، لأن هذا الطرح الجديد الذي بدأ يتكرس في الغرب قد تخلص في أولى مراحله من فكرة (القداسة) ليربط مباشرة بفكرة (الديموقراطية) التي تمتد إلى مجالات أخرى غير السياسة مفهوم الديموقراطية الأولى، لتشمل باسم الحرية الشخصية والنزعة الفردية والأخلاق والقواعد الدينية والمبادئ القيمية فتبعدها باسم المذهب الوضعي الذي ساد خلال الثورة الفرنسية وما تلاها من مرحلة التنوير التي اقصت (الإله) عن مركز الكون وأحلت محله (العقل) والانسان الذي يملك العقل وبدأت عملية إقصاء الدين عن مجريات الامور الحياتية وعزله في مساحات (الكنيسة) فقط.

وقضية المرأة في الغرب في عمقها التاريخي توضح كيف كانت المرأة دوما كبش الفداء والخطأ والعلاقات بينها وبين الرجل مطبوعة بفكرة استعلاء الرجل ثم بطابع التصارع فالمرأة كانت (رسول الشيطان لإغواء الانسان) وأنها المسؤولة عن مجيء الشر الى الأرض، بل إن الكثير من فلاسفة المدنية الإغريقية كانوا يتأسفون على كونهم أبناء نساء!!

ولهذا كانت المرأة محبوسة مستعبدة وليس لها أهلية ولا كيان ولا تعد انسانا اصلا.. حتى ان الراهبة الغربية كارين ارمسترونغ في تحليلها لواقع المرأة الغربية الموغل في القدم والمرأة المسلمة في العصور الماضية قالت: (ان رجال الغرب النصراني حين حبسوا نساءهم ومنعوهن من مخالطة الرجال ووضعوهن في غرف منعزلة في جوف البيوت انما فعلوا ذلك لأنهم يكرهونهن ويخافونهن ولا يأمنون لهن ويرون الخطيئة والغواية كامنة فيهن، فهم يخرجونهن من الحياة بهذا الحبس الى خارجها او هامشها، بينما حجز المسلمون نساءهم في البيوت ولم يخرجوهن الى الشوارع تقديراً لهن ولأنهم يعتبرون زوجاتهم وامهاتهم وبناتهم حرما خاصا وذاتاً مصونة وجواهر مقدسة يصونوهن ويحملون عنهن عبء الامتهان في الأسواق والطرق".

ثم جاءت المرحلة التاريخية التي تم فيها سقوط النص والكنيسة ووضع الانسان مسيرته التاريخية محل النص في تفسير كل ما يتصل بالانسان فردا او جماعة وذلك بافتراض سلم تطوري تأتي فيه كل درجة ارقى من سابقة لها ادنى في ميزان العقل وأسبق منها زمنياً واصبح التفسير التطوري لكل شيء - كما يقول د. بهاء الامير- هو العقيدة الجديدة للغرب لا يمكنه التخلي عنها لأنه لا بديل لها وهكذا تم تفسير الانسان وأصل المجتمعات ومسيرتها وأصل العقائد وتطورها والأخلاق وتكونها في ضوء أنها جميعا عمليات وضعية متراكمة بدأت بالصورة الدنيا ثم تطورت حلقة مخلقة حتى وصلت الى صورتها الغربية المتمدنة وبالطبع ما انصب على مجريات الحياة وفق هذا التصور امتد الى المرأة ومنشأ أوضاعها وكيفية استعبادها على الجانب الغربي الذي تطور الى تحريرها في المرحلة اللاحقة.

وبالطبع هذا التفسير التطوري الذي ازدهر على أنقاض النصوص التوراتية الانجيلية في الغرب لا محل له في الاسلام في ظل التفسير القرآني للخلق والوجود ومسيرة البشر على الأرض وبالطبع مكانة ووضع المرأة المسلمة.

وعندما اصبح تقييم المرأة في الغرب بعد (التحرير)!! أنها (ثمرة ألف مليون سنة من التطور) تم الاستناد الى ما جاء في كتاب فريدريك انجلز (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) الصادر في عام 1884م حول تطور وضعها وهو الكتاب الذي اعتمد عليه ايضا قاسم امين في كتابه (المرأة الجديدة) في كتابته عن مسألة التطور ونشوء العائلة وأصل احتجاب المرأة وكذلك عن مراحل المدنية الاربع وعن الزواج الأخلاقي القائم على التوافق ومساواة المرأة بالرجل في الطبقات الدنيا (البروليتاريا) والهوة التي بينهما في الطبقات المتمدنة (البورجوازية).

وهكذا تحولت قضايا المرأة في الغرب الى مسائل وضعية تعالج بالقوانين والنظريات التفسيرية الوضعية التي بنيت وتم تغذيتها بالأحكام العقلية وفق المذهب الوضعي والتفسير التطوري..

وفي هذا السياق نشأ ما يسمى بنسبية الأخلاق والشرائع وهذه النسبية هي توأم فكرة التطور وهما معا خرجا من رحم سقوط المرجعية الثابتة وعصمة النص في الغرب واصبح الانسان وحده (بالعقل والعلم والتجريب) هو الذي يضع القوانين والتشريعات ويحدد الأخلاق الفاضلة والسيئة.

هذه الخلفية الفكرية والفلسفية والعلمية هي التي يتحدد وفقها مسار تحرير المرأة أو تحررها في الغرب.. وهي مرجعية تتناقض تماما مع (مرجعيتنا في المجتمعات الاسلامية)..

ولهذا مهم لكل من يرغب في إصلاح وضع المرأة في المجتمعات الاسلامية ان يتخذ المرجعية الاسلامية من القرآن والسنة ويكون الملاذ فيهما والتصحيح من نصوصهما.. ولنا في الآية الكريمة خير دليل ومرشد {قل إن هدى الله هو الهدى}..