هدوء: فالمبعوث الأمريكي قادم!

 

 

بقلم :د. خالد عبدالله

 

غريب حالنا، لقد ألفنا التناقض حتى بتنا نرتاح في أحضانه. فالكثير منا يردد ويكرر أن المبعوث الأمريكي، أي مبعوث، حينما يقدم إلى المنطقة العربية ويتحمل وعثاء السفر إليها فليس إلا لحاجة إسرائيلية، أو أمريكية. بل ونستشهد بكل المواقف الأمريكية التاريخية والآنية التي تعزز أصالة ما نقول وصدق ما نزعم. وفي نفس الوقت يصدر منا ما يشي بتوقعات كبيرة من هذه الزيارات، أو بآمال كبار تعقد عليها، وكأننا نرجو لو أن النفس كاذبة في اعتقادها. وليست زيارة بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكية استثناء لهذا النهج الذي نسير عليه. فالبعض يرى أن هناك تقدما في الرباعي، المؤلف من أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ولعل الحديث مع الموفد الأمريكي قد يعزز هذا التقدم أكثر. وتغيب الأبجديات السياسية في هذه التصريحات. فالمواقف الأمريكية الأساسية ليست هوى تتلون بلون كل مبعوث أمريكي، كما أن الانتقال منها إلى غيرها ليست مهمة موظفي الخارجية الأمريكية، فهؤلاء ليس لهم إلا متابعة تنفيذ ما تستقر عليه سياسة بلدانهم. وهم يحرصون على اتباع أدق تفاصيلها، هكذا دربوا. ومثال بسيط على ذلك أن لا أحد من هؤلاء المبعوثين يجرؤ على مقابلة الرئيس الفلسطيني لأن هذه سياسة أمريكية الرئيس الأمريكي وحده يغيرها.

وإذا كان الموقف السابق يعبر عن أحلام من لا شغل لهم إلا المفاوضات، فهم حريصون على أن تكون هناك جعجعة حتى وإن بدون طحن، لكن ما بال القياديين الميدانيين لا يزنون ما يقولون. فقد قال البعض تعليقا على عملية الخضيرة أنها غير مناسبة التوقيت. وهذا القول على الملأ  جانبه الصواب في أكثر من جانب. فهو قول لا يرضي الخارج إن كان به مقصودا، لأن الذين ينتقدون العمليات الاستشهادية يفعلون ذلك لأنها في نظرهم تتقصد المدنيين. التصريح يقول لهم إن قتل المدنيين جائز لكن في وقته المناسب. كما أنه لا يرضي الداخل لأن الذين يؤيدون هذه العمليات يحترقون يوميا بجحيم القتل الإسرائيلي، والتدمير الإسرائيلي، ولا يمكنهم أن يفهموا مسألة التوقيت، فهم ليسوا القوة الإسرائيلية أو الأمريكية التي تتوفر لديها القدرة على التخطيط وانتقاء أهدافها ثم تنفيذها متى تشاء. بل أن الناس ترى إسرائيل التي لديها مثل هذه الكمالية ترد فورا بعد كل عملية إضافة لنهجها التدميري المتواصل. إما إذا لم يكن لا الداخل ولا الخارج مقصودا بهذا القول، فلا يتبقى إذن إلا الوهم بأن المبعوث الأمريكي قد يحمل بشارات إلى الفلسطينيين.

لم يأت بيرنز إلى المنطقة لأن الهم الفلسطيني يشغل بال الإدارة الأمريكية، أو لأنها تريد متابعة خطة الطرق. فهذه أمور لم تكن على بالها حينما اقترحتها. فالإسرائيليون أنفسهم يرون أن المقترح الأمريكي وإن كان حول فلسطين لكن مرماه الموضوع العراقي، فأمريكا تريد أن تهدي للعرب وللرباعية لعبة الاهتمام بالموضوع الفلسطيني، في الوقت الذي تحشد جيوشها لغزو العراق. فكل المبعوثين الأمريكيين إلى المنطقة في الوقت الراهن، عسكريين ومدنيين، مهمتهم حشد التأييد للمجهود الأمريكي، أو صرف الانتقاد عنه، سواء تحدثوا حول العراق أو حول فلسطين أو حول مياه الوزاني. فإذا كان هذا هو الغرض الأمريكي، الذي يعرفه الجانب الفلسطيني، فلم الاحتفال به، والتظاهر أمام العالم، وبالذات الرأي العام العربي، كأن الأمريكان جادون في جعل الشرعية الدولية، التي يركلونها الآن في كل مكان، كأنها منارتهم التي تهدي خطاهم في القضية الفلسطينية.

وحينما يواجه المسؤولون الفلسطينيون بهذا الأمر، الذين لا يختلف موقفهم عن الموقف العربي الرسمي عموما، نسمع ما دلالته ما البديل، كأنهم يحرجونا بالقول هل لديكم بديل آخر. وهذا يشبه الطرفة المروية عن إجابة آكل لحوم البشر حين نهي عن أكلها، ما البديل عنها؟ والإجابة السريعة عن السؤال بسيطة، فالمسؤول الذي يصل إلى القناعة بأنه لا يملك بدائل  في مواجهة التحديات إلا واحدا عليه أن يترك الأمر لمن لم تعقم لديه آلة التفكير. لكن هناك بدائل كثيرة لكشف الموقف الأمريكي. فإحداها على الأقل رفض مقابلة من لا يريد مقابلة الرئيس الفلسطيني. والقول بأن لا أحد يقابل المبعوث الأمريكي بدون إذن الرئيس التفاف حول جوهر المسألة. فالمسألة لا تتعلق بشخص الرئيس الفلسطيني وإنما تتعلق بنهج عقلية التنازلات التي تبلغ الرسالة الخاطئة إلى الأمريكان. ثم إنها تكشف عدم جدية الموقف الأمريكي. إذ أن المفاوضين لا يختارون من يفاوضهم من الجانب الآخر، فإن تمكنوا من ذلك فإن صورة الوضع النهائي للمفاوضات لن تكون مختلفة عن بدايتها، أي تقرير نتائجها.

ولا يجوز الإدعاء بأن القبول بذلك هو لخدمة القضية الفلسطينية. فهذا مردود لأن الأفضل حينذاك ترك الأمر برمته للشعب الفلسطيني ليقرر من تكون قيادته. ثم إن هذا هو أصل الحديث، أي التناقض، فإما الأمريكان جادون في حل القضية الفلسطينية وفق الشرعية الدولية أو حسب الهوى الإسرائيلي. فما الذي يعتقده المسؤولون الفلسطينيون؟ كما أن التسويف والمناورات ليست في صالح القيادة الفلسطينية إن ظنت ذلك. فباعها في ذلك مهما تصورته كبيرا، لا يمكن أن يطاول قدرات المناورة والاحتيال الأمريكية. فكل ما يريد الأمريكان في الوقت الحاضر كسب الوقت حتى يأتي اليوم الذي يمنون فيه النفس أن ما يخططون للعراق سيتحقق، حينذاك سيسهل عليهم إدراك كل ما يريدون إنجازه في المنطقة ومنها فرض ما يريدون بشأن فلسطين. فمجاراة لعبة التخفي الأمريكية تسهيل للسياسة الأمريكية، وليست واقيا من مخاطرها المستقبلية. فهي إذا كانت تفعل بالقيادة الفلسطينية ما تفعل وهي تحتاج أن تتزيا برداء المهتم بالقضية الفلسطينية، فما عساها فاعلة إن تمكنت مما تريد في العراق.