العرب والتكنولوجيا: نخب برسم التهجير

 

 

 

بقلم : مسعود ضاهر 

 

تصنّف المجتمعات العربية في خانة الدول الاكثر تخلّفاً في مجال الاستفادة من التكنولوجيا، وتوطينها، والإبداع فيها. فقد دخلت جميع الدول العربية القرن الحادي والعشرين بأنماط مختلفة من الانتاج وعلاقات الانتاج يمكن ان تصنف، في غالبيتها الساحقة، ضمن أنماط الانتاج السابقة على الرأسمالية والتي تضم خليطاً من بقايا الانظمة القبلية، والعشائرية، والعائلية والطائفية وتشدد على الاقتصاد الريعي، والربح السريع، والاعتماد شبه التام على الموارد الطبيعية خاصة النفط الخام.

يكفي القول إن الأرقام الواردة في تقرير التنمية العربية للعام 2002 لا تشرّف جميع الانظمة العربية لأنها تظهر تخلف العرب في جميع المجالات، مع تراجع مريع في حجم الانتاج والتنمية على مختلف الصعد. وهي تظهر اتساع الفجوة بشكل هائل بين ما كان عليه العرب منذ ثلاثين سنة وما أصبحوا عليه اليوم، وذلك بالقياس الى دول اخرى كانت أكثر تخلّفاً من العرب في السابق فباتت اليوم أكثر تطوراً منهم، وبنسب مضاعفة. اما النسب المتواضعة جدا التي يشغلها العرب في مجال التنمية البشرية فتضعهم في ذيل القائمة بالمقارنة مع غالبية دول العالم. كذلك الحال بالنسبة لتوظيف العرب في مجال البحث العلمي الذي لم يصل الى 1% من الدخل القومي، والتي تذهب في غالبيتها الى العمل الاداري وليس لتمويل الأبحاث العلمية الجادة. لذا لا بد من الاعتراف بأن الفجوة المعرفية في مجال التكنولوجيا المتطورة، خاصة الرقمية منها، تزداد اتساعا بين المنطقة العربية وباقي الدول المتطورة لان الدول العربية تأتي ايضا في ذيل القائمة العالمية في مجال عدد مواقع ومقاهي الإنترنت، وفي عدد مستخدمي الشبكات والاجهزة الرقمية، وفي عدد المواقع العربية التي تنتج معلومات صالحة للتعميم على شبكات الانترنت العالمية لتصبح مصادر موثوقا بها لنشر المعلومات. اما نسبة العرب من مستخدمي الانترنت فهي 0,5% من مستخدميها على المستوى الكوني، علماً ان العرب يمثلون أكثر من 5% من سكان العالم.

بعبارة اخرى، ان استيراد التكنولوجيا والسلع الجاهزة ذات الكلفة المالية العالية تسبب بنزيف حاد للأموال العربية دون ان ينجح العرب في توطين التكنولوجيا والإبداع فيها بينما نجحت مجموعة النمور الآسيوية في تحقيق تلك الاهداف خلال الفترة عينها. تجدر الاشارة هنا الى الطبيعة الاحتكارية لتكنولوجيا المعرفة والمعلومات المتطورة جداً نظراً لما توفره للشركات المنتجة لها من مردود مالي هائل يقدر بمليارات الدولارات سنوياً على غرار تجربة بيل غيت في شركة ميكروسوفت. كما ان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تشكل حقل صراع حاد جداً بين الشركات المنتجة لها والتي تعمل على استقطاب الأدمغة والكفاءات من مختلف مناطق العالم، بمعزل عن الدين والقومية والجنس واللون. الا ان استراتيجية الدول العربية المستمرة في مجال استيراد التكنولوجيا دون توطينها والإبداع فيها، أغفلت الجوانب الثقافية والاجتماعية في علاقة التطور التكنولوجي بالتنمية البشرية المستدامة والتوظيف الكثيف في الرأسمال البشري وفي مراكز الأبحاث العلمية العربية.

وبنتيجة غياب سياسة عربية واحدة وموحدة على مستوى النظام الاقليمي العربي، فان المنطقة العربية بكاملها تشكو من فوضى المعلومات ونظم الاتصالات التي تعوق عملية التوحيد والتفاعل بين الدول العربية نفسها. ومن الامثلة المؤلمة جدا في هذا المجال ان نظم الهاتف المحمول ليست موحدة بين الدول العربية ولا تتيح جميعها امكانية التواصل في ما بينها الا عبر شركات دولية. وهذا يذكر ايضا بالانظمة المالية العاملة بالطريقة نفسها للربط بين المؤسسات المالية العربية عبر مراكز مالية تابعة للبنوك الكبرى في أوروبا وأميركا.

الآن، وبعد استقرار آلاف الباحثين العرب في الدول المتطورة، وتحديدا الاوروبية والاميركية منها، برز نزف حاد للعقول العربية من خلال العمل في شبكات الانترنيت التي تستقطب قسما اضافيا من الباحثين العرب من ذوي الاختصاصات المعمّقة في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات، وهي تشتري برامجهم بأسعار زهيدة لتوظفها ضمن شبكة احتكاراتها الضخمة للمعرفة.

يُضاف الى ذلك ان برامج التنمية العربية ما زالت أسيرة برامج التكنوقراط وتوصيات الخبراء الاجانب، وبشكل خاص خبراء الامم المتحدة وباقي المنظمات المالية والتجارة الدولية. وتزداد الهوة اتساعاً عاماً بعد عام بين المنطقة العربية وباقي المناطق المتطورة في العالم في مجال هو استفادة من ثورات العلم وتكنولوجيا التواصل والاعلام بسبب التخلف المريع والمستمر في البنى العربية، وبشكل خاص الادارات المترهلة التي استعصت على الاصلاح طوال القرون الماضية، وسيطرة قوى سياسية متخلفة على الادارة لتزيد في فسادها المزمن وتوظّفها في خدمة مصالحها الشخصية.

على جانب آخر، لم يكن استيراد العرب للتكنولوجيا المتطورة يهدف أساساً الى توطينها والابداع فيها. فقد اقتصر دورها على خدمة فئة قليلة العدد من العرب في حين استمر الجهل بالتكنولوجيا سائداً، وبنسب متفاوتة بين دولة عربية واخرى، وقطاع وآخر. فالتكنولوجيا وثيقة الصلة بالعلوم العصرية والبحث العلمي، وهي تتطلب احتراما حقيقيا للعلم والمعرفة من جانب المجتمع العربي ورغبة صادقة في استمرار مواكبة التقدم العلمي في العالم وتطوير هيكلية فاعلة لتشجيع الباحثين العرب.

وعلى عكس الدور الذي لعبه القطاع الخاص في تطوير البحث العلمي في كثير من دول العالم فان دور القطاع الخاص في الوطن العربي بقي محدودا للغاية في مواكبة تحديات عصر العولمة. يكفي التذكير بأن الانفاق على البحث العلمي في دول العالم المتطورة يزيد عشرات المرات على ما يتم انفاقه في المنطقة العربية التي تحتل موقعا قريبا من الصفر في قائمة الدول التي تشجع البحث العلمي. وتبرز حاجة ملحة لمراجعة وتطوير النظم والتشريعات العربية لجهة حماية الملكية الفكرية وتهيئة مناخ ملائم للاستثمار في البحث العلمي والتطور التكنولوجي، وتدخل الدولة الفاعل للحد من ظاهرة هجرة الكفاءات العربية وذلك بخلق مناخ ملائم لبقائها في بلدانها وليس باتخاذ قرارات تعسفية لمنعها من السفر.

ليس من شك في ان النظم السياسية العربية والقطاع الخاص في الوطن العربي يتحمّلا مسؤولية مشتركة عن تردي اوضاع البحث العلمي وتطور العلوم العصرية وإنتاج التكنولوجيا المتطورة في الوطن العربي طوال القرن العشرين. فالبحث العلمي المقرون بالتطور التكنولوجي يساعدان في توسيع معارف الانسان العربي وتعزيز ارتباطه بأرضه وبقضاياه الوطنية والقومية.

وتساعد التكنولوجيا ايضا في توسيع خيارات الناس الاقتصادية وفي حل مشاكلهم الاجتماعية. وذلك يتطلب اعتماد سياسات وبرامج مدروسة للقضاء على الفقر والحرمان والامية من جهة، وعلى مشاركة الجماهير الشعبية في صياغة القرارات التي تمس جميع جوانب حياتهم اليومية من جهة اخرى. لكن فساد النظام السياسي وما رافقه من إفساد إداري تسبّب بالشّح الكبير في توظيف الموارد المالية الضرورية لامتلاك التكنولوجيا وشكّل قيداً معيقاً للتنمية البشرية المستدامة.

مع ذلك، يرى كثير من الاقتصاديين العرب أنه في حال توفّرت الارادة السياسية الصالحة والتوظيف المالي الجيد فإن البلدان العربية، قادرة على استئصال كثير من الآفات الاجتماعية خلال عقود زمنية قليلة. وذلك يتطلب مشاركة جميع القوى والمؤسسات العربية، الرسمية والخاصة، لان بناء المستقبل مسؤولية وطنية وقومية تشارك في صنعه جميع البلدان العربية التي تتعرض لمخاطر كبيرة في عصر العولمة والتحديات الاميركية الاسرائيلية.

نخلص الى القول انه لا بد من إعطاء الأولوية المطلقة لإقامة قاعدة ثابتة للعلم والتكنولوجيا في العالم العربي، ولإعطاء الاولوية للبحوث المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جميع خطط التنمية العربية، على ان تولى اهمية خاصة لكيفية استخدام اللغة العربية عبر اجهزة الكومبيوتر. وذلك يتطلب نشر العلوم العصرية على نطاق واسع عبر أجهزة الإعلام الجماهيري، واستحداث أجهزة متطورة لنشر المعارف الحديثة وتجاوز أسلوب التلقين. كما ان تكوين أجيال متعاقبة من الشباب العربي يتطلب الاهتمام الكلي بثقافة التغيير الشمولي وليس بثقافة تبرير ما هو قائم واستخدام أرقى وسائل التكنولوجيا لنشر مقولات تربوية تجاوزها الزمن، ومقولات تراثية تدعو الى الحفاظ على الاصالة والخصوصية من طريق الانغلاق على التراث.

بقي ان نشير الى ان العرب يواجهون الآن تحديات كبيرة في مجال التنمية البشرية التي تشكل العمود الفقري لمقولة استيراد التكنولوجيا وتوطينها والابداع فيها. اذ لا تستقيم تلك التنمية الا عبر اصلاحات جذرية تبدأ باحترام الحقوق والحريات الشخصية والعامة، واكتساب المعرفة والعلوم العصرية، وتوظيف التكنولوجيا المتطورة في تنمية القدرات البشرية والمادية العربية. يُضاف الى ذلك ان قصور التنمية البشرية الانسانية يشكل عائقا أساسيا أمام النظام الاقليمي العربي يمنعه من مواجهة تحديات العولمة. وبعد ان خسر العرب رهان التنمية البشرية، وتوطين التكنولوجيا، ومواجهة التحديات القومية طوال القرن العشرين فإن حسن اختيارهم لتلك المقولات والعمل على تنفيذها يحددان مصير العرب في القرن الحالي، خاصة وان خيار الاستثمار في الانسان هو الخيار الأهم لبناء مستقبل عربي أفضل. ولا تستقيم مقولة مواجهة تحديات الهجمة الاميركية الصهيونية ضد العرب في المرحلة الراهنة الا ببناء القدرات الانتاجية العربية على أساس الاستفادة القصوى من العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة، وتجاوز الطبيعة الريعية للاقتصادات العربية، وتعزيز التعاون العربي على جميع الصعد، وتعظيم الاستفادة من ايجابيات عصر العولمة مع توقّي الحذر من مخاطرها الكبيرة. صحيح ان الاحتلال الاسرائيلي يخنق التقدم في الوطن العربي، لكن الصحيح ايضاً ان الانظمة العربية تستخدم هذه المقولة كذريعة لتعطيل كل أشكال الحرية والديموقراطية في جميع الدول العربية.

فقد دلّت تجارب العرب في العقود الماضية على ان التنمية المشوّهة كبّلت التطور الاقتصادي وزادت من عجز العرب عن مواجهة المشروع الصهيوني. ومن نافل القول إن تكاليف تحسين نظم التعليم كبيرة ومرهقة احياناً للموازنة العامة، لكن كلفة استمرار الجهل والامية والفقر والتخلّف والبطالة والتصحر وصلت حد المأساة التي تهدد بتدمير العرب من الداخل. ان اكتساب العلوم العصرية وبناء مجتمع المعرفة العصرية والتكنولوجيا المتطورة تشكل مجتمعة المدخل السليم للتنمية البشرية المستدامة التي تحرر الطاقات الابداعية العربية وتجعلها قادرة على حماية المجتمع وتطويره، والقضاء على البطالة والفقر والامية كأولوية وطنية وقومية. اما مواجهة التحديات المصيرية فتفترض بالضرورة الاهتمام الجدي بالتنمية البشرية المستدامة على قاعدة المشاركة في إنتاج العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. فالمقولات الجديدة لقياس التنمية البشرية المستدامة تشدّد على أن الحرية هي الضامن للتنمية البشرية وحقوق الانسان، وأن <<فجوة المعرفة>> وليس <<فجوة الدخل>> قد اصبحت اليوم المحدد الرئيسي لقياس قدرات الدول في عصر العولمة.

لكن واقع العرب اليوم لا يقدم الدليل على احترام مبادئ التنمية المستدامة المتبعة في الدول المتطورة. على العكس من ذلك، هناك تزايد واضح في تدني مستوى التحصيل العلمي، وزيادة نسبة الامية والتجهيل، وضعف في الابداع والابتكار. وما زال البون شاسعا بين الدول العربية والدول المتقدمة في مجال انتشار التعليم العالي. كما ان الامل ضئيل في إصلاح نظم التعليم العربية، ومن المتوقع ان يزداد حرمان الفئات الاجتماعية الفقيرة من هذا التعليم بعد بروز مؤشرات خطرة للغاية حول تقاعس الدول العربية عن القيام بواجباتها على غرار ما قامت به في عقود ماضية لدعم التعليم الرسمي. يضاف الى ذلك تخلف الدولة عن القيام بدورها في تطوير نظم التعليم، وتحديث أدواته وإعداد معلم من طراز جديد يكون قادراً على مواكبة الطرائق التربوية المتجددة في عصر العولمة والتطور التكنولوجي. ولا بد من إعطاء الاولوية للتعليم الفني والمهني لانه أكثر أنماط التعليم التصاقا بمواطن الانتاج، وتأمين الفرص الملائمة لتنمية المواهب العربية واحتضانها في سن مبكرة. ختاما ان مستقبل العرب رهن بقدرتهم على خلق مجتمع ديناميكي قادر على مواجهة تحديات عصر العولمة الذي يتميز بتوظيف مالي كثيف في مجال التكنولوجيا المتطورة والعلوم العصرية من جهة، والسعي لقيام وحدات جغراسية عملاقة من جهة اخرى. وذلك يتطلب إطلاق مشروع ثقافي اجتماعي جديد ينطلق من تنمية قدرات الانسان العربي باعتباره رأس المال الاكبر الذي يجب وضع خطط التنمية في خدمة طاقاته الابداعية لانه السبيل الوحيد لإخراج المنطقة العربية من دائرة التخلف والتهميش على المستويين الاقليمي والدولي، الى دائرة التواصل الايجابي والتفاعل المعرفي مع الشعوب الاخرى من موقع الندية وليس التبعية. وعلى قاعدة امتلاك التكنولوجيا بعد توطينها والإبداع فيها يتجاوز العرب مرحلة استهلاك تكنولوجيا الغير الى المشاركة فيها. وما لم يسارع النظام الاقليمي العربي الى إطلاق هذا المشروع فإن التقارير العلمية بدأت تنبه من ان السياسات العربية التي ساهمت في ولادة نخب عربية مزودة بالتكنولوجيا المتطورة قد عجزت عن احتضان نخبها بسبب فسادها السياسي والاداري، فاندفعت بأعداد كبيرة في هجرة طوعية خارج الوطن العربي.