عمليتا
بالي وسفينة النفط الفرنسية
منير
شفيق
في
الوقت الذي كانت تتعاظم فيه موجات الاحتجاج في عواصم الغرب ومدنه، بما في ذلك في
الولايات المتحدة نفسها، ضد العدوان الامريكي المزمع شنه ضد العراق، وفي الوقت
الذي اصبحت نصرة الشعب الفلسطيني بما يشبه اللازمة في كل اجتماع وتظاهره في تلك
العواصم والمدن، تأتي المجزرة الرهيبة التي راح ضحيتها اكثر من مائتي قتيل
وثلاثماية جريح في جزيرة بالي في اندونيسيا. وكلهم من المدنيين الابرياء الذين لا
يمكن ان ينسب اليهم ذنب سياسي ارتكبوه حتى يسوّغ من قريب او بعيد ذبحهم بهذه
الطريقة.
وقد
لحقت بهذه المجزرة الرهيبة عملية اخرى استهدفت المدنيين في جنوبي الفلبين وقيل ان
ثمة انذارات من تنظيم القاعدة بالمضي في هذا النهج على نطاق واسع الامر الذي راح
يضعف موجة التظاهرات ضد الحرب، وجعل كثيرين في وضع المذهول من استهداف المدنيين
بهذه الطريقة، ومن كل الاجناس، وبغض النظر عن المكان الذي وجدوا فيه. وقد اشارت
استفتاءات اخيرة في بريطانيا الى ان نسبة مؤيدي الحرب ازدادت بعد عملية بالي
والتهديدات التي وجهت الى كل «حلفاء» امريكا.
ومن
هنا يمكن القول ان من الخطأ عدم الالتفات الى النتائج التي تخلفها عمليات من نمط
عملية بالي على حركات الاحتجاج الموجهة ضد الحرب على العراق، خصوصاً في الغرب
ومناطق اخرى من العالم، كما من الخطأ ان يظن احد انه وحده في الميدان وما عداه لا
قيمة له. فقد يقول البعض مثلاً ان الحرب حتمية في كل الاحوال، ولا يمكن ان يعزى
لعمليات موجهة ضد المدنيين ان تكون سبباً لها، او دافعاً للتعجيل في ارتكابها.
وهذه الحجة بالرغم من الاقناع الذي تحمله في ظاهرها الا انها تسوّغ كل الوان
الاخطاء التي يمكن ان ترتكب. فلا تدرك ان ما تفعله يؤثر سلباً او ايجاباً في موقف
الآخرين. فمنطقها يقول ما دام العدو مصمماً على الاعتداء فلا أهمية لما يمكن ان
اتبعه من سياسات. وبهذا تنكر اهمية حسن ادارة الصراع في تقرير نتائج كثيرة له.
فاذا كانت سياسة معينة لن تمنع وقوع حرب عدوان صمم عليها الطرف الآخر الا انها
تؤثر في مدى التأييد او الحياد اللذين يتمتع بهما في عدوانه، وتؤثر في مدى قوة او
ضعف المواجهة المضادة له.
لذلك
لايجوز ان يقلل من أهمية صحة المواقف او السياسات في كل الاحوال والظروف.
فالسياسات الصحيحة تعزز قوة أية جهة والسياسات الخاطئة او المخطئة تضعف قوة أية
جهة. المقصود بالصحيحة والخاطئة هنا نهج ادارة الصراع وكيفية توجيهه ومدى قراءة
اثره في معادلات موازين القوى. فخطأ واحد ارتكبه البعض فقط، في معركة احد اوقع
الهزيمة بالمسلمين.
اما
من الجهة الأخرى فقد جاءت العملية الموجهة ضد حاملة النفط الفرنسية وهي راسية في
المياه الاقليمية اليمنية، او وهي تهم بعبور الميناء لتزيد من الفوضى والخلل
اللذين جعلت تشيعهما عمليات التكثير من الاعداء والضرب في كل اتجاه ومتى لاح. وهذه
نتيجة طبيعية لممارسة تستهدف دائرة واسعة جداً من الدول والناس العاديين، في الوقت
الذي راحت الادارة الامريكية تستعدي فيه اغلب دول العالم وفي مقدمتها فرنسا
والمانيا وروسيا والصين واليابان، فضلاً عن العدوانية الشرسة ضد فلسطين والعراق
ومن قبل ضد افغانستان، ومن بعد ضد الانظمة والمجتمعات الاسلامية كافة.
لقد
كان من الضروري ان تراجع النتائج التي خلفتها هجمات 11 ايلول «سبتمبر» على
افغانستان وباكستان وبعد آن آسيا الوسطى وعلى العرب المسلمين في الولايات المتحدة
الامريكية وفي كل بلاد المهاجر، كما على معادلات الصراع في فلسطين والعراق والوضع
العربي بعامة، فضلاً عما سمحت به من ذريعة سياسية وايديولوجية للهجوم على العرب
والمسلمين والاسلام، بل لعسكرة العالم وادخاله في مرحلة شديدة الخطورة على مستويات
عدة.
ولكن
الذي خفف من تلك النتائج هو الاستغلال البشع الذي مارسته ادارة بوش لتلك الذريعة
حيث غالت بها وقفزت من فوقها لتفرض على العالم كله هيمنتها العسكرية، مما اعاد
للوضع توازنه من خلال شعور العالم كله ان الادارة الامريكية تستخدم تلك الذريعة
لاغراض اخرى موجهة ضد الدول والشعوب جميعاً بهدف تحقيق دكتاتورية عسكرية عالمية.
ومن هنا بدأت امريكا تخسر ما حاولت جنيه من وراء هجمات 11 ايلول، لأن غالبية دول
العالم وشعوبه راحت تستجمع قواها لمعارضتها واحباط مساعيها وهو الذي يفسر المعارضة
العالمية الواسعة ضد العدوان على العراق، كما ضد العدوان على الشعب الفلسطيني. وما
تعرضت له «استراتيجية الأمن القومي الامريكي»، من نقد ورفض.
ولهذا
لا يمكن ان يقرأ الهجوم على حاملة النفط الفرنسية او عملية بالي الا وضعاً للحب في
طاحونة السياسات الامريكية وان لم يقصد مَن وراءهما ذلك.