أحداث
تحتاج إلى تفسير
في الوقت الذي كان فيه سكان العاصمة الأفغانية كابول وسكان مدن
أفغانية أخرى مثل قندهار وجلال أباد يستعدون فيه للنوم ، قامت آلة الحرب الأمريكية
في الساعة السادسة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 7/10/2001 بتوقيت القاهرة ،
بإلقاء حممها من صواريخ توما هوك وكروز وقنابل زنة ألف رطل على المنشآت العسكرية
التابعة لحركة طالبان الحاكمة ، وعلى المعسكرات وقواعد التدريب الخاصة بأسامه بن
لادن وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه . وهكذا تكون الحرب التي أعلنها بوش صليبية على
الإرهاب قد بدأت بضرب أفغانستان .
وليس من شك أن أمريكا بنفوذها وتأثيرها القوي في معظم دول
العالم المتقدم منها والنامي قد تستطيع القضاء على حركة طالبان - كحكومة على الأقل
- خلال أسابيع أو شهور على أبعد تقدير ، وقد تستطيع أن تُحل محلها حكومة أفغانية
جديدة تخلو مما تسميه بالنزعات الإرهابية التي تستهدف الإضرار بالمجتمعات الغربية
، وقد تستطيع القضاء على بن لادن وتدمير تنظيم القاعدة ، غير أن ذلك لا يعني نجاح
أمريكا في اجتثاث أصول الإرهاب وأشكاله المنتشرة في أكثر من ستين دولة حسب تقدير
المسئولين فيها ، ذلك أن ما يسمونه بالإرهاب سوف يبقى طالما ظلت أسبابه ودوافعه
قائمـة .
وإزاء الأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم هذه الأيام ، يجد
المراقب نفسه أمام تساؤلات ملحة عديدة تحتاج لإجابات شافية لعل من أهمها :
هل ستنتهي الحرب الدائرة حالياً في أفغانستان بتحقيق أهدافها
في القبض على أسامه بن لادن وتدمير تنظيم القاعدة الذي يتزعمه وإسقاط حركة طالبان
التي وفرت له الملاذ الآمن ، أم أنها ستمتد لتطال بلدان ومنظمات أخرى ؟ وهل تستطيع
أمريكا بتحقيق تلك الأهداف أن تجتث ما تصفه بـ "الإرهاب" من جذوره ؟
ثم ، هل تجهل أمريكا أن البحث عن الدوافع والأسباب الحقيقية
التي تدفع بهؤلاء لأن يلقوا بأنفسهم في آتون الموت والقضاء عليها أو الحد من خطورة
اتساعها على الأقل ، ينبغي أن يسبق أي إجراء يتخذ في هذا المقام ؟
وأخيراً وليس آخراً : هل تستطيع أمريكا والغرب الذي يؤيدها-
فكراً وعملاً - أن تتجنب في ما تسميه حربها الطويلة ضد الإرهاب - الوقوع في شراك
النزعة الخبيثة لترجمة نظرية صراع الحضارات التي نادى بها اليهودي صمويل همنتنجتون
على أرض الواقع ، والتي ركز فيها على أن الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية
هو صراع حتمي لا مفر منه ؟ وهل تستطيع أمريكا والدول الغربية أن تكبح جماح الرغبة
العارمة لدى الأصولية المسيحية والكامنة أيضاً - ومنذ قرون- في ضمير المجتمعات
الغربية بمثقفيها وبسطائها من الناس في إحياء مثل هذا الصراع ؟ .
معنى الموقف الأمريكي تكمن في تصريحات الرئيس الأمريكي :
في التصريحات التي ألقى بها حول الإجراءات التي تزمع واشنطن
اتخاذها للرد على الهجوم الذي وقع على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر
الماضي ، يركز الرئيس الأمريكي - فيما يبدو - على عدد من المبادئ والمحددات التي
تنتظم المخططات الأمريكية بشأن التصدي للإرهابيين الذين نفذوا ذلك الهجوم بخاصة ،
والقضاء على الإرهاب ومنظماته أينما وجد ومعاقبة الدول التي توفر الملاذ الآمن
للإرهابيين من ناحية أخرى :
أ - إن الولايات المتحدة قد تعرضت لهجوم عسكري مباشر طال أهم
مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية وأوقع الآلاف من الضحايا الأبرياء ، مما يعطيها
الحق في إعلان الحرب على المنظمات الإرهابية التي خططت وأشرفت على تنفيذ هذا
الهجوم ، وعلى الدول التي وفرت لها الملاذ الآمن وساعدتها في تنفيذ مخططاتها
الإرهابية ، وذلك وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي الدول التي
تتعرض لهجوم عسكري الحق في الدفاع عن نفسها .
ب - إن تحقيق الأمن والاستقرار للشعب الأمريكي وشعوب العالم
يقتضي من المجتمع الدولي أن يعلنها حرباً شاملة لا هوادة فيها على المنظمات
الإرهابية في جميع الأرجاء ، وإن على جميع الدول أن تختار ما بين أمرين لا ثالث
لهما : فإما أن تكون مع الولايات المتحدة ضد الإرهاب وإما أن تكون مع الإرهاب
وعليها في هذه الحالة أن تواجه ذات المصير الذي سوف تلقاه المنظمات التي تصفها
واشنطن بـ " الإرهابية " .
ج - إن الحرب التي تستهدف اجتثاث ما يسمى بـ الإرهاب من جذوره
لن تقتصر على القيام بعمليات عسكرية فقط ، وإنما ستشمل تجفيف منابعه سواء ما يتصل
منها بالتمويل أو توفير مقومات التدريب والملاذ الآمن لقادته وكوادره . وهذا يقتضي
من جميع الدول أن تعمل على كشف مصادر تمويل المنظمات الإرهابية فيها وتجميد
حساباتها وإيقاف نشاط المؤسسات التجارية والمالية التي يشتبه في وجود علاقات
تربطها بتلك المنظمات ، كما يقتضي منها تبادل المعلومات الاستخبارية بما يتيح تعقب
النشاطات " الإرهابية " ويسهّل من عملية وأدها في مهدها .
د - إن على حركة طالبان التي تأوي أسامة بن لادن المشتبه به
الأول بتدبير الهجوم الذي وقع على مركز التجارة العالمي بنيويورك ومبنى البنتاجون
بواشنطن ، أن تقوم بتسليمه هو وقادة تنظيم القاعدة الذي يتزعمه لتقديمهم للمحاكمة
، وأن تقوم بتصفية جميع معسكرات التدريب التابعة لذلك التنظيم في أفغانستان ، وأن
تتخلى عن سياسة مساعدة "الإرهابيين" وتوفير الملاذ الآمن لهم . وإلا
فسوف تواجه من الولايات المتحدة بضربات عسكرية قاصمة تستهدف الإطاحة بحكومة كابول
والقبض على أسامه بن لادن وقادة تنظيم القاعدة أو قتلهم .
هـ - إن الحرب على الإرهاب لن تقتصر على العمليات العسكرية
التي تستهدف طالبان وبن لادن وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه ، وإنما قد تشمل دولاً
ومنظمات أخرى ، كما قد تطول لعدة سنوات .
الرئيس الامريكي جورج بوش
المضامين التي تنطوي عليها تصريحات بوش :
والواقع أن قراءةً سريعةً لما تنطوي عليه تلك المحددات من
مضامين مبدئية وإجرائية ، تظهر بوضوح أن أمريكا مقدمة على القيام بعمليات عسكرية
لا تقتصر أهدافها على الانتقام ممن تعتقد بأنهم كانوا وراء الهجوم الذي وقع عليها
فحسب ، وإنما لتحقيق أهـداف أخرى تنطوي على دعم لمبادئ ، وتحقيق لمصالح ، وتصفية
لحسابات طالما تمنـت أن تجد الظروف المواتية لتحقيقها كالسائدة حالياً .
المبادئ التي تعمل الإدارة الأمريكية على تكريسها :
ولعل من أظهر المبادئ التي تريد الإدارة الأمريكية تكريسها في
عقل العالم ووجدانه : إن الولايات المتحدة كانت ولا تزال وسوف تبقى أقوى قوة على
هذا الكوكب ، وإن من يحاول المساس بمكانتها سوف يكون مصيره الهلاك .
ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يتعرض هذا المبدأ
للاهتزاز والتقويض حين تعرضت الأراضي الأمريكية - ولأول مرة أيضاً - لعدوان مباشر
أصاب أهم رموز قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في مقتل .
ولأول مرة يشعر المواطن الأمريكي الذي كان يعيش بمنأى عن
الصراعات وأعمال العنف التي كان - حتى وقوع الهجوم - يسمع عنها ويشاهدها على شاشات
التلفزيون وفي ودور السينما ، بالخوف وعدم الأمان في ممارسة حياته اليومية .
ولأول مرة تكتشف أمريكا أن قوتها وعظمة أسلحتها وتقدمها العلمي
والتكنولوجي ، لم يحل دون وقوع كارثة مروعة بهذا الحجم الهائل من الخسائر البشرية
والمعنوية والمادية ، قامت بها مجموعة من الأفراد لم تستطـع أمريكا أن تفهـم ولا
تريد - على ما يبدو - أن تفهم القيم والدوافع والأسباب الحقيقية التي دفعت بهم
للتضحية بأرواحهم من أجل القيام بهذا الهجوم المروع .
ولأول مرة تكتشف الإدارة الأمريكية أن تقديرها لتفوق السوبرمان
الأمريكي كان مبالغاً فيه إلى حد السفه ، حيث لم تستطيع أجهزة المخابرات المركزية CIA ولا إدارة
التحقيقات الفيدرالية FBI ولا الأجهزة الأمنية الأخرى ، أن تتنبأ مسبقاً بما حدث ، كما لم
تستطع أن تتصور بأن أحداثـاً من هذا القبيـل أو حتى أقل منها يمكن أن تقع داخل
أمريكا .
والطريف في الأمر أن أحد الذين حضروا محاكمة المتهمين في حادث
تفجير مركز التجارة العالمي ذاته عام 1994 ، زعم أن متهماً منهم صرح أمام المحلفين
بأنه وأعضاء التنظيم الذي ينتمي إليه كانوا يخططون للقيام بعمليات انتحارية تستهدف
تفجير المركز ذاته ، وبنفس الطريقة التي تم بها تفجيره في الحادي عشر من سبتمبر
الماضي . لكن غطرسة القوة وعقدة التفوق التي طبعت بها الإدارات الأمريكية
المتعاقبة والأحزاب السياسية والرأسمالية الاحتكارية ووسائل الإعلام الأمريكية
المسيّرة ، شخصية الإنسان الأمريكي وختمته بطابع السوبرمان حتى لو كان محلفاً أو
قاضيا - هي التي دفعت بالمحلفين آنذاك لأن يأخذوا الأمر على محمل الهزل والسخرية
والاستخفاف ، فلم يكن أحد منهم على استعداد لأن يمحو مفهوم التميز الأمريكي من
عقله ليصدق ذلك الهراء الذي يتفوه به من هو "أقل منهم علماً وتحضراً ".
والمبدأ الثاني الذي تريد أمريكا أن تؤصّل وجوده على كوكبنا هو
: إن أمريكا هي الدولة العظمى الوحيدة التي يحق لها- بهذه الصفة - أن تتدخل في
الشئون الداخلية للدول الأخرى . فمنذ أن انهار الاتحاد السوفييتي وانهار معه
النظام العالمي القائم على ثنائية القطب ، ومنذ أن أصبحت الولايات المتحدة
الأمريكية القوة الوحيدة المهيمنة على هذا العالم ، بدأ مفهوم الاستقلال التقليدي
للدول وبخاصة النامية منها والفقيرة في التآكل بشكل يهدد استقلالها ويلحقها بقطار
التبعية الكاملة أو الرضوخ القهري لما تريده أمريكا . والشواهد على ذلك كثيرة
ومتنوعة ، ويكفي أن نشير إلى المعايير التي تحدد بها أمريكا مفاهيم ومصطلحات عديدة
تصم بها آذان العالم كل صباح ومساء مثل حقوق الإنسان والإرهاب والسوق الحرة
والعولمة والقيم الأخلاقية والوضعية والثقافة والتحضر .. والكثير الكثير مما ورد
وسيرد من هذه المفاهيم . وليس هناك ما يعيبها لو أنها انتهجت ازدواجية المعايير في
تحديد المفاهيم والكيل بمكيالين في الحكم على المشكلات والقضايا التي تواجه عالمنا
، وذلك إذا ما وافقت تلك المفاهيم بطبيعة الحال هواها ودعّمت مصالحها .
مظاهرات ببنجلاديش ترفع صور اسامة بن لادن
فكأن أمريكا تريد - بترسيخ هذين المبدأين - أن تنظم علاقاتها
بدول العالم في إطار عبارة واحدة متفردة وهي "من ليس معنا فهو ضدنا" ،
وهذا بالضبط ما عبر عنه بوش بوضوح في دعوته لإقامة تحالف دولي ضد الإرهاب حيث أخطر
جميع الدول بأن عليها أن تختار : إما مع الإرهاب أو ضد الإرهاب .
المصالح الأمريكية هي الحكم الفصل في تحديد المواقف من الدول
الأخرى :
والواقع أنه ليس من الغرابة في شيء أن تسخّر الولايات المتحدة
إمكاناتها وقدراتها ومكانتها الدولية لخدمة مصالحها ، لكن الغريب أن تُغرق في هذه
السياسة إلى الدرجة التي تخطئ معها التقدير في تقويم الظروف المواتية للاستمرار في
هذه السياسة . وهناك العديد من الشواهد التي تدل على ذلك لعل من أبرزها الأزمة
الحالية التي تعيشها أمريكا مع بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان . فحين كانت
مصلحتها تقتضي محاربة الوجود السوفييتي في أفغانستان بالوكالة ، أنست للتعاون مع
بن لادن وجماعته من المجاهدين للقيام بهذه المهمة . وحين انقضى الأمر على النحو
الذي أرادته وخرجت القوات السوفييتية مدحورة من أفغانستان ، نسيت أمريكا أو تناست
أن عليها استحقاقات ينبغي أن تدفعها التي أوفى أبناؤها بالتزاماتهم نحوها . بل على
العكس من ذلك ، قامت بزرع الفتن وبذور الشقاق بين فصائل المجاهدين الأفغان مما
تسبب في إشعال حرب أهلية طالت الأخضر واليابس .
وهنا نستطيع أن نقول بأن أمريكا قد "صكّت" مبدأً
ديماجوجياً آخراً في التعامل مع مختلف دول العالم وهو : "أنا ومن بعدي
الطوفان" ، وهي لا تدري بأنها قد تكون أول من يجرفه ذلك الطوفان .
والحقيقة أن الخطورة المروعة في هذا المبدأ تكمن في عدم القدرة
على مقاومة إغراءاته ، والوقوع في أخطاء التقويم الموضوعي للظروف المواتية
لتطبيقاته والزمن الذي تتم فيه هذه التطبيقات والتنبؤ بقيمة العائد منها . وهذا ما
نجده واضحاً في مبلغ الضرر الذي لحق وسوف يلحق بالمصالح الأمريكية في البلدان
العربية والإسلامية نتيجة تحيزها الخاطئ لإسرائيل ضد الحقوق العربية المشروعة في
فلسطين ، حيث كانت وما زالت تظن بأن وجود إسرائيل قوية في قلب العالم العربي سوف
يحمي مصالحها من أي تحولات أو تغيرات تطرأ على الدول العربية التي تعتبرها صديقة
أو موالية لها .
كذلك فإن توظيف أمريكا للضربة التي تعرضت لها وإعلانها حرباً
عالمية على الإرهاب وتسخير ذلك لخدمة أهدافها "القديمة المتجددة" في
السيطرة على دول آسيا الوسطى والاستحواذ على النفط القابع في جوف بحر قزوين وتقويض
نفوذ الدولة الروسية ذات الأصول السلافية في تلك المناطق ، وبسط النفوذ الأمريكي
على جنوب آسيا وبخاصة في باكستان _ يظهر مبلغ الضرر الذي يمكن أن يلحق بمصالح
الولايات المتحدة إذا ما أخفقت جهودها في تحقيق تلك الأهداف ، الأمر الذي يعتبره
بعض المراقبين وارداُ ، فضلاً عن أنه مخاطرة غير محسوبة يمكن أن تعود على أمريكا
بأفدح الخسائر .
تصفية الحسابات القديمة تطال في معظمها دولاً ومنظمات عربية
وإسلامية :
وليس من شك أنه ، ومنذ أن أصبحت أمريكا القوة الوحيدة المهيمنة
على العالم ، درجت على سياسة تصفية الحسابات القديمة مع بعض الدول والمنظمات التي
كانت تتخذ خطاً معارضاً لسياسة الاستحواذ وتوسيع النفوذ الأمريكي قبل انهيار
الاتحاد السوفييتي . ولسوء الحظ الذي لازم وما يزال يلازم العلاقات العربية
الأمريكية أن معظم تلك الحسابات هي مع دول ومنظمات عربية وإسلامية كانت وما زالت
تناضل من أجل استقلالها السياسي أو الاقتصادي أو العقائدي والتخلص من الهيمنة
الأمريكية على مقدراتها والفكاك من شرك التبعية بأشكالها المختلفة ، مما يؤكد
الرأي القائل بأن الحرب التي تقودها أمريكا الآن ليست موجهة كما تدعي ضد ما تسميه
بالإرهاب الدولي فقط ، وإنما هي موجهة أيضاً ضد كل من يعارض سياستها من المنظمات
أو الدول في العالمين العربي والإسلامي بوجه خاص .
وأبلغ دليل على ذلك أن تقويمها لفصائل المقاومة الفلسطينية
الإسلامية وغير الإسلامية التي كانت وما زالت تناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي ، وكذلك
تقويمها لحزب الله اللبناني الذي مارس حقه في مقاومة العدوان الإسرائيلي لجنوب
لبنان ، ولحركات المقاومة في ولايتي جامو وكشمير ، لا يخرج عن اعتبارها تنظيمات
تقع تحت طائلة الإرهاب الدولي ، كما أن معظم الدول التي تصفها بالدول المارقة التي
تأوي الإرهاب وتشجعه ، هي أيضاً من الدول العربية والإسلامية وهي دول العراق
وإيران وسوريا وأفغانستان والصومال والسودان وليبيا . ولربما ذهبت أمريكا إلى أبعد
من ذلك لتضع الدول العربية والإسلامية المعتدلة تحت طائلة ما يمكن أن تسميها يوماً
بالدول المبتلاة بداء الإرهاب التي ينبغي مساعدتها في التخلص منه ، ومن ثم تعطي
لنفسها حق التدخل في أخص شئونها الداخلية ، فتقوم بضرب أجزاء منها بحجة تخليصها
والعالم من بؤر الإرهاب وتجفيف منابعه .
أما المنظمات التي تعطي لنفسها الحق في قتل الأبرياء وتمارسه
مثل منظمة الجيش الجمهوري في إيرلنده الشمالية ومنظمة الباسك في شمال أسبانيا ،
وحتى بعض المنظمات الأمريكية التي تجاهر النظام الأمريكي العداء وتمارس الإرهاب
ضده ، فهذه جميعها لا تعد في نظر أمريكا والغرب منظمات إرهابية يستوجب محاربتها
واقتلاعها من جذورها.
تصفية حسابات قديمة مع من أضروا بالمصالح الأمريكية :
وقياساً بموقفها من قضية الطائرة الأمريكية التي سقطت فوق قرية
لوكيربي في اسكتلندا ، والتي أصرت أمريكا فيه على اتهام المخابرات الليبية
بإسقاطها ، وما تبع ذلك من قيام مجلس الأمن - تحت ضغط منها - بتوقيع عقوبات
اقتصادية على الشعب الليبي لسنين طويلة ، تقوم الولايات المتحدة الآن بخطوات
مبرمجة باتجاه تصفية حساباتها مع كل المنظمات والدول العربية والإسلامية التي
قاومت مخططاتها بالمنطقة ، وأوقعت بها خسائر مادية أو بشرية لم تفهم ولا تريد أن
تفهم أسبابها ودواعيها .
فأمريكا التي دخلت قواتها البحرية لبنان أثناء الحرب الأهلية
واحتلت أجزاءً من أراضيه ، لم تنس تلك الصفعة المهينة التي لاقتها على يد المقاومة
اللبنانية حيث أجبرتها على الرحيل بعد مقتل أكثر من مائتين وستين من جنودها
المارينز في عملية انتحارية قام به حزب الله .
كذلك لم تستطع أمريكا أن تنسى جنودها الذين لاقوا حتفهم على
أيدي الفصائل الصومالية التي تصدت للتدخل العسكري في تلك البلاد أثناء الحرب
الأهلية التي دارت رحاها بفعل أصابع أمريكية وغربية ، كما لاقت أمريكا صفعة أشد
حين فجّرت سفارتاها في كينيا وتنزانيا واتهُم أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة الذي
يتزعمه بتفجيرهما .
أما اللطمة التالية التي تلقتها ، فقد تمت على يد قارب مطاطي
استطاع أن يخترق كل الحواجز الأمنية ليضرب المدمرة الأمريكية "كول" التي
كانت راسية في ميناء عدن للتزود بالوقود . وهناك الكثير من الأعمال التي استهدفت
التواجد الأمريكي في العالمين العربي والإسلامي لم تستطع غطرسة القوة التي تتميز
بها الشخصية الأمريكية أن تتفهم أسبابها ودوافعها الحقيقية .
وحين وقع الهجوم المروع على مركز التجارة العالمي في نيويورك
وعلى مبنى البنتاجون في واشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001م ، رأت أمريكا في هذا
الهجوم فرصة سانحة للقيام بتصفية شاملة لحساباتها القديمة مع من ناصبوها العداء في
البلدان العربية والإسلامية لفترات طويلة ، وبخاصة تلك المنظمات والحركات التي
كانت ولا تزال تتصدى للمشروع الصهيوني الكبير في فلسطين والأراضي العربية الأخرى ،
إضافةً لنظام طالبان وبن لادن وتنظيم القاعدة الذين يقفون حجر عثرة أمام تنفيذ
مخططاتها في السيطرة على أفغانستان التي تتمتع بخصائص جيوبوليتيكية يمكن أن تعين
في بسط نفوذها على بلدان آسيا الوسطى والتسلل لبحر قزوين الذي يضم في قاعه
احتياطياً ضخماً من البترول .
ويبدو أن النهم الأمريكي في السيطرة على العالم وغطرسة القوة
التي تتعامل بها مع الآخرين ، دفع الإدارة الأمريكية إلى تهديد بعض الأنظمة
العربية التي تتعارض سياساتها مع السياسات الأمريكية في هذه المنطقة ، فراحت أصوات
مسئوليها في البنتاجون تنادي بإيقاع ضربة قاصمة وسريعة للنظام العراقي الذي يعرف
القاصي والداني في هذا العالم أنه لم يعد قادراً حتى على توفير الحد الأدنى من
الخدمات اليومية التي يحتاجها المواطن العراقي ، والذي ينحصر اهتمامه الآن في
محاولة التخلص من العقوبات الرهيبة التي ما زالت تجلب الموت للملايين من أبنائه
وبخاصة الأطفال منهم .
كما نادى نائب الرئيس الأمريكي ديج شيني بضرب البقاع اللبناني
، مما يعني أن حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية المتواجدة فيه فضلا عن مواقع
الجيش السوري ، أصبحت من الأهداف التي تسعى الإدارة الأمريكية لتصفيتها .
ما الذي تريده أمريكا من هذه الحرب ؟
وهنا يأتي السؤال الكبير : ما الذي تريد أمريكا أن تحققه من
هذه الحرب ؟ . فنحن - حقيقةً - لا نجد في قائمة الاتهام بالإرهاب التي أعلنتها
أمريكا أي متهم من خارج دائرة العرب والمسلمين ، سواء أكان فرداً أو جماعةً أو
منظمةً أو دولةً ، كما لم نقرأ في أجندتها لا تصريحاً ولا تلميحاً عن رغبتها في
القضاء على أضخم تنظيم إرهابي في العالم ونعني به عصابات المافيا المحلية منها أو
الإقليمية والدولية ، والتي كثيراً ما اتهمت بارتكاب جرائم الاغتيال بحق كبار
الشخصيات السياسية والمالية والقضائية ليست في أمريكا وحدها وإنما في جميع أنحاء
العالم . ويكفى لإدانة هذه المنظمات أنها كانت وراء الكثير من وقائع تهريب الأسلحة
والمواد والمعدات التي تدخل في صناعة الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية
والتي ازدهرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، ومع ذلك تظل هذه المنظمات بمنأىً عن
إدانة أمريكا لها بالإرهاب .
والغريب في الأمر أيضاً ذلك التجاهل الأمريكي الصارخ للأعمال
الإرهابية التي صاحبت التواجد الصهيوني على الأراضي الفلسطينية منذ قيام الدولة
العبرية عام 1948م وحتى اللحظة الراهنة ، وأمريكا تعلم أكثر من غيرها أن الدول
العربية كانت على الدوام ضحية لاعتداءات الجيش الإسرائيلي الذي يتسلح بأحدث
الأسلحة التي تنتجها المصانع الأمريكية وأشدها فتكاً .
والأغرب من ذلك كله أن الرئيس الأمريكي بوش ما زال يبدي
استغرابه واندهاشه للعداء الشديد الذي تكنه الشعوب العربية والإسلامية لأمريكا ،
بالرغم من أن غالبية الأنظمة في تلك الدول تؤيد - على حد قوله - الحرب التي تشنها
أمريكا حاليا على أفغانستان تحت ستار القضاء على الإرهاب العالمي المتمثل في أسامة
بن لادن وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه ، ونظام طالبان الحاكم الذي يوفر له الملاذ
الآمن .
لماذا تعادي الشعوب العربية أمريكا ؟
وهنا لا بد للمرء أن يتساءل : ألا يدرك صانعوا القرار الأمريكي
مبلغ الظلم الذي وقع على الشعوب العربية والإسلامية نتيجة السياسات الجائرة _ ولا
نقول فقط الخاطئة - التي اتبعتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة في التعامل مع حقوق
تلك الدول وتطلعاتها نحو النمو والارتقاء ؟ .
أولم تدرك تلك الإدارات بعد ، أن الموقف الأمريكي الذي كان وما
زال - وأغلب الظن أنه سيبقى - متحيزاً لإسرائيل ، أنه السبب الرئيس والأعظم في هذا
الكره المقيت الذي تكنه الشعوب العربية والإسلامية ، ليس للمواطن الأمريكي البسيط
الذي لا يعرف من أمور الدنيا غير ما تزوده به وسائل الإعلام الأمريكية التي تخضع
في معظمها للنفوذ الصهيوني من معلومات ، وإنما للإدارات الأمريكية المتعاقبة ،
بسبب ما ارتكبته من تحيز وجرم بحق آمال الشعوب العربية وطموحاتها بعامة ، وبحق
الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال بشكل خاص .
هل تعتبر تصريحات بوش حول إقامة دولة فلسطينية تحولاً
استراتيجياً في السياسة الأمريكية أم خطوة تكتيكية :
لعل من الإنصاف هنا أن نشير إلى ما يسميه البعض بالتغير
الجوهري في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وتوجهاتها نحو التناول الموضوعي وغير
المتحيز للصراع الحالي القائم بين الدولة العبرية والفلسطينيين في الأراضي المحتلة
بخاصة ، وحول قضايا الصراع العربي الإسرائيلي بعامة .
غير أن النار التي اكتوى بها العرب والمسلمون من جراء الحنث
الأمريكي الدائم بتلك الوعود ، لم تُبق لديهم ذرةً من الرغبة في الاستجابة لها أو
تصديقها ، والشواهد السابقة على ذلك كثيرة ولا حصر لها ، وما المأزق الذي تعيشه
الولايات المتحدة الآن والكارثة الرهيبة التي أصابتها مؤخراً إلا نتاجاً مباشراً
لمثل تلك الوعود الكاذبة التي قطعتها على نفسها ولم تقم بتنفيذها .
حقاً إن الهجوم الذي وقع على نيويورك وواشنطن يعتبر وبكل المقاييس
عملاً إرهابياً فظيعاً لا يمكن قبوله أو تبريره ، لا لأنه أوقع الإدارة الأمريكية
في مأزق ليس من السهل الخروج منه ، وإنما لأنه أودى بحياة الألوف من المدنيين
الأمريكيين الأبرياء الذين لا ذنب لهم فيما ارتكبته وترتكبه حكوماتهم من مظالم
وحماقات بحق الشعوب العربية والإسلامية المستضعفة ،
وحقاً إن مرتكبي هذا العمل الإرهابي ينبغي القبض عليهم وتوقيع
أقصى العقوبات عليهم ، غير أن ما هو حق أيضاً أن هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في تلك
العملية وغيرها من العمليات المشابهة ، لا يمكن أن يستهدفوا ذات المكاسب التي يرنو
إليها رجال المافيا أو تجار المخدرات أو المجرمين من وراء ارتكابهم لجرائمهم ، فلا
بد وأن تكون هناك أسباب أخرى تدفعهم لارتكاب هذا العمل الإرهابي ، هي ألصق في
طبيعتها بمبادئ عقائدية منها بأسباب إرهابية لا يقرها العقل ولا الوجدان .
فلسطينيون يتظاهرون تأييدا لبن لادن
وإذا صح أن من قام بذلك الهجوم المروع على نيويورك وواشنطن هم
من العرب والمسلمين الذين حاربوا في أفغانستان ، فلا بد أن يكون هجومهم ذاك بمثابة
رد فعل يائس على التأييد الأعمى والمستمر الذي تمنحه أمريكا للكيان العبري وما
يقوم به من تقتيل وتخريب وتعريض بالمقدسات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية
المحتلة من ناحية ، أو أن يكون رداً قاسياً على حنث الولايات المتحدة الأمريكية
بوعود تكون قد قطعتها على نفسها لهؤلاء من ناحية أخرى ، أو قد يكون - في أسوأ
الاحتمالات - الذريعة المنطقية لكل من يريد أن يوقع أذىً مُبرّراً بالولايات
المتحدة الأمريكية .
حل القضية الفلسطينية يرسي دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة
:
والواقع أن ما من سياسي مخضرم في هذا العالم إلاّ ويدرك أن
القضية الفلسطينية تظل السبب المباشر في عدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة منذ
خمسة عقود مضت على قيام دولة إسرائيل ، كما يدرك بأنه ما لم تحل هذه القضية على
النحو الذي يحقق آمال الشعب الفلسطيني وطموحاته في التحرر من الاحتلال الإسرائيلي
وإقامة دولته المستقلة على أرضـه ، فلن يكون هناك سلام أو استقرار في هذه المنطقـة
بل وفي العالم أجمع .
وما دام الأمر كذلك ، فإن من المنطقي أن تتجه الجهود نحو إيجاد
حل منصف وموضوعي وشامل وسريع لهذه المعضلة التي تثبت الأحداث كل يوم أن استمرارها
على صفيح ساخن لا بد وأن يهدد الوضع في المنطقة بالانفجار ، مما سيؤثر بالتالي على
الاستقرار والسلام العالميين .
جوهر تصريحات بوش حول قيام الدولة الفلسطينية المستقلة :
وهنا نعود إلى السؤال الحاسم : هل تصريحات الرئيس الأمريكي بوش
حول ضرورة قيام دولة فلسطينية تعترف بحق إسرائيل في الوجود ، تمثل توجهاً أمريكياً
استراتيجياً وليس توجهاً تكتيكاً يستهدف خدمة الحرب التي تشنها أمريكا الآن على
أفغانستان ، وهل تعكس تلك التصريحات - بحق - رغبة صادقة من الإدارة الأمريكية
الحالية في الالتزام بقدر مقبول من الموضوعية في معالجة النزاع الفلسطيني
الإسرائيلي ؟
الواقع أنه على الرغم من أنها المرة الأولى التي تصدر فيها
تصريحات عن رئيس جمهوري تقر بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة ، وعلى الرغم من أن
معظم الشواهد تدل على أن حجم الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني ومحاولات السلطات
الإسرائيلية الحثيثة والمتكررة المساس بالمقدسات الإسلامية في القدس الشريف لا بد
أن تكون من الأسباب الرئيسة التي تقف وراء ما يسمى بالإرهاب الدولي ، غير أن
الوعود التي أطلقها الرئيس الأمريكي حول ضرورة قيام الدولة الفلسطينية في هذا
الوقت بالذات ، لا يمكن أن تكون - في نظر العديد من المراقبين السياسيين - صادرة
عن إيمانه العميق بضرورة العمل على إعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، ومن
ثم فهي مرشحة لأن تلقى ذات المصير الذي لاقته الوعود الأمريكية السابقة في هذا
الشأن .
لن يستطيع بوش الوفاء بوعده :
وأغلب الظن : ما أن تُحقق أمريكا أهدافها من الحرب التي
أشعلتها في أفغانستان والتي تنوي - على ما يبدو - إشعالها في بلدان عربية وإسلامية
أخرى في مراحل لاحقة ، حتى تعود فتحنث بوعودها ، رافعةً - هذه المرة - لواء الدرع
الصاروخي في وجه كل من يحاول من العرب والمسلمين مطالبتها بدفع الاستحقاقات
المترتبة على وعودها نحو إقامة الدولة الفلسطينية .
وعلى العكس من ذلك تماماً ، قد تقوم أمريكا- في حال انتصارها
في الحرب ضد الإرهاب - بفرض حلول جائرة على الطرف الفلسطيني لحساب إسرائيل ،
انطلاقاً من قناعتها بأن إسرائيل ما زالت القوة الوحيدة القادرة على الحفاظ على
المصالح الأمريكية في المنطقة العربية ، وانطلاقاً من أن التفوق الأمريكي العسكري
والاقتصادي والسياسي على العالم يؤهلها لفرض ما تراه على الآخرين ، وبخاصة العرب
والمسلمين الذين أثبتت الأحداث الراهنة بأنهم ما زالوا مستهدفين لكل أنواع التجاهل
والاستخفاف والعجرفة والتعالي والكره من صناع القرار السياسي في المجتمعات الغربية
بعامة وفي أمريكا بوجه خاص .
زد على ذلك أن القوى الأمريكية الذاتية المؤثرة في صنع القرار
وبخاصة مجموعات الضغط اليهودية ، سوف تظل قادرةً على التأثير في ساكن البيت الأبيض
أياً كان انتماؤه ومهما كانت معتقداته باتجاه دعم المصالح الإسرائيلية ، رغم
الاعتراضات التي قد تزداد نسبتها بين المواطنين الأمريكيين العاديين للمواقف الأمريكية
المنحازة بغير وجه حق لإسرائيل نتيجة وقوفهم على الحقائق والعبر والمفاهيم التي
يكونوا قد استخلصوها من الأحداث التي مرت وستمر بهم أثناء الحرب التي أعلنتها
حكومتهم على من تسميهم بالمنظمات الإرهابية وعلى الدول التي تأوي تلك المنظمات
وجلّها من العرب والمسلمين .
ويحرص بعض المحللين السياسيين - في هذا المقام - على الاستماع
إلى الآراء التي يعتقد بها فلاسفة التاريخ وعلماء الاجتماع والاقتصاد ، من أن
المجتمع الأمريكي الذي يعيش الآن في بحر عميق من المادية ، قد أفرز قطاعاً من
المجتمع يسمح لنفسه باستغلال الأزمات العالمية والمحلية وتوظيفها لصالحه . ويقف
أرباب الصناعات العسكرية - في رأي هؤلاء المحللين - على قمة المستفيدين من الحروب
، ومن ثم فهم حريصون على دعم كل الآراء والجهود التي تصب باتجاه إشعال المزيد منها
والعمل على استمرارها ، الأمر الذي نجد له ترجمةً صادقةً لا لبس فيها ولا غموض في
التصريحات التي ما برح بوش يطلقها بين الحين والآخر : من أن العالم مقبل على خوض
غمار حرب عالمية من نوع جديد قد تمتد لسنوات طويلة ، وإن الأحداث الأخيرة التي
وقعت في أمريكا تثبت أن حاجتها للدرع الصاروخي هي الآن أكثر من أي وقت مضى ، وإن
أمريكا مقبلة على تكوين جيش جديد يختلف في تركيبه وتسليحه النوعي عما هو عليه الآن
.
والواقع أن هذه التصريحات تصب باتجاه واحد وهو تشجيع الحروب
وبخاصة الإقليمية منها التي تشارك فيها دول وجيوش بالوكالة عن الولايات المتحدة
الأمريكية ، وبالتالي فإن حل الصراع العربي الإسرائيلي من ناحية والصراعات
العربية- العربية من ناحية أخرى ، والصراعات الإقليمية من ناحية ثالثة ، سوف يحرم
الصناعات العسكرية الأمريكية من سوق واسعة ودائمة تكفل عودة البترو دولار لخزائن
البنك المركزي الأمريكي من ناحية ، كما تسهم في ازدهار صناعة السلاح الأمريكية من
ناحية أخرى .
خاتمة وتعليق :
ومهما يكن من أمر ، فإن الحرب التي أعلنتها أمريكا على ما
تعتبره إرهابا لن تكون مقدسة إلا إذا راعت الكيل بمكيال واحد في تحديدها لمفهوم
الإرهاب من ناحية ، وتحديدها للمنظمات والدول التي تدخل بحق في إطار هذا المفهوم
من ناحية أخرى .
فما نشاهده منذ سنوات أن وزارة الخارجية الأمريكية تصدر قائمة
سنوية بالمنظمات الإرهابية في العالم ، ودرجت على وضع حزب الله اللبناني على رأس
هذه القائمة بالرغم من أنه لم يقم في تاريخه بأي عمليات عسكرية خارج النطاق
الجغرافي الذي كان وما زال يعمل فيه ، وبالرغم من أنه هو الذي أجبر قوات الاحتلال
الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان . كذلك ضمت هذه القائمة جميع فصائل
المقاومة الفلسطينية التي ما وجدت أصـلاً إلا لمقاومـة الاحتلال الإسرائيلي ، هذا
من ناحيــة .
ومن ناحية أخرى تعتبر أمريكا الممارسات العدوانية التي يقوم
بها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين والتي تفوق في طبيعتها ووحشيتها أي إرهاب
شهدته الإنسانية عبر تاريخها الطويل ـ تعتبره ـ حقا مشروعا لإسرائيل في الدفاع عن
نفسها .
فكأن أمريكا بهذه المفارقة الظالمة تضرب عرض الحائط جميع
القرارات الدولية والشرائع السماوية التي تعطي الشعوب المحتلة الحق في الدفاع عن
أرضها ومقاومة الاحتلال بكافة الوسائل التي تعينها على طرد القوات المعتدية من
أراضيها . وما دام الأمر على هذا النحو ، فكيف يكون حال العرب والمسلمين وهم يرون
أمريكا ماضية في دعم الكيان العبري إلى أبعد الحدود ؟
ومع ذلك ، فلسنا مع الذين يتسترون بقضايا أمتهم أو بدينهم
ليقوموا بقتل الأبرياء ، فديننا السمح يعلمنا بأن من قتل نفساً بغير ذنب فكأنما
قتل الناس جميعاً . كذلك فإننا لا نقبل بأي شكل من الأشكال بأن تقوم الولايات
المتحدة وحلفاؤها بضرب شعب مسلم مستضعف لا ذنب له غير أنه آوى اخوة مسلمين هبوا
يوماً لنصرته ضد الاحتلال السوفييتي لوطنه .